ربما لم يتخيل سكان المدينة المُنكوبة أن ضحكات أطفالهم ستصمت للأبد صبيحة هذا اليوم، لكنهم على الأرجح لم يتفاجؤوا بسماع أصوات الطائرات، وهي تقصف شوارعهم ومستشفياتهم؛ لأن خطة الأسد كانت واضحة لهم من البداية منذ أن كانت «حلب تحترق»، فالهدنة الدولية كان هدفها الرئيسي من وجهة نظر الكثيرين إخراج المعارضين من مناطقهم المتفرقة، وفتح ممرات آمنة لهم من أجل وصولهم، وحصرهم في «ريف إدلب» شمال غرب سوريا، ثم يقوم النظام السوري بقصف أحياء المدينة تلو الأخرى، متبعًا سياسة الأرض المحروقة التي يمارسها منذ اندلاع الثورة، وخصوصًا بعدما أصبحت إدلب أكبر معقل للمعارضة السورية المسلحة.

في هذا التقرير نشرح لك كيف أوقع النظام السوري بالمعارضين، وكيف واجهت «خان شيخون» نفس مصير حلب؟

1- «خان شيخون تختنق».. مجزرة الغاز السام

 

ليست هذه هي أول مرة تتعرض فيها المدينة للقصف؛ فطائرات النظام السوري والروسي قامت سابقًا بقصفها باستمرار بالقنابل العنقودية إضافة إلى الغازات السامة، لكن ما حدث اليوم للمدينة في الساعة الثامنة صباحًا كان أمرًا مُختلفًا.

بحسب بيان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، فإن طائرات النظام الحربية استخدمت صواريخ محملة بغازات كيميائية سامة يُعتقد أنها غازات السارين، نظرًا لأن الأعراض التي ظهرت على المصابين تؤكد استخدامه، ومنها الغيبوبة والتقلصات في حلقة العين، وتوقف عمل القلب، كما أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان أن الضربات التي خلفت سحابة سوداء كبيرة سببت معاناة كثيرين من الاختناق، بينهم الأطفال الذين لم يستطيعوا مقاومة السم القاتل.

 

وأفاد مراسل قناة الجزيرة أن الطائرات قامت بـ15 غارة جوية، وأسفرت عن مقتل مئة مدني على الأقل، وأكثر من أربعمائة جريح معظمهم من الأطفال، ونقلت وسائل إعلامية فيديوهات مصورة تظهر عشرات الجثث المُلقاة في الشوارع بجوار حالة الدمار والفوضى التي خلفها القصف، كما قامت الطائرات بمعاودة القصف مرة أخرى بعد عدة ساعات استهدفت المستشفى الذي يعالج المصابين من القصف الكيماوي.

https://youtu.be/XdIrV7gW5vs

 

على جانب آخر، نقلت رويترز تصريح مسؤول عسكري في الجيش السوري نفى استخدام الجيش غازات سامة خلال غاراته، وهو ما رفضته المعارضة السورية التي دعت مجلس الأمن الدولي لعقد جلسة طارئة، وفتح تحقيق فوري؛ لبحث استخدام النظام السوري أسلحة كيميائية في استهداف المدنيين.
وفي الوقت نفسه، دعت كلّ من بريطانيا وفرنسا مجلس الأمن رسميًّا إلى عقد جلسة طارئة بشأن القصف الكيميائي، كما ندد الاتحاد الأوروبي، ودعت تركيا لمعاقبة النظام السوري، وهو ما تزامن مع نفي روسيا الاشتراك بطائراتها في قصف المدينة، لكنها قامت مساء اليوم بقصف مدينة «سلقين» التابعة لريف إدلب؛ مما تسبب في وفاة 16 مدنيًّا إضافة انهيار عدة مبانٍ سكنية ومنشآت عامة نتيجة القنابل الفراغية التي أطلقتها الطائرات.

جدير بالذكر أن مجزرة الغاز السام في «خان شيخون» ليست الأولى من نوعها التي يقوم بها النظام السوري، فالطائرات السورية قصفت عشرات من البلدات بالغازات الكيميائية السامة، وأشهرها ما حدث  في مدينة «الغوطة» عام 2013، إذ تم قصفها بغاز الأعصاب الذي حصد أرواح أكثر من ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال، وهو ما استدعى غضبًا دوليًّا لم يدعمه أي قرارات عقابية.

 

ويتوقع في الأيام القادمة أن يستمر قصف المدينة باعتبارها المعقل الأكبر للمعارضة، بعدما نزح إليها مئات المقاتلين من مناطق الهدنة خلال الشهور الماضية.

 

اقرأ أيضًا: في سوريا: أول ضحايا «هجوم كيماوي» في التاريخ، هل يكونون الأخيرين أيضًا؟

2- كيف أصبحت إدلب الهدف الرئيسي للنظام بعد سقوط حلب؟

 

تعتبر إدلب المحافظة الوحيدة الواقعة بشكل كامل تحت سيطرة المعارضة، وقبل أن يسيطر النظام السوري على حلب بالكامل في نهاية ديسمبر (كانون الثاني) من العام الماضي، تم التوصل مع أطراف المعارضة إلى اتفاقية وقف إطلاق النار، وهي المبادرة التي دعمتها روسيا وتركيا، وتقضي بإجلاء آلاف المدنيين من شرقي حلب المحاصرة إلى غربها، وخروج مجموعات معارضة تسلم أسلحتها الثقيلة، ويكون مسموح لها بحمل السلاح الخفيف فقط.

