أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مطلع الشهر الماضي تصريحات أثارت حفيظة كثير من المسلمين، قال فيها: إن «الإسلام يعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم». تصريحات لم يكد غبارها ينقشع حتى أقدم مراهق شيشاني لاجئ في فرنسا على نحر معلم فرنسي عرض أمام طلابه صورًا كرتونية مسيئة للرسول، ولم تكن التصريحات ولا ما تبعها من أحداث أو ما سبقها سوى أعراض لأزمة حقيقية تعيشها فرنسا وتتعلق برؤيتها للإسلام باعتباره مشكلة وأزمة داخلها.

استراتيجية ماكرون بين الرفض والقبول

في خضم الأزمة الحالية المتجددة لعلاقة فرنسا بمواطنيها المسلمين تعهد الرئيس الفرنسي ماكرون بمحاربة ما وصفها بـ«الانفصالية الإسلامية» وتحدث عن «إعادة هيكلة الإسلام»، وعن عزمه وضع «أسس تنظيمية للإسلام»، واقترح ماكرون تشريعًا يهدف إلى ضمان أن تعكس الحياة العامة في فرنسا قيم العلمانية.

الإجراءات التي اعتزم الرئيس الفرنسي القيام بها رأى البعض أنها لن تؤدي إلا إلى تعقيد وتعميق الأزمة وليس حلحلتها، فكما يوضح تحليل نشرته صحيفة واشنطن بوست فبرغم أن هدف ماكرون المدعوم بالمشاعر الشعبية، هو حماية الفرنسيين من العنف، يبدو منطقيًا، فإن الطريقة التي ينتهجها خاطئة، فبدلًا من معالجة عزلة المسلمين الفرنسيين، لا سيما في الأحياء والضواحي الفرنسية الفقيرة، تهدف الحكومة إلى التأثير في ممارسة دين عمره 1400 عام، ويعتنقه ما يقرب من ملياري إنسان حول العالم، بما في ذلك عشرات الملايين في الغرب، ومن ثم فهو علاج غريب للمشكلة، وفقًا للصحيفة.

ونقلت مجلة بوليتيكو عن أرييه عليمي، المحامي في الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان قوله: «صباحًا ومساءً نسمع دعوات لاتخاذ إجراءات جديدة ضد المسلمين. ما نحتاجه من ماكرون هو شيء أكثر حكمة، شيء أكثر توازنًا».

وفي المقابل، هنالك «قطاعات واسعة من الفرنسيين وحتى من المثقفين المنحدرين من بلدان مغاربية، على غرار الكاتب الجزائري بوعلام صنصار، من يعتبرون أن خطوة الرئيس ماكرون صحيحة بل وربما جاءت متأخرة» كما تقول دويتشه فيله. كما أظهر استطلاع للرأي بعد مقتل المدرس الفرنسي صمويل باتي أن 79% من المستطلعين يشعرون أن الإسلاموية أعلنت الحرب على فرنسا والجمهورية الفرنسية.

فقر وتَهميش وتمييز

يُقدر عدد المسلمين في فرنسا بـ 5 مليون، وتعيش نسبة كبيرة منهم في مرسيليا وحولها في جنوب شرق فرنسا، وكذلك في باريس وليون، ويشتكي العديد من المسلمين الفرنسيين منذ فترة طويلة، بحسب تقرير لموقع ذي إنترسبت، من التمييز والتهميش الذي ساهم في فقرهم وعزلتهم داخل مجتمعاتهم.

يكافح المسلمون الفرنسيون مع جمهورية قننت تهميشهم، وينقل التقرير عن أحد المسلمين الفرنسيين، ويُدعى ياسر لواتي، قوله: إن فرنسا أصبحت «مختبرًا» لـ القوانين التمييزية التي تستهدف الأقليات، ولا سيما المسلمين. وبسؤاله عن سبب لجوء البعض لارتكاب أعمال عنف، أجاب بأنه «عندما يكون هناك ملايين الأشخاص المهمشين، والمحرومين من حقوقهم، وبدون مؤسسات مجتمعية يمكنها أن تقدم لهم حلولًا، فإنك تخلق أهدافًا سهلة للمتطرفين».

(الأصول القومية للسكان المسلمين – المصدر مركز بروكينجز)

وقد أدت عقود من التمييز والاغتراب وعنف الشرطة إلى تحويل الضواحي الفرنسية الفقيرة التي باتت تُعَرف بـ «الجيتوهات» إلى برميل بارود، إذ خلصت دراسة عن العلاقة بين التمييز والتهميش الاجتماعي والعنف، ركزت على الشباب المسلم في ثلاث دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي من بينها فرنسا، إلى «وجود علاقة قوية بين العنف والتمييز. وعلى وجه التحديد، فمن قالوا في الاستبيان إنهم تعرضوا للتمييز كانوا هم الأكثر عرضة للعنف الجسدي والعاطفي، ضحيةً أو مرتكبًا. فضلًا عن ذلك، فإن من عانوا من هذه الأشكال من العنف كانوا أكثر عرضة للشعور بالغربة أو التهميش الاجتماعي. ويشير هذا إلى أن تجربة التمييز أو العنف لا تتعلق بالضرورة بالخلفية الدينية، وأن هذا الاستنتاج مدعوم بتحليل نتائج البحث».

وعقب أحداث العنف الدامية التي شهدتها ضواحي باريس عام 2005، وما شهدته من إحراق لآلاف السيارات وعدد من المباني العامة خلال 19 ليلة متواصلة؛ أعدت مجموعة الأزمات الدولية في مارس (آذار) 2006، تقريرًا أوصت فيه بكبح جماح مختلف أشكال العنف الذي تمارسه الدولة ضد الضواحي العمالية الفقيرة التي تقطنها أغلبية مسلمة، والعمل على إشراك سكانها المسلمين في العملية السياسية، والتراجع عن التمييز الاجتماعي ضدهم، لكن أحداث العنف الأخيرة أظهرت أن الحكومات الفرنسية المختلفة لم تنجح في إدماج هؤلاء المهاجرين وعلاج تلك المشكلة.

ويوضح تقرير لموقع ذا سوشياليست أن المسلمين الفرنسيين يواجهون تمييزًا واسع النطاق، مع معدلات بطالة وفقر أعلى بثلاث مرات من المتوسط الوطني، ودخل سنوي أقل بنسبة 30%.

نسخة صارمة من العلمانية

لم يقتصر الأمر على شعور كثير من المسلمين بالتهميش في مناطقهم الفقيرة، وهو الأمر الذي صعَّب عمليًا دمجهم الحقيقي في المجتمع، لكنه امتد إلى رغبة الجمهورية الفرنسية – التي يجسدها حاليًا ماكرون – في تطبيق أكثر صرامة للقوانين الفرنسية بشأن العلمانية.

وتتبع فرنسا شكلاً صارمًا من العلمانية، يُعرف باسم «لاسيتيه»، والذي كُرس في القانون عام 1905 بعد النضال ضد رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية، وهو نظام مصمم للفصل بين الدين والحياة العامة، إذ تنص علمانية الدولة على أن الحيز العام، سواء كان فصولاً دراسية أو أماكن عمل أو وزارات، ينبغي أن يكون خاليًا من الدين.

هذا النموذج العلماني الصارم يمثل عائقًا أمام ممارسة بعض المسلمين لمعتقداتهم الدينية، الأمر الذي ساهم في تعميق الأزمة وتفجّرها على هذا النحو وأوجد صراعًا بين الحق في تقرير المصير والثقافة المحلية والحرية الدينية، ومصلحة الدولة في كبح التطرف.

كذلك يعكس هذا النمط الصارم من العلمانية ثقافة سياسية فرنسية تنتج معدلات أعلى من التطرف أكثر من غيرها؛ كما خلص الباحثان ويليام ماكانتس وكريستوفر ميزيرول في دراسة نشرتها مجلة فورين أفيرز، وخلصت إلى أن أربعًا من الدول الخمس التي تشهد أعلى معدلات تطرف في العالم هي دول فرانكوفونية.

في ظل تلك الأجواء أيضًا يوجد معدل غير مسبوق من عمليات العنف العنصري ضد المسلمين في عام 2019، كما ينقل جوزيف مسعد الأستاذ بجامعة كولومبيا في نيويورك عن منظمة «التجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا» في مقال له بموقع ميدل إيست آي البريطاني، حيث تم تسجيل العام الماضي وقوع 1043 حادثة معادية للإسلام بزيادة 77% في المائة عن عام 2017.

توجه قديم جديد

لم يكن التوجه الفرنسي الذي يرى في الإسلام تهديدًا مجرد حالة عابرة أو موقف عارض لكنه نزعة متأصلة في علاقة القادة الفرنسيين مع الإسلام والمسلمين، والتي لطالما ظللتها خلفية استعمارية قهرت لعقود كثيرًا من الدول الإسلامية التي احتلتها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الجزائر التي ذهب العديد من أبنائها بمئات الآلاف موتًا في مقاومة المحتل الفرنسي، وهم الجزائريون أنفسهم الذين يشكلون بعضًا من مكون المجتمع الفرنسي.

ويقول الدكتور جوزيف مسعد: إن «أزمة فرنسا مع الإسلام هي إرث 200 عام من الوحشية الاستعمارية وهي تقليدٌ فرنسي «علماني» مُتعارف عليه بين الفرنسيين من قديم الزمان»، مشيرًا إلى أن ماكرون ليس أول حاكم فرنسي أراد «تحرير» الإسلام، بل سبقه نابليون بونابرت عندما غزا مصر بدعوى رغبته في تحريرها من استبداد المماليك.

وفي العقود الأخيرة ظهر جيل جديد من المستشرقين المتخصصين أساسًا في السوسيولوجيا والعلوم السياسية، والذين كان لهم إسهامات فكرية حول الإسلام وعلاقة الغرب بالمسلمين أثرّت في الأكاديميين والسياسيين الفرنسيين، ومن هؤلاء المفكر الفرنسي جيل كيبل الذي «يوجه أصابع الاتهام للإسلام دينًا وأيديولوجيا سياسية وحتى ممارسة شعبية باعتباره سببًا في تكوين الإرهاب وتصديره».

وقد حاول الرئيس فرانسوا ميتران ووزير داخليته بيير جوكس في 1990 صياغة ما يعرف بـ«الإسلام الفرنسي»، وهي جهود يحاول الرئيس الفرنسي الحالي ماكرون بث روح الحياة فيها بعد أن باءت جهود الحكومات الفرنسية المتعاقبة على مدار 30 عامًا بالفشل.

سُلم الشعبوية والتودد لليمين

وسط هذه المشاكل والأزمات السياسية والاجتماعية، وفي ظل تراجع لشعبية الرئيس ماكرون وصعود التيار اليميني الشعبوي، وجد ماكرون ضالته في خطاب أكثر تشددًا على أمل تعزيز حظوظه في الفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة. وفي حين قدم ماكرون نفسه في انتخابات عام 2017 على أنه مدافع عن الليبرالية ضد مخاطر الشعبوية، إلا أن «الشعبوية» أصبحت أداة مفيدة لليبراليين.

ويوضح الكاتب إتش. إيه. هيلير في مقال نشرته مجلة فورين بوليسي أن تصريحات ماكرون عن المسلمين في بلاده هي مجرد محاولة لجذب الناخبين اليمينيين قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2022؛ إذ يواجه منافسة قوية من زعيمة التجمع الوطني اليمينية المتطرفة مارين لوبان التي لا تخشى إلقاء اللوم على المسلمين في كل فرنسا.

وشدد هيلير على أن حديث ماكرون عن الإسلام هو أحدث مثال على السياسيين الذين يتوددون إلى اليمين المتطرف، لافتًا إلى أن ماكرون يلوّح بالتشدد ضد الإسلام في بيئة سياسية شعبوية على حساب الأقلية المسلمة الفرنسية المحاصرة بالفعل.

المصادر

تحميل المزيد