3,660

انتهى منتصف ليل الثلاثاء، وانتهى معه مُهلة الـ48 ساعة التي حددتها الإمارات للأمم المتحدة من أجل إقناع الحوثيين بالانسحاب من ميناء ومدينة الحديدة دون شروط؛ وفي الصباح الباكر بدأت العملية العسكرية الأكبر في اليمن منذ ثلاث سنوات؛ مئات الدبابات والمدرعات العسكرية يقودها التحالف العربي مدعومًا بقوات من الجيش اليمني وعدد من فصائل ما يعرف بالمقاومة اليمنية وعلى رأسها العميد طارق صالح، إضافة إلى غطاء جوي كثيف يتّبع في قصفه سياسة «الأرض المُحترقة» والتي مكنته حتى الآن من التقدم خمسة كيلومترات باتجاه مطار الحديدة خلال معارك نصف ساعة فقط.

هذه السطور توضح لك لماذا تجاهلت السعودية والإمارات تحذيرات الأمم المتحدة، وما هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لكل طرفٍ في تلك الحرب.

كيف تورطت أطراف دولية في الحرب؟

قبل المعركة بخمسة أيام أرسلت الأمم المتحدة مبعوثها إلى اليمن «مارتن غريفيث» في محاولة أخيرة لإقناع السعودية والإمارات بالتراجع عن فكرة اقتحام ميناء الحديدة الذي يعد شريانًا لنحو 600 ألف مدني قد يتضرر جراء الحرب وقطع المساعدات الإنسانية، من جهة أخرى كان «مارتن غريفيث» قد تفاوض مع الحوثيين بشأن التوصل إلى مبادرة سياسية للانسحاب من الميناء أو تسليمه للأمم المتحدة وفق شروط، لكنّ كافة المحاولات تفشل ويترقب الجميع الحرب الوشيكة.

في تلك الأثناء تُعلن الإمارات معركة «الرعد الأحمر» في الثامن من مايو (أيار) الماضي، وبعد أقل من ثلاثة أسابيع تقترب القوات 18 كيلومترًا من مطار الحديدة، و25 كيلومترًا من ميناء الحديدة، ورغم أنّ الهزيمة أجبرت زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي إلى الظهور في خطاب تليفزيوني ليُقر بهزيمة قواته، إلا أنّ الحلفاء الغربيين للسعودية والإمارات مُمثلين في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أظهروا قلقًا بالغًا من الانتهاكات الإنسانية التي سيساهم فيها السلاح الغربي، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة فقد يموت نحو 250 ألف شخص وفق أسوأ السيناريوهات.

المخاوف دفعت واشنطن لتوجيه تحذير لأبوظبي من الهجوم على الميناء دون موافقة الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تكشف دورية «إنتلجنس» التابعة للاستخبارات الفرنسية أنّ الإمارات وظفت ضباطًا أمريكيين لتحسين قدراتها العسكرية في حرب اليمن، الأمر نفسه كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية قبل إندلاع الحرب، وبحسب الصحيفة فإنّ القوات الخاصة للجيش الأمريكي تساعد السعودية في تحديد مواقع تمركز الحوثيين والمساعدة في تدمير مخابئ الصواريخ البالستية.

ليس هذا ما يورط الولايات المتحدة في الحرب، فبينما تخوفت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما من تقديم أسلحة للسعودية خوفًا من استخدامها في حرب اليمن، وهو ما سيجعل الولايات المتحدة شريكة في جرائم الحرب إن وقعت وفق القانون الدولي، تجاهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المخاوف وقام بتوقيع صفقات أسلحة بلغت 110 مليار دولار على مدى 10 سنوات، الأمر نفسه تكرر مع بريطانيا التي ارتفعت مبيعات أسلحتها للسعودية نحو 500%، بقيمة 4.6 مليار جنيه استرليني في أول عامين من الحرب اليمنية، فرنسا أيضًا ليست بعيدة عن الاتهامات، فمنظمة العفو الدولية تقود تحركًا أوروبيًا للضغط على فرنسا لوقف بيع الأسلحة.

كل تلك المعطيات أوحت بأن تكون الدول الثلاث قد أعطت فعليًا الضوء الأخضر لقوات التحالف لبدء معركة الحديدة، حتى وإن صرحوا علنًا برفضها خوفًا من الملاحقات الأممية، على جانب آخر استعدت السعودية والإمارات لإسباغ الشرعية الدولية لمعركة الحديدة عن طريق اللقاء الذي جمع ولي عهد الإمارات بالرئيس هادي في أبوظبي في إشارة إلى أنّ الحرب تأتي بموافقة من الحكومة الشرعية وأنّ قوات التحالف غير مسؤولة عن أية كارثة إنسانية قد تحدث، وإلا فالدول الكبار شريكة معها في الخسارة والنصر.

لو سقطت الحديدة.. كيف سينتقم الحوثيون؟

قبل الحرب التي نشبت فجر الأربعاء، كانت التطورات العسكرية لقوات التحالف العربي تشير إلى تقدم عسكري ملحوظ شمال مديرية الدريهمي -جنوب الحديدة-، والخسائر دفعت الحوثيين -وفق تسريبات– لبدء مفاوضات مع المبعوث الأممي من أجل تسليم ميناء الحديدة وفق شروط أبرزها، عدم اعتراض البضائع المتجهة إلى مناطقها وإلزام الحكومة الشرعية بتسليم رواتب الموظفين في مناطق سيطرتها، وإيقاف الحرب وعدم استهداف مناطق جديدة تحت سيطرتها، وإلزام تحالف دعم الشرعية بإيقاف الغارات، وبدء مفاوضات سلام، مع وضع ضمانات كافية بعدم خرق وقف إطلاق النار.

Embed from Getty Images

لكنّ الإمارات قطعت الطريق عليهم من أجل إخراجهم تماما من طاولة المفاوضات الأممية تمهيدًا لإخراجهم أيضًا من المحافظة الاستراتيجية التي تمنحهم وجودًا على البحر الأحمر، ووفق آخر المستجدات العسكرية التي يُنشرها إعلام التحالف، فإنّ القوات اليمنية المدعومة من السعودية والإمارات باتت أقرب ما تكون من المطار والميناء، وهو تحوّل سريع قد يغير خريطة الحرب في وقت قصير.

على جانب آخر، فبحسب ما أعلنته وكالة الأنباء اليمنية سبأ، التي يُسيطر عليها الحوثيون، فإنّ قواتهم استخدمت المدفعية الثقيلة والصواريخ ردًا على القوات السعودية، وفي تطور آخر للقتال، أطلق الحوثيون صواريخهم البالستية مدينة الفيصل العسكرية بنجران الحدودية، كما استهدفوا أيضًا بارجة حربية تابعة لقوات التحالف حاولت الاقتراب من ساحل الحديدة، ورغم الصمود الحوثي إلا أنّ القادة الميدانيين سبق وأن وضعوا خُططًا أخرى لما بعد الهزيمة في محاولة للبقاء على طاولة المفاوضات.

المثير أنّ الحوثيون قاموا بتفخيخ الميناء والمطار اللذان يُشار إليهما باعتبارهما الهدف الرئيس للمعركة، ويبدو أنه سيكون القرار الأخير قبل الانسحاب من المدينة، الحوثي أيضًا سبق أن هدد بوقف الملاحة في البحر الأحمر، عن طريق استهداف السفن بالصواريخ البالستية إذا استمرت الخسائر، وتجدر الإشارة إلى أنّ الألغام البحرية ممتدة على طول الشريط الغربي، وهو ما يعيق أي عمليات إنزال بحري.

من ناحية البر، فالحوثي يتبع سياسة «الأرض المُحترقة» بامتياز، فكل الأراضي التي ينسحب منها يقوم بزراعتها بالألغام لإعاقة تقدم القوات اليمنية، وبحسب تصريحات قائد عمليات جبهة الساحل الغربي لموقع «الجزيرة»، فإن قواته على بُعد مسافة أمتار من المدينة، مشيرًا إلى أن كثافة الألغام هي فقط التي تؤخر التقدم نحو المدينة.

أحد السيناريوهات المطروحة هو أن تقوم جماعة الحوثي بنقل المعركة إلى خارج حدود اليمن، وسبق لزعيم الحوثيين أن هدد قائلًا: «الإمارات باتت في مرمى صواريخنا»، وفي حال سقطت الحديدة، فإنّ الحوثيين سيتقهقرون إلى العاصمة صنعاء للاحتماء بها، لكنهّم سيزالوا ممتلكين ترسانة عسكرية ومخازن للأسلحة السرية نجحوا في تطويرها محليًا أبرزها الصواريخ البالستية، والطائرات بدون طيار، وهو مؤشر بإن الحرب لن تكون خاطفة كما يروج إعلام التحالف.

لو طالت الحرب.. كيف ستنقلب الطاولة على أصحابها؟

في حال أظهر الحوثيون صمودًا واستطاعوا الحفاظ على مكانهم الحصين على البحر لعدة أسابيع، فإنّ الأزمة الإنسانية التي ستخلفها المعركة نتيجة توقف المساعدات ستكون كفيلة بأن ينقلب المشهد رأسًا على عقب لصالح الحوثيين، الذين من الممكن أن يعودوا حينها إلى طاولة المفاوضات بضغطٍ من الأمم المتحدة في سبيل إنهاء تقدم قوات التحالف.

Embed from Getty Images

وبعدما أعلنت الأمارات بدء عملياتها للزحف على الحديدة، عقد مجلس الأمن اجتماعا مغلقا لبحث كافة السبل لحث السعودية والإمارات لوقف الحرب، لكنه لم يخرج بقرارات ملزمة حتى الآن، وفي حال طالت الحرب فحينها من الممكن أن يصدر مجلس الأمن قرارًا بوقف الحرب، وإذا امتنعت فالعقوبات جاهزة ضد كل الدول التي شاركت في الحرب وامتنعت عن تنفيذ القرار، ومنها السعودية والإمارات وحلفائها الغربيين الذين بدأوا حاليًا ضغوطًا لوقف الحرب.

إطالة الحرب نفسها في صالح الحوثيين، رغم أنها تستنزف قواهم، وتفقدهم مزيدًا من الأراضي، لكنها من جانب آخر تظهرهم قوة عسكرية لها ثقلها على الأرض، فرغم خسائرهم، إلا إنهم حتى الآن منذ انقلابهم عام 2014، لازالوا يسيطرون على 10 محافظات يمنية من ضمنها العاصمة صنعاء، كما أنهم مدعومين من إيران وروسيا، وعلى علاقات قوية بالنظام العُماني، إضافة إلى رصيد كبير من الخبرة العسكرية حصلوا عليه منذ حروبهم ضد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح منذ عام 2004.

ورغم الانتصارات التي حققتها القوات اليمنية في مدة قصيرة إلا أن المصاعب الديمغرافية ما تزال تواجه قوات التحالف العربي؛ فطول الأراضي الصحراوية الممتدة على امتداد المحافظة سبب رئيس لتباعد سيطرة جيش التحالف المتمركز في مناطق بعيدة نسبيًّا عن المحافظة في كل من المخا وتعز وميدي، محافظة الحديدة  تتكون من 26 مديرية، تُسيطر القوات المدعومة إماراتيًّا منها على مديريتي الخُوخة وحَيْس، وأجزاء كبرى من مديرية الدريهمي.

المساحات الشاسعة أفشلت أيضًا سيناريو العام الماضي الذي تمثل في هجوم متعدد الأطرف من الشمال والجنوب، قبل أن تتراجع عنه القوات التي وجدت أن تلك الخُطة تُطيل الحرب وتستنزف التحالف، المثير أنّ ما يحدث تكرر العام الماضي، لكنّ التحالف يعوّل على استراتيجية الحرب الخاطفة.

يتقاتل عليها الجميع.. ما هي أهمية محافظة الحُديدة؟

إطلالتها على البحر الأحمر جعلتها تفرض استراتيجيتها على الملاحة البحرية في باب المندب وقناة السويس كما أنها تستطيع عرقلة الحركة البحرية من خلال زرع الألغام البحرية وقصف السفن واستهدافها، المحافظة أيضًا تحتوي على مطار الحديدة، أهم المطارات اليمنية ويحوي طائرات عسكرية ومدنية، فيما ينتشر في أرجاء المدينة عدد من المعسكرات والألوية، ومنها دفاع جوي، ودفاع ساحلي، وقوات بحرية، كل تلك الأهمية جعلت الحوثيين يطالبون بضم الحديدة إلى إقليمهم في نطاق تقسيم اليمن إلى أقاليم فيدرالية.

Embed from Getty Images

وأحد أكبر الأسباب التي جعلت التحالف العربي يُعجّل بالسيطرة على المحافظة، هو قيام الحوثيين قبل شهرين باحتجاز 19 سفينة نفطية، وبعدما حذرت القوات البحرية التابعة للحوثيين سُفن التحالف العربي من اختراق مياه اليمن الإقليمية دون إذن سابق، نفذت تهديدها أوائل العام الماضي، واستهدفت فرقاطة سعودية تقوم بمراقبة الميناء عبر ثلاثة زوارق انتحارية، الحوثيون أيضًا قاموا باستهداف سفن حربية إماراتية وسعودبة بصواريخ مضادة للسفن، ردًّا على الضربات الجوية على المحافظة.

أهمية الميناء السياسية تكمن في أنه يمر من خلال 70% من المساعدات الإنسانية، على جانب آخر فالميناء يمثل أكبر الفوائد الاستراتيجية للحوثيين، فعن طريق عمليات الشحن والتفريغ يحصل على أموال طائله لدعم اقتصاد حربه، إضافة لكونه معبرًا هامًّا لدخول الأسلحة الإيرانية إلى الداخل المُهربة عبر البحر والمتراكمة في مخازن سرية في جبال المحافظة، بحسب اتهامات سعودية.

لذا يرى خبراء عسكريون أن إنهاء الوجود الحوثي في اليمن لا يبدأ من صنعاء، إنما يبدأ أولًا من المدينة الساحلية، وخنق جماعة الحوثي في المساحات البرية والجبلية وقطع الإمدادات عنهم لأن كل الوقود والمواد التموينية التي تصل للعاصمة تأتي من الميناء، هذه من الناحية العسكرية، لكنّ الناحية السياسية تواجها مطالبات أممية حاليا لم تسفر عن أيّة نتائج.