إبراهيم أبو جازية

11

إبراهيم أبو جازية

11

1,392

120 ألف إنسان، ما بين رجال ونساء وأطفال، محاصرون في منطقة حلب الشرقية، من قبل قوات النظام السوري، وذلك بعد أن ركّز النظام جهوده لاستعادة سيطرته على المدينة.

وأعلن جيش النظام السوري، صباح الأحد الماضي، سيطرته على أكثر من 90% من المدينة، بينما تتركز قوات المعارضة في ست مناطق فقط، بحسب إعلانه، ليغلق المدينة بالكامل، محاصرًا إياها من أجل استعادة ما تبقى منها، في انتظار أن يخرج بشَّار الأسد في وقتٍ قريب للاحتفال باستعادة المدينة بأكملها مرة أخرى، والتي فقدها منذ عام 2012.

ويبدو أن معركة استعادة حلب قد انتهت بانتصار نظام بشَّار الأسد، وذلك بعد انسحاب وفرار الجماعات المسلحة المعارضة، من المناطق التي كانت تُسيطر عليها، بسبب شدة القصف الجوي، وضغط الحصار عليهم مع قلة الموارد، إذ استطاع جيش النظام السوري، مدعومًا بميليشيا غير نظامية، استعادة السيطرة على مناطق الشيخ سعيد، والشحادين، ومنطقة الإسكان، وكرم الأفندي، وكرم الدعدع، والصالحين، وبذلك تزداد نسبة المناطق التي أوقعها تحت سيطرته إلى 98%، خلال أقل من يومٍ واحد، إذ كانت وزارة الدفاع الروسية، قد أعلنت، أمس الاثنين، أن حوالي 728 شخصًا من فصائل المعارضة المتواجدة في شرق حلب، سلموا أسلحتهم وانتقلوا إلى غرب المدينة.

هذا وكان قد صرّح، رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، لصحيفة الإندبندنت البريطانية، قائلًا إنّ «مدينة حلب تنهار بأكملها، إنها مسألة وقتٍ فقط».

وعلى ما يبدو كان ذلك واضحًا لقائد العمليات العسكرية في حلب، اللواء زيد صالح، الذي قال لوكالة أنباء رويترز، في وقت سابق، إنه «ينبغي أن تنتهي المعركة في أسرع وقت؛ فالمتمردون ليس لديهم الكثير من الوقت، فإمَّا يستسلمون وإما يموتون».

حصارٌ للمدينة، وقصفٌ جويٌّ نظامي مكثف بمباركة روسية، دفع الآلاف من المتواجدين في منطقة حلب الشرقية للفرار من ملجأ إلى آخر؛ فليس ثمّة مكان آمن، أو سالم، يصلح ملجأً لأي فرد، لأي طفل، لأي امرأة، لأي عجوز. الموت في كل مكان.

وكما العادة، يدفع المدنيون الثمن غاليًا، وسط معارك المسلحين، فلم يكتفِ القصف الجوي والحصار أن يزيد من معاناة المدنيين السوريين في منطقة حلب الشرقية، وإنما تحالفت الطبيعة هذه المرة مع هذا القصف، لتُضاعِف الأمطار والأجواء الباردة من معاناة السوريين، في ظل صعوبة إيجاد ملاجئ آمنة لهم، وفي حالة وُجد بعضها، فإنها ما زالت تؤذيهم في أجسادهم من شدة البرد، مع انهيار البنية التحتية بأكملها للمدينة.

في انتظار الموت

المعاناة التي يتعرض لها المدنيون في حلب وصلت إلى أعلى مراحلها في المنطقة الشرقية؛ فالمدينة التي شهدت أعنف وأشرس المعارك على مدار السنوات الست الماضية، والتي ربما تكون أكثر مدينة تحمل عددًا من ضحايا النظام السوري. المدنيون والصحفيون في حلب الشرقية بلا أمل، بلا طعام، أو مأوى، أو أمن، وبالإضافة إلى كل ذلك فإنهم تحت القصف الجوي للنظام السوري، والأهم أنهم بلا مساعدة، فقط، يجلسون في انتظار الموت.

مفتاح معاناة المدنيين في معركة نظام بشَّار الأسد لاسترداد مدينة حلب بكاملها تتمثل في منشوراتهم وتغريداتهم على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة في ليل الاثنين، والتي ارتبطت في معظم الأحوال باحتمالية كونها «الرسالة الأخيرة» لهم. فبين مُودعٍ لأمه، ومودِعٍ لأصدقائه، وطالبًا للمساعدة، وطالبًا للدعاء، يقبع المدنيون في حلب الشرقية في أسوأ الأوضاع الإنسانية، تحت القصف الجوي المكثف والحصار. القصص الإنسانية وراء هذه الرسائل برغم قلة عددها، واقتضابها الشديد بسبب الأوضاع في المدينة، إلا أنها تحمل معاني ومشاعر قد يُحكى عنها في كتب.

«أنا في انتظار الموت أو الأسر من قبل نظام الأسد»، هكذا عبَّر المصور الصحافي أمين الحلبي، على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، مشيرًا إلى أنه قد تكون هذه هي رسالته الأخيرة قبل الرحيل، إما عن الحياة، أو عن الحرية، في «يوم القيامة بحلب». طالبًا من متابعيه مسامحته والدعاء له، وذكره بالخير بعد رحيله.

الصحافي الأمريكي بلال عبد الكريم نشر أيضًا «رسالته الأخيرة» من حلب، والتي جاءت في صورة فيديو بثه على حسابه الشخصي بموقع التدوينات القصير، تويتر، التي أراد بها توديع أصدقائه ومتابعيه، موجهًا الشكر لسكان حلب الشجعان والكرماء، الذين ساعدوه كثيرًا أثناء تغطيته للأحداث هناك.

كما وجَّه عبد الكريم رسائل إلى دول مثل تركيا، وقطر، والمملكة العربية السعودية، حمّلهم فيها مسؤولية إضاعة فرصة إنقاذ أهالي حلب من الموت.

من جانبهما دعا الصحافي هادي العبد الله، والناشط معاذ الشامي، عناصر الفصائل المختلفة إلى التمرد على قادتهم والتوجه إلى حلب، لمد يد العون لأهلها المحاصرين، وذلك في مقطع فيديو مصور، بثه الأوّل عبر صفحته الشخصية على فيسبوك.

وقال الاثنان، إن نداءهما هذا بمثابة النداء الأخير، قبل تنفيذ المجزرة رسميًّا بحق المحاصرين في حلب.

كذلك وجّهت الناشطة السورية لينا الشامي رسالتها الأخيرة و«نداءها الأخير»، لحكومات العالم، مطالبةً إياهم بسرعة التحرك لإنقاذ المدنيين المحاصرين. كما فعلت والدة الناشطة بنّا العابد، السيدة فاطمة، عندما نشرت على تويتر رسالتها الأخيرة، التي قالت فيها إنها لا تصدق أنها ما زالت على قيد الحياة حتى الآن.

هذا بخلاف عدد كبير آخر من رسائل مجهولة، تلاقاها صحافيون، وصحف أجنبية، كالتي تلقاها كريم شاهين، مُراسل صحيفة الجارديان البريطانية، من أحد سكان حلب، كـ«رسالة وداع»، قال فيها: «تذكروا أنه كانت هناك مدينة تُسمى حلب، ولكن العالم قام بمحوها وإزالتها من الخريطة والتاريخ».

كما تلقى شاهين رسائل أُخرى لمحاصرين، طالبوا بنشر قصصهم، ليفتخر بها أبناؤهم، في إشارة إلى صمودهم لآخر لحظة.

وفيما يخص أعداد الضحايا، فقالت هيئة الدفاع المدني السوري، إن العدد غير معلوم بعدما حدث أمس بسبب القصف المكثف، إلا أن الأشلاء والجثث تملأ الشوارع.

ردود فعل محلية ودولية: «ناس بترقص.. وناس بتموت»

هكذا قال المطرب المصري، أمير عيد، مُعلقًا على الأحداث السياسية في مصر، عقب ثورة 2011، ضمن كلمات إحدى أُغنياته، لكن وفيما يبدو فإن تلك الكلمات تنطبق على ما يحدث في حلب الآن، وعلى الواقع من حولها، الراقص على جُثث وأشلاء ضحاياها.

واختلفت ردود الأفعال فيما يخص ما يحدث في حلب، فثمة ردود الفعل المرحبة، من قبل النظام السوري ومؤيديه، كما الحال مع فارس شهابي، رجل الأعمال وعضو البرلمان السوري عن مدينة حلب، الذي أعرب عن سعادته باستعادة النظام السيطرة على مدينة حلب، قائلًا في تغريدة له على تويتر: «نحتفل مع أصدقائنا الأوروبيين بالانتصار في حلب على قوى الظلام، العلمانية تفوز في سوريا».

كما بث التليفزيون السوري الحكومي، مساء أمس الاثنين، عددًا من اللقطات التي أُشير إليها على أنها احتفالات للسوريين في شوارع حلب، بعد استعادة المدنية مرة أخرى منذ 2012، مرددين هتاف «بالروح بالدم.. نفديك يا بشَّار».

في المقابل، جاءت ردود الأفعال المُدينة والمستنكرة، من أرجاء مختلفة في العالم، إذ شهدت مدن وعواصم أُوروبية، مثل لندن وبرلين، خروج تظاهرات منددة بما يحدث في حلب، والصمت الدولي عن ذلك. وكانت معظم التظاهرات أمام سفارات روسيا في تلك العواصم.

وكان لبان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، حظٌ ونصيب من الشعور بالقلق الذي اعتاده لعشر سنوات تقريبًا، لكن هذه المرة، اكتشف بان كي مون على حين غرّة من الزمن، وبعد ست سنوات من الحرب في سوريا، أن هناك «أعمالًا وحشية» و«فظائع» يرتكبها النظام السوري ضد المدنيين، مُعربًا أيضًا عن قلقه تجاه ذلك.

ومن جانبه، حمّل جان إجيلاند، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، الحكومتين السورية والروسية، مسؤولية «الفظائع والأعمال الوحشية» المرتكبة ضد المدنيين في حلب.

تعليقات الفيسبوك