وتبنى النظام استراتيجية «الباصات الخضراء»، وهي حافلات يحرسها الجيش السوري والروسي، وتقوم بنقل المدنيين والمسلحين الراغبين بمغادرة المدينة على متن حافلات إلى محافظة إدلب المجاورة، بينما يطبق قانون الإرهاب على الباقين.

واستطاع النظام السوري تطويق شرق مدينة حلب منذ يوليو (تموز) من العام الماضي، بعدما كانت الجماعات المسلحة تسيطر عليها منذ عام 2012، وأدى حصار القوات الحكومية إلى قطع إمدادات الغذاء والدواء الأساسية عن حوالي 250 ألف نسمة، بالإضافة إلى قطع إمدادات الوقود اللازمة لتسيير عربات الإسعاف ومولدات المستشفيات؛ لذلك كان تسليم المدينة في نظر البعض أمرًا محتومًا.

وخرج المعارضون بالمئات من عدة أحياء سلّموها، وأبرزها مدينة حلب وداريا وحي الوعر وريف دمشق، وتقول الصحافية السورية «ع.م»: «وجد المقاتلون أنفسهم في معركة غير متكافئة في العدّة والعدد»، وتضيف لـ«ساسة بوست»: «المعارضة وافقت على شروط النظام السوري بالانسحاب؛ لأنه لم يكن هناك خيارٌ آخر سوى الموت».

ورأى البعض أن خطة الأسد من البداية كانت حصر أكبر عدد من المعارضين في مكان واحد؛ ليسهل القضاء عليهم، بالرغم من أن إدلب، المدينة المحاصرة، لا تحتمل دخول أعداد أخرى إليها؛ لنقص الخدمات والموارد الأساسية، وهو يتفق مع البيان الذي أصدره مجلس محافظة إدلب، والذي اعتذر فيه عن استقبال المهجرين إلى المحافظة، كما أعلن أنه سيكون عاجزًا عن توفير أبسط مقومات الحياة الإنسانية لهؤلاء النازحين.

 

وبعد إعلان وزارة الدفاع الروسية، أنها فتحت ممرات «آمنة» لخروج المدنيين والمقاتلين إلى إدلب، أظهر مجلس المحافظة تخوفه، قائلًا: «إن هناك نية واضحة بتجميع الثوار والمقاومين السوريين في بؤرة جغرافية ضيقة، لتركيز القصف عليهم، ما يسمح للنظام بتمرير مخططاته، فيما يتعلق بالتغيير الديموجرافي في المناطق التي جرى إجلاء سكانها».

 

وأوضحت منظمة هيومان رايتس ووتش، في تقرير لها اليوم، أن النظام السوري اختار مدينة «خان شيخون» تحديدًا؛ لأن البلدة تقع في مناطق خططت القوات الحكومية للتقدم فيها، بدءًا من الشرق، وسيرًا نحو الغرب، وفق تغيّر خطوط المواجهة؛ لأنه سبق التوضيح أن تلك الأراضي ليس فيها مؤيد لنظام بشار.

 

وجدير بالذكر هنا طبيعة القتال في المدن السورية، فالرقة يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، وتعتبر أكبر معاقله في سوريا، بينما «الغوطة» وأجزاء من ريف دمشق تقعان في يد المعارضة السورية، ويقتسم إدلب الجيش الحر صاحب الأغلبية العددية، والجزء الآخر لجبهة النصرة.

 

3- هل سيقوم النظام السوري بتفجير إدلب؟

بعدما أعلن الجيش السوري سيطرته على حلب، سأل أحد الصحافيين مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة، «فيتالي تشوركين»، قائلًا: «هل ستقومون بتفجير إدلب؟»، ورغم أن الأخير امتنع عن الإجابة، إلا أن مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا «ستيفان دي ميستورا» أبدى مخاوفه من أن يتكرر سيناريو حلب في المدينة، وقال: «أخشى أن تصبح إدلب الهدف التالي للجيش السوري».

ومنذ أن فاز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية، والمعارضة تتخوف من أن تتغير سياسات الولايات المتحدة نحو القضية السورية؛ وترامب نفسه ساهم في إثراء التخوفات الجديدة، بعدما أعلن أن المشكلة في سوريا ليست في رحيل الأسد، إنما في القضاء على «تنظيم الدولة».

وتعتبر المعارضة السورية أن السبب الأول في قيام النظام السوري بقصف مدينة «خان شيخون»، هو تصريح مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة أن بلادها، لم تعد متمسكة برحيل نظام الأسد؛ فالأسد اتخذ من تلك التصريحات ضوءًا أخضر للقيام بعمليته الكبرى للقضاء على أكبر معاقل المعارضين في سوريا.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد