كانت معركة «بلاط الشهداء» بين الجيوش الإسلامية بقيادة عبد الرحمن الغافقي، وقوات الفرنجة (فرنسا في ذلك الوقت)، سببًا مباشرًا في توقف الزحف الإسلامي نحو فرنسا، ومن بعده إلى سائر أوروبا.

ويرى الكثير من المؤرخين أن تلك المعركة حفظت المسيحية من الفناء؛ ومنعت سيطرة الإسلام على كامل أوروبا. فما قصة هذه المعركة وسياقها؟ ومن هو قائدها؟

الطريق نحو «القسطنطينية»

ينقل مؤرخون أن عثمان بن عفَّان، ثالث الخلفاء المسلمين، قال في وصيته: «إن القسطنطينية تفتح من قبل الأندلس، وإنكم إن فتحتم ما أنتم بسبيله؛ فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر».

لذلك، كان الهدف منذ بداية الفتوحات الإسلامية، التي أطلقها بنو أمية من دمشق باتجاه الشمال الأفريقي وعند الحدود البحرية الشمالية، هو الوصول إلى الضفة الأخرى للبحر المتوسط، ومنها إلى القسطنطينية.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
من الصعود إلى السقوط.. المختصر الشامل لتاريخ الأندلس

بدأت الجيوش الإسلامية في النزوح نحو الممالك الشمالية وتحقيق الانتصارات الواحد تلو الآخر؛ حتى دخلت الأندلس (إسبانيا والبرتغال حاليًا)؛ وبعد أن استقرت الدولة، أرسلت حملات الفاتحين لتعبر جبال البرانس باتجاه فرنسا، وهم يأملون مواصلة الفتح حتى القسطنطينية في أقصى الشرق الأوروبي. 

اتجه جيش المسلمين نحو قلب أوروبا للمرة الأولى في الفترة ما بين سنة 719م وسنة 721م، بقيادة السمح بن مالك الخولاني، الذي عيَّنه الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز واليًا على الأندلس، ويشير ابن الفرضي في كتابه «تاريخ العلماء والرواة بالأندلس» إلى أنَّ الخولاني كان أوَّل من غزا بلاد الفرنجة؛ بدءًا باستيلاء جيشه على أربونة، ثم المُضي قدمًا حتى وصل إلى مدينة طولوشة، أو ما تسمى حاليًا بتولوز، وهي المعركة التي استشهد فيها، وتوقفت الحملة على إثر استشهاده.

ولعلَّ أبرز إنجازٍ لحملة السمح بن مالك الخولاني، هو سيطرته على إقليم سبتمانيا، وإقامة دولةٍ مسلمةٍ بها، كانت قاعدة لمواصلة الفتوحات نحو فرنسا. 

يذكر عبد العزيز العبيدي في كتابه «من معارك المسلمين في رمضان»، أنّه بعد وفاة الخولاني عاد أمل المسلمين في مواصلة فتح بلاد الغالة (فرنسا) من جديد؛ وذلك عبر حملةٍ جديدةٍ قادها عنبسة بن سحيم الكلبي في سنتي 724م و725م (107 هجرية)، حين عبر بجيوشه جبال البرانس، وواصل سيره مستغلًّا عدم اعتراض أية مقاومةٍ طريقه، حتى أدرك نهر السين الفرنسي الشهير.

ثم اجتاحت جيوش المسلمين مدينة أوزه، وفيين، وفالنسيان، ووصلت إلى مدينة ليون، التي يسميها العرب «حصن لودون»، لتقف الجيوش على بُعد ثلاثين كيلومترًا فقط من باريس جنوبًا، وعلى بعد نحو 300 كيلومتر شمال جبال البرانس. أصيب عنبسة بن سحيم بجراحات في بعض الوقائع، فكانت سبب وفاته أثناء الحملة، لتكون النقطة التي وطأتها خيول جيشه هي آخر ما وصل إليه المسلمون في فرنسا. 

معركة بلاط الشهداء، مصدر الصورة: ويكيبيديا

لوحة الرسام الفرنسي شارل ستوبين التي تجسد معركة بلاط الشهداء. مصدر الصورة: ويكيبيديا

«بلاط الشهداء» .. المعركة التي أفقدت المسلمين الأمل في فتح فرنسا

يذكر شوقي أبو خليل في كتابه «بلاط الشهداء بقيادة عبد الرحمن الغافقي»، أنّه قلَّما ذكر التاريخ معركةً لها ما بعدها مثل معركة بلاط الشهداء؛ فكان المسيحيون يذبون عن ديانتهم وأوضاعهم وممتلكاتهم، وكان المسلمون الفاتحون من جهة أخرى على اعتقاد راسخٍ أنهم يقاتلون في سبيل الله، لنشر الإسلام والإخاء والمساواة؛ وأمام هذا الوضع اكتست معركة بلاط الشهداء، أو ما يسميها الغرب بمعركة تور أو بواتييه، أهمية كبيرة في التاريخ الأوروبي والإسلامي المشترك.

بعد الحملات سابقة الذكر، التي قادها المسلمون في أرجاء فرنسا محاولين فتحها؛ والتي فشلت في أغلبها وتوقفت عند أسوار باريس؛ عاد عبد الرحمن الغافقي ليحكم الأندلس من جديد سنة 730م؛ بعد أن تولاها مؤقتًا إثر وفاة السمح بن مالك الخولاني. 

رغم الثورات المندلعة بين العرب والبربر (الأمازيغ) في الأندلس، لم يتراجع عبد الرحمن عن التفكير في مواصلة الفتوحات في فرنسا؛ وبعد أن أخمد تلك الثورات، توجه جيش عبد الرحمن الغافقي نحو التخوم، وفي نيته تأديب كلٍ من عثمان بن نيساء، الذي أعلن انفصال إقليم كاتالونيا عن الدولة الأموية، والدوق أودو دوق أقطانيا، وذلك بسبب خيانتهما له. 

في الوقت نفسه، كان ينتظره على الجانب الآخر شخصية فرنسية من ألد أعداء المسلمين، وهو نفسه قائد الفرنجة في معركة بلاط الشهداء، شارل مارتل؛ الذي كان يريد إخضاع الأقاليم الجنوبية لبلاد غالة (فرنسا)، مدركًا أنَّ النيل من جيش المسلمين هو السبيل الأوحد لتحقيق حلمه.

فاجأ شارل مارتل جيوش المسلمين بقواته الجرارة التي تفوق جيش الغافقي في العُدَّة.

في طريق الغافقي نحو نهر اللوار لمواجهة الدوق أودو، سار نحو طريقٍ ثانٍ ليضلل الفرنجة، وليستعيد المدن التي خرجت عن حكم المسلمين، فاستعاد مدينة آرل، ثم توجه إلى أقطانيا التي غنم منها غنائم كبيرة، ثمَّ سار نحو الجارادون ليفتح عاصمة إقليم بردال.

وفي طريق عبد الرحمن الغافقي نحو سهل اللوار؛ فاجأ شارل مارتل جيوش المسلمين بقواته الجرارة التي تفوق جيش الغافقي في العُدَّة، الأمر الذي اضطر عبد الرحمن الغافقي إلى الرجوع والارتداد نحو السهل الواقع بين مدينتي بواتييه وتور الفرنسيتين؛ ليعسكر بعد ذلك جيش تشارلز في نهر اللوار.

يذكر الدكتور محسن مؤنس في تحليله للمعركة أنَّ بهذه الطريقة استطاع شارل مارتل فرض مكان المعركة وتوقيتها، فأجبر المسلمين على الوجود في المكان الذي يريده. 

في 12 من أكتوبر (تشرين الأول) 732م؛ التقى الجمعان، ورابط كلٌّ منهما أمام الآخر لمدة ثمانية أيَّام؛ لتبدأ المعركة رسميًّا 22 من أكتوبر، بهجوم جيش المسلمين، الذي اختلف المؤرخون في تحديد عددهم، واستمرت المعركة طوال اليومين الأولين دون توقف، مع تقدمٍ بسيطٍ للمسلمين.

هل كانت الغنائم سببًا في خسارة المسلمين لمعركة «بلاط الشهداء»؟

في اليوم الثالث للمعركة، وفي الوقت الذي كانت فيه جيوش المسلمين تسطر ملحمة من الثبات في القتال، كان الجيش الإسلامي مثقلًا بالغنائم التي غنمها في طريقه إلى المعركة؛ إذ يشير حسين مؤنس في كتابه «معالم تاريخ المغرب والأندلس» إلى أن جيش عبد الرحمن الغافقي كان قد فتح مدنًا كثيرة حتى وصل إلى ساحة معركة «بلاط الشهداء»؛ ومن ثَمَّ فقد جمع هذا الجيش الكثير من الغنائم؛ حتى أثقل الجيش بها.

سياسة

منذ 5 سنوات
تعرف على أبرز معارك وغزوات المسلمين في شهر رمضان

وعلى حين غرَّة من المعركة، اندفعت فرقةٌ من فرسان الفرنجة لتخترق صفوف جيش المسلمين وتقسمها إلى قسمين، حتى تصل إلى موضع الغنائم، الأمر الذي أصاب جيش عبد الرحمن الغافقي بالفزع، وأحدث زعزعة في وسطه، وبينما كان عبد الرحمن الغافقي يحاول إعادة النظام إلى جيشه أصابه سهم فقتله، فعمَّ الاضطراب بين المسلمين وكثر القتل فيهم، واشتد الفرنج عليهم.

ولمَّا حل الليل انسحب جيش المسلمين نحو سبتمانيا تاركين غنائمهم، وحين أصبح الفرنجة لم يجدوا لجيش المسلمين أثرًا، فظنوا أنَّ الأمر خدعة فثريتوا في اقتحامها يومًا كاملًا، خصوصًا بعد أن وجدوا الغنائم العظيمة التي تركها المسلمون لحظة انسحابهم.

كانت هزيمة «بلاط الشهداء» آخر محاولة بذلتها الدولة الأموية لفتح فرنسا، كما أنَّ المعركة كانت، حسب المؤرخ محمد عبد الله عنان في كتابه «دولة الإسلام في الأندلس»، نذير شؤمٍ للمسلمين، إلى حد أن مؤرخي ذلك الزمن وقادة المسلمين لم يذكروها، كما قامت وراء جبال البرانس إمبراطورية إفرنجية عظيمة موحَّدة، استطاعت في ما بعد تهديد الوجود الإسلامي في الأندلس وإنهائه بعد سبعة قرون من معركة «بلاط الشهداء».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد