أعلنت قوات سوريا الديمقراطية الكردية، في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، انطلاق معركة السيطرة على مدينة الرقة السورية من أيدي عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مُطلقين عليها لقب معركة «غضب الفُرات».

شهدت مدينة الرقة تاريخًا عريقًا، إلى أن وقعت مؤخرًا تحت قبضة «تنظيم الدولة»، وقد انطلقت معركة «غضب الفُرات» من أجل استعادة السيطرة على المدينة.

وفي هذا التقرير يقدم «ساسة بوست» كل ما قد تريد معرفته عن معركة تحرير الرقة، أو معركة «غضب الفُرات»؛ بدايةً من الأهمية الاستراتيجية للمدينة، مرورًا بالمشاركين في المعركة، والأزمات المتعلقة بها، وإلى أين وصلت المعركة ميدانيًا إلى الآن، وختامًا بلمحة تاريخية حول كيفية وصول «تنظيم الدولة»، إلى المدينة من البداية.

أين تكمُن أهمية مدينة الرّقة؟

سُميت المدينة في البداية باسم «كالينيكوس»، وذلك نسبة إلى مؤسسها سلوقس الأول، أحد قادة جيش الإسكندر المقدوني، ويقول البعض إن هذه التسمية تعود إلى الفيلسوف اليوناني كالينيكوس الذي يعتقد أنَّه تُوفي في الرقة. وأُنشئت المدينة عام 242 قبل الميلاد، واتخذها البيزنطيون قديمًا مركزًا عسكريًا واقتصاديًا، وذلك قبل أن يعتبرها الخليفة العباسي هارون الرشيد بمثابة عاصمة له أيضًا.

وتقع مدينة الرقة في الضفة الشرقية لنهر الفرات، وتحديدًا في شمال شرق سوريا، وتبعد عن مدينة حلب حوالي 160 كيلومتر شرقًا، وتعتبر المدينة من المناطق الزراعية الهامة؛ حيث أن سد الطبقة المتواجد فيها يغذي الرقة وحلب بالكهرباء والماء. كما تعتبر منطقة الرقة ملتقى طرق للعديد من المناطق الهامة. فضلًا عن وجودها بالقرب من العراق، يسهل حركة عناصر تنظيم الدولة بين العراق وسوريا، حيث تكمن أهميتها الاستراتيجية الكبرى من الناحية الجغرافية في كونها تقع على حدود خمس محافظات؛ الحسكة، ودير الزور، وحلب، وحماه وحمص، فضلًا عن وجود حدود دولية لها مع تركيا.

وتُعتبر الرقة هي العاصمة الفعلية لـ«تنظيم الدولة»، فهي يقطن فيها معظم قادة التنظيم، كما يعتبرها التنظيم مثالًا وعبرةً لنظام الحُكم الذي يسعى إلى تأسيسه في«دولة الخلافة».

وبعد إعلان التنظيم قيام الخلافة، وجه نداء إلى كل العالم بالسفر والعيش في الرقة، والتي تمثل مناطق الخلافة بالنسبة للتنظيم، كما أنه استضاف العائلات القادمة للانضمام للتنظيم في الرقة، كما أنها مصدر للأموال، وذلك نظرًا لفرض عناصر التنظيم الجزية على المسيحيين في المدينة.

 

من هم المشاركون في معركة «غضب الفُرات»؟

ويشارك في معركة «غضب الفُرات»، من أيدي عناصر التنظيم عدد من الفصائل المختلفة، والتي تجتمع في تحالف قوات سوريا الديمقراطية، والذي يتم اختصاره إعلاميًا في اسم «قسد». ويضم هذا التحالف فصائل عربية، وكردية، وسريانية، وأرمينية، وتركمانية.

ورغم الإعلان بأن قوات سوريا الديمقراطية هي العنصر الوحيد الذي سيقود معركة تحرير الرقة ميدانيًا، إلا أن التحالف الدولي لمحاربة «تنظيم الدولة»، والذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، أعلن أنه سيشن غارات وقصف جوي على أماكن تمركز التنظيم في مدينة الرقة؛ حيث أعلن وزير الدفاع الأمريكي، آشتون كارتر، مواصلة التحالف الدولي لمحاربة «تنظيم الدولة»، للقصف الجوي على أماكن تمركز عناصر التنظيم، وذلك من أجل تسهيل مهمة القوات المحلية للقضاء على عناصر التنظيم.

وشدَّد كارتر على أن تحالف قوات سوريا الديمقراطية هو الأجدر بقيادة المعركة ميدانيًا وحده، مشيرًا إلى أن القصف الجوي للتحالف الدولي يجب أن يكون على مدينة الرقة بالتزامن مع القصف على مدينة الموصل العراقية، حتى يصعب على عناصر داعش إعادة تنظيم نفسها.

جدير بالذكر أن تحالف قوات سوريا الديمقراطية تم تشكيله العام الماضي منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2015، ليسعى إلى تحقيق هدفه المُعلَن في بيانه التأسيسي، والذي حصل المرصد السوري لحقوق الإنسان على نسخة منه، ويكمن الهدف الرئيسي للقوات «إنشاء سوريا ديمقراطية ليتمتع في ظلها المواطنون والمواطنات السوريين بالحرية والعدالة والكرامة ومن دون إقصاء لأحد من حقوقه المشروعة».

وإلى الآن لا يوجد رقم دقيق لعدد قوات سوريا الديمقراطية، ولكن يُرجَّح أن يتراوح عددها ما بين 50 ألف و80 ألف مقاتل من الرجال والنساء. وبحسب العقيد طلال سلو، المتحدث الرسمي باسم قوات سوريا الديمقراطية، في تصريحات صحافية سابقة، فإن بداية قوات سوريا الديمقراطية كانت بحوالي 13 فصيلًا فقط، غير أن عدد الفصائل الموجودة في هذا التحالف الآن يصل إلى 32 فصيل مختلف من الرجال والنساء، معظمهم من الأكراد، ممثلين في «وحدات حماية الشعب» الكردية، والتي تشكل حوالي 60% من التحالف، وتعتبر الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني التركي.


ما هي الأزمات التي تلاحق المعركة؟

تظل الأزمة الأكبر التي تلاحق المعركة هي تركيا؛ فقد دعا الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، إلى استبعاد «وحدات حماية الشعب» الكردية، من معركة تحرير الرقة، مطالبًا بإشراك القوات المسلحة التركية بدلًا منها. بينما أعلن وزير الدفاع البريطاني، مايكل فالون، رفضه لهذه الفكرة والتأكيد على مشاركة قوات عربية فقط في المعركة، مستبعدًا فكرة مشاركة أي قوات تركية في المعركة. وفي اليوم نفسه، أعلن ستيفن تاونسند، قائد قوات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، أن قوات سوريا المشتركة – بما فيها وحدات حماية الشعب الكردية – هي الجهة الوحيدة القادرة على تحرير واسترداد مدينة الرقة من عناصر التنظيم.

أزمة تركيا مع معركة تحرير الرّقة «غضب الفُرات» هي الأزمة نفسها مع معركة الموصل. وأرادت تركيا المشاركة في المعركتين غير أنها لم تستطع ذلك. وفي ظل الأسباب المُعلنة من الجانب التركي للمشاركة – وهو تحرير المدينتين – غير أن الجانب الخفي هو عدم استحواذ الجماعات الكردية على المشهد العربي العام في سوريا، مع عدم وجود تركيا فيه.

تواصل «ساسة بوست» مع أكرم سعيد، الخبير في الشأن التركي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والذي أكد على أن وجود «وحدات حماية الشعب» الكردية في معركة غضب الفرات، ووجود قوات البيشمركة الكردية في الموصل، والنجاحات التي حققتها هذه القوات على الأراضي السورية والعراقية؛ كانت سببًا للغضب من الجانب التركي، الذي لم يستطع أن يفعل شيئًا إلا التضييق والقبض العشوائي على الأكراد في تركيا.

وكان آخر هذه الإجراءات التي تستهدف الأكراد في تركيا هي القبض على رئيسي حزب الشعوب الديمقراطي الكردي، والحاصل على المركز الثالث في البرلمان التركي، وثاني أكبر أحزاب المعارضة التركية.

من جانبه يرى صلاح لبيب، الباحث في الشأن التركي، أن تقدم الأكراد ليس فقط في مدينتي الموصل والرّقة، وإنما أيضًا في مدن أخرى مثل حلب، فضلًا عن علاقتهم الجيدة مع أوروبا والولايات المتحدة، كان أيضًا سببًا هامًا في الغضب من الجانب التركي.

 

ميدانيًا.. إلى أين وصلت نتائج المعركة إلى الآن؟


دخلت معركة «غضب الفُرات» يومها الثامن منذ انطلاقها في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016. وأعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان، السبت الماضي، تواصل المعارك العنيفة بين قوات سوريا الديمقراطية وعناصر «تنظيم الدولة»، في عدة محاور بريفي الرقة الشمالي والشمالي الغربي، حيث تدور اشتباكات عنيفة بين الطرفين في محور تل السمن بريف الرقة.

وأعلنت قوات سوريا الديمقراطية، أنها منذ انطلاق المعركة، استطاعت السيطرة على قرى الهيشة، وخنيز فوقاني، وخنيز وسطاني، ليرتفع عدد المزارع والقرى والمواقع التي تم تحريرها من سيطرة «تنظيم الدولة» عليها إلى 26 موقعًا.

كما أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان استشهاد شخص جراء إصابته بطلق ناري في قرية خنيز جنوبي بريف الرقة الشمالي أثناء تحريرها. وأضاف المرصد في بيانٍ له أن حركة النزوح مستمرة لعشرات العائلات من مناطق الاشتباك والقصف ومن منطقتي الهيشة وخنيز إلى مناطق بعيدة عن العمليات العسكرية.

وقالت صحيفة الإندبندنت البريطانية، في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، مقتل 20 مدنيًا في مدينة الرّقة، بسبب القصف الجوي للتحالف الدولي لمحاربة «تنظيم الدولة»، والذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

 

كيف وقعت مدينة الرّقة في يد «تنظيم الدولة»؟

من أجل فهم كيفية دخول «تنظيم الدولة» إلى مدينة الرّقة، علينا أولًا العودة إلى ثورة المدينة على نظام بشَّار الأسد، ففي مارس (آذار) 2011، انتفضت مدينة الرّقة كغيرها من المدن السورية ضد نظام بشَّار الأسد، حيث خرجت أول مظاهرة فيها ضد ممارسات النظام السوري، يوم 25 من الشهر نفسه، أي بعد عشرة أيام فقط من بداية الاحتجاجات في سوريا، والتي بدأت تحديدًا يوم 15 مارس (آذار) 2011.

واستمرَّت الاحتجاجات اليومية السلمية والمسيرات المعارضة والمناهضة لنظام الأسد في المدينة على مدار عامٍ كاملٍ، تخللته أعداد كبيرة من الاعتقالات للمتظاهرين السلميين، إلى أن أتت الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الانتفاضة في 15 مارس (آذار) 2012، حيث فتحت قوات الأمن النظامية النار على المتظاهرين بالرّقة في عدد من المسيرات التي قُدِّر عددها بعشر مسيرات في هذا اليوم، ليسقط أول قتلى الانتفاضة السورية من مدينة درعا في هذا اليوم. تتفاعل المدينة مع ما يحدث في المدن السورية الأخرى فيعتقل الجيش السوري النظامي ما يقارب الألف، لتشتد الاشتباكات ويرتفع عدد القتلى إلى 64، في أربعة أيام فقط.

غضب المدينة من كثرة أعداد المعتقلين والشهداء الذين سقطوا بسبب فتح النار من قِبل الجيش السوري النظامي، دفع أهلها لتشكيل أول كتيبة للمعارضة السورية في الرقة تحت اسم كتيبة أحفاد الرشيد في 19 من مارس (آذار) من عام 2012، لتستمر المعارك المسلحة في المدينة وحتى الثاني من الشهر نفسه من العام التالي، حيث أعلنت المعارضة خوض غارة الجبار من أجل تحرير مدينة الرّقة من قوات النظام، وذلك عن طريق استهداف معاقل النظام والمقار الأمنية والعسكرية له. وبعد خمسة أيام فقط في السابع من مارس (آذار) 2013، سقط آخر معاقل النظام السوري، وأعلنت الفصائل المسلحة بالمدينة حينها تحرير المدينة بأكملها من نظام بشَّار الأسد.

أقيمت الأفراح في المدينة برحيل عناصر نظام بشّار الأسد من المدينة، إلا أنها لم تدم طويلا؛ فقد حدثت في الأشهر التالية عدة جرائم من اختطاف وقتل لعدد من الناشطين في الرقة، ولم يكن معلوم من يقوم بمثل هذه الأفعال حينها، وذلك في ظل وجود عدد كبير من الفصائل والميليشيات المسلحة في المدينة. ولكن في يونيو (حزيران) 2013، حدثت لأول مرة مواجهة بين تنظيم «داعش» ولواء «أحفاد الرسول»؛ حيث قام التنظيم بتفجير سيارة مفخخة في محطة القطارات بالرقة حيث كان يستقر اللواء مما أدى إلى مقتل ما يقارب 30 شخصًا. هذا الحدث كان نقطة فارقة في الرّقة؛ حيث قررت الفصائل المسلحة بالمدينة إمَّا الوحدة أو الرحيل، وذلك خوفًا من سيطرة التنظيم على المدينة، أو خوفًا منه. حتى استقر في المدينة ثلاثة فصائل فقط؛ «تنظيم الدولة»، وجبهة النُصرة، وجماعة أحرار الشام.

 

في هذا الوقت، كان أبو بكر البغدادي، زعيم «تنظيم الدولة»، قد أعلن قبلها تأسيس التنظيم وأعلن مبايعة «جبهة النصرة» له، ولكن في بداية عام 2014، فكَّر البغدادي في السيطرة على المدينة لأول مرة، ومع إحساس الفصائل المقاتلة الأخرى هناك بالخطر، قررت محاربة التنظيم في يناير (كانون الثاني) 2014، وبدأت معارك شرسة، مما أدى بجماعة «أحرار الشام» لعقد هدنة مع التنظم تقضي بتسليم السلاح للتنظيم مقابل الخروج الآمن للجماعة من المدينة. انسحبت الجماعة بالفعل من المدينة ولكن غدر بها التنظيم وقتل 120 جنديًا منهم. وسيطر التنظيم بشكل كامل على المدينة وأعلن قيام ولاية الرّقة كأول ولاية للتنظيم وعاصمة له.

عرض التعليقات
تحميل المزيد