إذا ذُكر المماليك والمغول، ذُكرت موقعة عين جالوت الفاصلة على الفور، والتي دارت رحاها في أرض فلسطين عام 1260م (658هـ)، وانتصر فيها جيش مصر المملوكي انتصارًا ساحقًا على جيش المغول، كان من أبرز نتائجه فرار المغول من معظم أجزاء الشام، وانكفاؤهم شرقًا إلى العراق، ولو إلى حين.

رغم صحة ما ذكرناه للتوِّ، فلم تكن عين جالوت خاتمة المعارك بين المماليك والمغول، فقد استمر خطر الغزو المغولي قائمًا لعقودٍ تلتْ عين جالوت، حتى بعدما انقسمت الإمبراطورية المغولية الضخمة إلى أربع دول، ودخلت إحداها الإسلام، وهي دولة القبيلة الذهبية في غرب آسيا وشرق أوروبا، وتحالفها مع دولة المماليك ضد المغول.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مساجد القاهرة «الحرام».. قصصٌ من عصر المماليك الغائب الحاضر

تكررت الصدامات العسكرية بين المماليك، ودولة المغول الإيلخانيين، التي ورثت ممتلكات الإمبراطورية المغولية في وسط آسيا وإيران والعراق، ولم تلبث هي الأخرى أن أعلن ملوكها دخول الإسلام، دون أن يصرفهم هذا عن مواريث الفاتحين المغول الأوائل، وعن الغزوات الشرسة التي تحرق الأخضر واليابس، لا سيَّما ضد المدن الإسلامية في الشام.

في هذه الجولة سنسلط الضوء على واحدة من أضخم تلك المعارك، وهي معركة «شقحب» أو «مرج الصفر»، والتي وقعت عام 1303م (702هـ)، قرب حاضرة الشام دمشق، وأسفرت عن نتائج قصيرة وطويلة المدى لا تقل عما تركته عين جالوت، إن لم تكن فاقتها.

مغول ما بعد عين جالوت.. مسلمون ولكن

لا مِراء في أن الأمم الإسلامية الآسيوية من حدود الصين حتى حدود مصر الشرقية، كانت هي التي دفعت الثمن الأكبر إنسانيًّا وماديًّا وحضاريًّا للغزوة المغولية الكبرى التي استمرت عقودًا، منذ عهد الفاتح المغولي الأشرس جنكيزخان الذي افتتح طوفان الدم بافتراسه مملكة خوارزم المسلمة، التي لم يحسن ملكها خوارزم شاه محمد تقدير بأس المغول، وخطورة العبث معهم، وحتى عهد حفيده هولاكو، الذي شهد واحدة من أفجع الكوارث في تاريخ الأمة الإسلامية، عندما اجتاحت جيوش المغول بغداد، العاصمة التاريخية للدولة الإسلامية، ودمَّرَتها عن بكرة أبيها، وقتلت مئات الآلاف من سكانها.

بنهاية عهد هولاكو، ورغم خسارة الشام في أعقاب هزيمة عين جالوت المفاجئة أمام مماليك مصر، كانت الإمبراطورية المغولية الهائلة تبتلع بالفعل معظم أراضي قارة آسيا، من سواحل الصين على المحيط الهادئ شرقًا، حتى شرق أوروبا غربًا وشمالًا، وحتى العراق غربًا وجنوبًا، لتكون بذلك أكبر إمبراطورية متصلة في التاريخ الإنساني بمساحة تقترب من 23 مليون كم مربع.

لم تدُم تلك الوحدة طويلًا كما ذكرنا، إذ انقسمت الإمبراطورية إلى أربع دول كبرى خلال السنوات التالية، وما يعنينا منها هنا هو دولة مغول فارس، أو الدولة المغولية الإيلخانية، التي ورثت الركن الجنوبي الغربي، لا سيما فارس والعراق.

تبنَّت دولة المغول الإيلخانيين سياسة عدائية تجاه دولة المماليك، وحاول ملكها أبغا خان بن هولاكو (1265م – 1282م)، الذي تزوج ابنة إمبراطور بيزنطة، غزو الشام مرات عديدة لكنها باءت بالفشل.

لم يكن خلفاء أبغا خان على مقدرته العسكرية نفسها، فلم يحاولوا القيام بغزوات جدية مماثلة، إلا أنهم حاولوا التقارب مع الدول المسيحية في أوروبا لإقامة ما يشبه التحالف ضد العدو الإسلامي المشترك، لكن تلك الجهود لم تحقق نتائج ملموسة، كذلك حافظ هؤلاء الملوك الإيلخانيون على ولاء اسمي لخان دولة مغول الصين، والذي يعد الخان الأعظم لكل المغول.

رسم زيتي لبعض المقاتلين المغول.

مع تولي محمود غازان عام 1295م (693هـ) عرش دولة مغول فارس الإيلخانيين، تغيَّر المشهد كثيرًا. كان غازان محاربًا قويًّا، ومعتزًّا بسلطانه وقدراته، فألغى كل أشكال الولاء للخان الأعظم، وأعلن استقلاله التام بكل ما تحت يديه.

كذلك أعلن تخليه عن البوذية التي ورثها عن أبيه وجده أبغا خان عام 1295م (693هـ) أثناء صراعٍ كبير على السلطة، وأعلن اعتناقه الإسلام، وتبعه جيشه في ذلك، واكتسب تعاطف الرعية الفرس المسلمين في معظمهم، فنجح في هزيمة خصمه، والانفراد بكرسي الدولة الإيلخانية في مدينة تبريز.

كان محمود غازان – البالغ 24 عامًا فقط لحظة توليه السلطة – شديد الطموح، فأخذ النزوع العسكري التوسعي نفسه لأجداده ضد دولة المماليك، رغم اعتناقه ومعظم تابعيه للإسلام، وكان عليه أولًا القضاء على الكثير من حركات التمرد في شهور حكمه الأولى.

فرض غازان سطوته بمنتهى الشدة، وأطاح رقاب العديد من أمراء الأسرة الملكية الذين اتهمهم بالتآمر ضد حكمه، حتى مستشاره العسكري نوروز الذي أعانه كثيرًا في رحلة الدم للصعود إلى السلطة، لم يسلم هو الآخر من هذا المصير.

بعدما اطمأن غازان لاستقرار حكمه، حشد قوته الضاربة، وبدأ الاستعداد لغزو الشام ليحذو حذو أجداده هولاكو وأبغا خان، ولما ترامت تلك الأنباء إلى الشام ومصر، ساد القلق والتوتر، وطفت على السطح أجواء تشبه تلك الشهور العصيبة قبل موقعة عين جالوت التي قامت قبل عقود.

كان ما يفاقم هذا الاضطراب، أن الأوضاع في دولة المماليك لم تكن على أحسن ما يرام آنذاك، ولم يكن في الصدارة أمراء يوازون في الكفاءة والمقدرة ما كان عليه قاهرو المغول الراحلون كالمظفر قطز، والظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون.

كان غازان مُصِرًّا على سحق دولة المماليك بأي شكل، حتى إنه لم يتورع عن مراسلة بابا روما، وأبرز قادة أوروبا لكي ينضموا إليه في حرب شاملة ضد المماليك، لكن لم يظفر من تلك المحاولة بدعمٍ ملموس، وخاض حربه منفردًا في نهاية المطاف.

الناصر محمد بن قلاوون.. من الهزيمة إلى النصر

إذا ذُكر تاريخ سلاطين المماليك العظام، ذُكِر من بينهم الناصر محمد بن قلاوون، ليس فقط من أجل ما خلَّفه من عمائر خالدة في القاهرة القديمة، بقي بعضها إلى اليوم شاهدًا على قوة دولته، وخصوصيتها الحضارية، إنما أيضًا من أجل الانتصار الكبير الذي سُجِّل باسمه على التتار في معركة شقحب، والذي كان له دور بارز في دفع خطر المغول عن الشام ومصر لعقود، مما مكَّن الدولة أن تنعم بقدرٍ بارز من الاستقرار في معظم سنوات فترة حكمه الطويلة التي تجاوزت الثلاثين عامًا.

ورث الناصر محمد عام 1294 (693هـ) دولة قوية، أسسها الظاهر بيبرس وعزَّزها والده المنصور قلاوون، لكنَّها كانت تعتمل بالمطامع السلطوية والأحقاد، فقُتِل أخوه الأشرف خليل بن قلاوون بعد عامين فحسب من حكمه، وخلفه الناصر محمد؛ الذي كان ما يزال صبيًّا، فخُلِعَ مرتيْن، وتولى السلطة ثلاث مرات، كانت الثالثة فيها هي الثابتة، من عام 1309م، إلى عام 1341م.

لم يكد يمر عام على عودة الناصر محمد إلى العرش، وهي عودة اسمية أكثر منها فعلية؛ إذ كانت الكلمة العليا للأمراء الأقوياء، إلا وكان الخطر المُحدق قد أصبح حقيقة متجسدة، واخترق جيش محمود غازان حدود الشام، ووصل الصريخ إلى القاهرة ليستنفر السلطان للخروج ومواجهة الخطر.

وهكذا شهدت الفترة الثانية من حكم الناصر محمد بن قلاوون أسوأ هزيمة عسكرية في تاريخه، وأكبر انتصار أيضًا.

معركة وادي الخازندار 1300م (699هـ): بداية مبشرة وخاتمة مخيفة

لم تكن دولة المماليك قد التقطت بعد أنفاسَها من سنوات الاضطراب، حتى طرق الخطر المغولي الأبواب بقوة، ولم يكن من مفر من حشد ما يمكن حشده من الأموال والقوات للتصدي للغزوة المغولية الكبرى الجديدة.

لحسن الحظ، تعطَّلت خطط الغزو لشهور بعد انشقاق سلاميش بن أباغو أحد أكبر قادة غازان، الذي كان مُكلَّفَا بغزو شرقي الأناضول قبل الانضمام إلى قوة غازان الرئيسة، والإطباق على حلب.

لم يكتفِ سلاميش بالانشقاق وصحبته 25 ألفًا من عسكر المغول، إنما راسل القاهرة، وطلب التحالف ضد غازان، والذي استقر قليلًا في العراق، وحشد أكثر من 35 ألف جندي وفارس لإخضاع المتمرد سلاميش.

انهزم سلاميش أمام جيش غازان القوي، وفرَّ إلى دمشق محتميًا بالمماليك الذين أحسنوا استقباله، ووضعوا تحت إمرته 4 آلاف مقاتل من المماليك للمساهمة في حرب غازان، ثم خرج السلطان الناصر ومعه جُل أمراء مصر إلى الشام؛ لتعزيز الدفاع ضد غازان.

دخل الناصر إلى دمشق في موكبٍ عظيم، وظلَّ بالشام لأسابيع، ثم خرج بحشوده إلى مدينة حمص عندما علم بقرب وصول جيوش غازان منها. وهنا وردت الأنباء بأن المغول يفكرون في الانسحاب، بعد أن علموا بضخامة حشود المماليك. لكن تبيَّن فيما بعد أن تلك الشائعة كانت مكيدة من غازان لخداع المماليك.

انتظر المماليك ثلاثة أيام، ثم تحركت جيوشهم خارج حمص، حيث قابلوا غازان وقواته في منطقة تعرف بوادي الخازندار، والتي ستدور فيها رحى معركة هائلة بين الجانبيْن.

في بداية المعركة، شنت ميسرة جيش المماليك هجمة عنيفة على المغول، أسفرت عن تشتت ميمنة المغول، فقويت نفوس المماليك، وشنُّوا هجمة ضخمة من القلب من أجل توجيه ضربة قاضية إلى جيش المغول استغلالًا لحالة الاضطراب التي أعقبت انكسار الميمنة المغولية. لكن قوات المغول صمدت صمودًا كبيرًا، واستعادوا الثقة في النفس، وأمسكوا بزمام المبادرة مرة أخرى.

وهنا، وفي منتصف نهار ذلك اليوم، شنت ميسرة المغول هجومًا مضادًا كاسحًا، فاخترقوا ميمنة المماليك، ودفعوا معظم قواتها للفرار، ووصلوا إلى مؤخرة الجيش المملوكي، فسرى الاضطراب كالنار في الهشيم في أوصال الجيش المملوكي، فانهزمت معظم القوات الشامية والمصرية.

فرَّ السلطان الناصر محمد وكبار الأمراء إلى بعلبك خوفًا من الوقوع في الأسر، وترك الجيش المملوكي الفارُّ كميات هائلة من الدروع والأسلحة والذخائر في ميدان المعركة، حتى ضجَّ المغول من كثرة الغنائم وتركوا بعضها لعدم القدرة على حملها.

عمَّ الاضطراب حواضر الشام عندما وصلت أنباء الهزيمة المنكرة، خاصة في دمشق، التي بدأ الآلاف من سكانها ومعظم أمرائها في الفرار خوفًا من أن يلقوا مصير بغداد مع المغول، لكن الأمور هدأت قليلًا في دمشق عندما شاع بين الناس أن جيش المغول لم يتتبع الفارين، وأن غازان قد لا يتعرض لهم بأذى لكونه مسلمًا، لكن ظل الكثيرون في شكٍّ وقلق لما خبروه من بطش المغول.

اجتمع من بقي من علماء دمشق وأعيانها، ومن أبرزهم قاضي القضاة ابن جماعة، والعلامة تقي الدين بن تيمية، للتشاور فيما ينبغي فعله، فاتفقوا على خروج وفدٍ كبير منهم لمواجهة غازان، وطلب الأمان للمدينة وأهلها. واشتهر إلى اليوم قوة محاججة ابن تيمية لغازان، وإنكاره عليه غزو بلاد المسلمين، ورغم شدة أسلوب ابن تيمية، فقد أعجب به غازان، وأعلن أنه سيستجيب إلى الطلب.

وبعد قليل جاءت الرسل بالأمان من محمود غازان لأهل دمشق، على أن تدين المدينة له بالطاعة، ويُخطَب باسمه على المنابر، وأظهر أنه لا يريد إلا العدل والإصلاح. ورغم ذلك، تحصنت حامية المدينة في قلعتها، ورفضوا تسليمها للغزاة.

مقطع مبسط للأطفال عن المواجهة بين ابن تيمية وخان المغول الإيلخانيين محمود غازان.

لكن خلال الأسابيع التالية، فرض غازان ضرائب مهولة على أهل دمشق، وأعمل جنوده السلب والنهب في ريفها وجوارها. ثم رحل عائدًا إلى قاعدة ملكه، وفي حوزته الأموال الطائلة التي جباها، بعد أن ترك قواتٍ لتحاصر قلعة دمشق، وعيَّن أحد المماليك الموالين له نائبًا عليها.

لكن لم تمر أسابيع أخرى، إلا ونجح نائب قلعة دمشق الموالي للسلطان الناصر محمد في استعادة السيطرة في دمشق بعد رحيل معظم القوات المغولية، وخرج الناصر محمد بن قلاوون من القاهرة إلى الشام بعد أن جهز ما استطاع من القوات، لكنه عاد من أول الطريق لما بلغه مغادرة غازان إلى بلاده، واكتفى بإرسال الجيش إلى دمشق لتأمينها.

معركة شقحب 1303م (702هـ): نهاية غازان

في العام التالي لمعركة وادي الخازندار، 1301م (700هـ)، سرت الشائعات بأن غازان على وشك معاودة الهجوم على الشام، ففرَّ الكثيرون من دمشق إلى فلسطين، والمدن الساحلية، وخرج الناصر محمد بالجيش من القاهرة، لكن الأحوال الجوية السيئة والأمطار الغزيرة عطَّلتهم قبل الوصول إلى دمشق، واضطر السلطان للعودة بالجيش إلى القاهرة، فاضطربت الأحوال أكثر.

في ذلك الحين، كانت جيوش محمود غازان تخترق شمال الشام، لكن للمصادفة واجهتها ظروف جوية سيئة، وأمطار شديدة، واضطرت بعد أكثر من شهر للانسحاب أيضًا.

ثم في أواخر العام، جاءت رسل غازان إلى القاهرة تطلب عقد الصلح، وحملوا معهم رسالة من غازان تحمل الترهيب والترغيب معًا؛ فأمر الناصر محمد بإبهار رسل المغول باستعراض قوة المماليك، وزينة الملك، ثم أرسل رسله بردٍ شديد اللهجة إلى غازان.

ونحن تحقَّقنا أنَّ الملك بقي عامين يجمع الجموع، وينتصر بالتابع والمتبوع؛ وحشد وجمع من كلِّ بلد، واعتضد بالنصارى والكرج والأرمن، واستنجد بكلِّ من ركب فرسًا من فصيح وألكن؛ ثم إنَّه لمَّا رأى أنه ليس له بجيشنا قِبل فى المجال، عاد إلى قول الزُّور والمحال، والخديعة والاحتيال؛ وتظاهر بدين الإسلام، واشتهر به فى الخاص والعام؛ والباطن بخلاف ذلك.

جزء من الرسالة شديدة اللهجة التي بعث بها الناصر بن قلاوون إلى غازان مع رسله.

في أوائل العام التالي، 1302م (701هـ)، وردت الأنباء مجددًا بعودة غازان للتحشيد العسكري، وأن إرسال الرسل لم يكن سوى خديعة، لكن لم يحدث غزو فعلي، وانشغل الناصر محمد بتأمين الصعيد من غزوات العربان، وكذلك بالسيطرة على جزيرة أرواد في البحر المتوسط قبالة طرابلس الشامية، والتي كانت معقلًا لقراصنة الصليبيين.

لكن في عام 1303م (702هـ)، دخلت جيوش المغول إلى الشام بجحافل جرارة، فأرسل الناصر بن قلاوون الجيش المصري على عجل إلى دمشق؛ التي امتلأت عن آخرها باللاجئين الفارين من حمص وحماة وغيرها من حواضر الشام، التي أخلاها أهلها خوفًا من بطش المغول، ثم خرج المماليك من دمشق لاستقبال السلطان الناصر الذي أوشك على الوصول إلى دمشق، فاضطربت الأحوال داخل المدينة ظنًّا من أهلها أن الجيش على وشك الانسحاب، لا سيَّما وقد وردت الأنباء باقتراب جيش المغول.

لكن المغول لم يدخلوا إلى دمشق، وتوجهوا لملاقاة الناصر محمد، واصطف الجيشان في منطقة شقحب بالقرب من دمشق، في اليوم الثاني من رمضان، وخطب الناصر في الجيش خطبة مؤثرة، ذكر في جزء منها: «يا مجاهدون لا تنظروا لسلطانكم، قاتلوا عن دين نبيِّكم، صلَّى الله عليه وسلَّم، وعن حريمكم».

بدأت المعركة في ذلك اليوم بهجوم كاسح من المغول على ميمنة الجيش المملوكي، وكادت أن تتزعزع رغم الثبات الكبير الذي أظهره أمراء المماليك وعامتهم، لولا أن جاءتها النجدات من القلب ومن الميسرة، إلا أن ذلك لم يمنع وصول بعض قوات المغول إلى مؤخرة الجيش المملوكي ونهب بعض الخزائن، حتى ظن قائد جيش المغول قطلوشاه أن نصرًا ساحقًا على غرار وادي الخازندار يتحقق على أرض المعركة، لكن الساعات اللاحقة أثبتت أنه تفاءل قبل الأوان.

تكاملت حشود المماليك بعد منتصف النهار، وبدأ أمراؤهم في تثبيت المقاتلين، وإعادة تنظيم الفارين، فتحسنت أوضاع الجيش المملوكي إزاء المغول، واضطر قطلوشاه للتحصن ليلًا بجبلٍ قريب من موقع المعركة. وأسفل الجبل انتظمت صفوف المماليك تنتظر النهار للهجوم، وانكسرت عزيمة المغول كثيرًا عندما انسحب أحد أمرائهم ليلًا، واسمه بولاي، وبصحبته الآلاف من المقاتلين.

سياسة

منذ سنة واحدة
تيمور لنك.. القائد المغولي المسلم الذي أرعب العالم نصف قرن

في الصباح التالي، حاول المغول النزول من الجبل واختراق صفوف المماليك، لكن الجيش المملوكي استبسل في مواجهته، وألحق بهم خسائر كبيرة، فاضطروا للارتداد للجبل مرة أخرى. وتمكن بعض أسرى المماليك من الفرار من المغول، ونقلوا للسلطان الناصر أن العطش أثر كثيرًا في المغول، وأنهم ينوون القيام بهجوم شامل في الفجر التالي لفك الحصار.

قرر قادة المماليك السماح للمغول بالنزول من الجبل، ثم مطاردتهم، وبالفعل نزل المغول صباح اليوم الثالث من المعركة، منهكين من العطش، فتوجهوا فورًا إلى نهرٍ قريب، وهناك انقضت عليهم القوات المملوكية ضربًا وطعنًا ورميًا، حتى فنيت معظم القوات المغولية، وتحقق النصر المؤزر للمماليك.

دخل الناصر محمد إلى دمشق بجيشه، مزهوًّا بالنصر، واحتفل أهل المدينة بالنصر أيامًا، بينما أخذ بعض فرسان المماليك يطاردون فلول المغول حتى أخرجوهم من الشام تمامًا، بل تجرأ عوام الناس في الشام على تتبع الفارين من جيش المغول، وقتلوا وأسروا منهم الكثيرين.

تكفَّل القدر بعد ذلك بإنهاء خطر غازان؛ إذ أصيب بمرضٍ خطير أقعده لأشهر، ثم توفي في العام الذي تلا معركة شقحب، وبدأت الدولة المغولية الإيلخانية في الدخول في حالة من الانكفاء، والضعف التدريجي في العقود التالية، وأمن الشام من غزوات المغول المدمرة إلى حين، حتى جاءت غزوة تيمورلنك الدموية أواخر ذلك القرن، ولكن لهذا حديثًا آخر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد