«الحب في الأرضِ بعضٌ من تخيلنا.. لو لم نجده عليها لاخترعناهُ» *نزار قباني

يتعامل البشر الآن مع كثير من السلوكيات والمشاعر كما لو أنها مسلمات أبدية لم تتغير ولن تتغير. لكن في الواقع، هي نتاج عملية تطور مذهلة حدثت على مر آلاف السنين. وربما كانت بعض السلوكيات والمشاعر التي نعتبرها أمرًا عاديًا اليوم، لم تكن موجودة من قبل ونشأت نتيجة لوجود حاجة معينة أو تغير في الظروف الحياتية للإنسان القديم.

من بين هذه العواطف الرئيسة، كان الحب. ذلك الشعور العجيب الذي يحتار الناس في اعتباره نقمة أو نعمة، خصوصًا وأنه يجعل الأذكياء يتصرفون مثل الحمقى، ويسبب وجع القلب والحزن والانكسار، وربما يدفع البعض منا إلى حافة الجنون بسبب الخذلان.

حب الأم لأبنائها.. أول حب عرفه الكوكب

يلاحظ أن البشر شديدو الارتباط ببعضهم البعض. وهذا يوحي بأن القدرة على الحب قد تطورت، وأن عملية الانتقاء الطبيعي سارت في طريق اختيار «الاهتمام ببعضنا البعض». لن ندخل هنا في جدلية التطور، لكن يمكننا أن نشير إلى أن الحفريات تخبرنا أن الحب تطور منذ مئات الملايين من السنين، وهو ما ساعد الثدييات السابقة على البقاء في وقت الديناصورات.

يشترك البشر وجميع الثدييات الأخرى في نوع واحد من الحب، وهو الرابطة بين الأم ونسلها. ويرى عديد من العلماء أن عالمية هذا النوع من الحب تشير إلى أنه هو الشكل الأصلي والأقدم لعملية الارتباط بين الكائنات، وهو النوع الأول من الحب الذي نشأت منه الأنواع الأخرى كالحب بين الذكر والأنثى وغيرها.

وظهرت بالفعل أدلة على الترابط بين الأم وأبنائها في الكائنات الحية قبل حوالي 200 مليون سنة. وتظهر إحدى الحفريات الخاصة بنوع من الثدييات الأولية في ولاية أريزونا الأمريكية، أم توفيت وهي تحمي أطفالها البالغ عددهم 38 طفلًا صغيرًا. ومن أجل أن يحصل هذا السلوك، يجب أن تكون الغريزة بين الأم ونسلها قد تطورت أولًا.

Embed from Getty Images

(الحب الأبوي كان أول أنواع الحب ظهورًا على الكوكب)

في الحيوانات البدائية، مثل السحالي، فإن الآباء ليسوا آباءً كما ينبغي. فسحلية «تنين كومودو» على سبيل المثال تتخلى فيها الأم عن بيضها تاركة المواليد الصغار تدافع عن نفسها. وإذا قابلت هذه السحلية صغارها، فمن المحتمل أن تحاول أن تأكلهم كونها من آكلات اللحوم. لذلك سوف يركض الأطفال بشكل غريزي دفاعًا عن حياتهم عند لقائها.

هذا يؤكد أن سلوك حراسة الأم لأطفالها في الحيوانات يتطلب تطورًا مسبقًا لغرائز الأم كي تنظر إلى نسلها الصغير العاجز بوصفه أشياءً يجب أن تحميها، وليس فريسة سهلة. وفي الوقت نفسه يجب أن تتطور غريزة النسل نفسه لينظر إلى الأم باعتبارها مصدرًا للأمن والدفء، وليس الخوف. وتظهر الحفريات أن هذه الغريزة ظهرت بالفعل مع تطور الكائنات الحية للأمام، وصولًا إلى الثدييات.

في هذه المرحلة من تاريخ الثدييات، توقفت الثدييات عن رؤية بعضهم البعض كما تنظر السحالي لبعضها ضمن حدود الخطر والغذاء والجنس، وشعورهم فقط بالعواطف البدائية المتمثلة في الخوف والجوع والشهوة. بدلًا عن ذلك بدأت الثدييات في رعاية بعضها البعض. وعلى مدى ملايين السنين، بدأوا على نحو متزايد في الارتباط للحماية وطلب الحماية، وتبادل الدفء الجسدي، ومساعدة بعضهم البعض، واللعب مع بعضهم البعض وتعليمهم والتعلم منهم.

نتيجة لهذا بدأت الثدييات تطور قدرتها على تشكيل العلاقات، واستطاعت استخدام هذا التكيف في سياقات أخرى. يمكن أن تشكل الثدييات علاقات مع العائلة والأصدقاء في مجموعات اجتماعية متطورة مثل قطعان الأفيال، والقرود، والحيتان، ومجموعات الكلاب وغيرها. وفي بعض الأنواع شكل الذكور والإناث روابط زوجية أكثر قوة وهي ما تمثل في الحب الرومانسي.

الجنس.. بداية الحب الذي نعرفه

بدأت رحلة الحب كما نعرفها اليوم مع ممارسة الجنس، والتي كانت واحدة من أولى الأشياء التي اكتشفت الحياة على الأرض كيفية القيام بها. بدأت ممارسة الجنس لنقل جينات الكائن الحي إلى الجيل التالي. ومن أجل الحب احتاجت الحياة أولًا إلى مخ يمكنه التعامل مع المشاعر. لم يبدأ الأمر إلا بعد مرور بضع مليارات من السنين حين بدأت الحياة رحلتها لتكوين الدماغ وتقديمه إلى الوجود. في البداية، كان مجرد مجموعة صغيرة من الخلايا.

أخذت الأمور تتطور لننتقل إلى قبل حوالي 60 مليون سنة ماضية، عندما ظهر أول أفراد الرئيسيات أو الثدييات الرئيسية. وعلى مدى ملايين السنين التالية من التطور، ستتطور بعض القرود إلى أدمغة أكبر. ولكن كانت هناك مشكلة. مع نمو الأدمغة يجب أن يولد الأطفال في مرحلة مبكرة من النمو وإلا فإن رؤوسهم ستكون أكبر من أن تمر عبر قناة الولادة.

Embed from Getty Images

(الحب في البشر أكثر تعقيدًا من الحيوانات)

ونتيجة لذلك فإن الغوريلا والشمبانزي وبعدهما البشر الأطفال سيكونون بلا حول ولا قوة تقريبًا. لذلك كان على والديهم قضاء المزيد من الوقت في العناية بهم. هذه الطفولة المطولة خلقت خطر جديد. إذ إنه في العديد من الرئيسيات اليوم تكون الأم التي لديها رضيع غير متوافرة لعمليات التزاوج حتى تقوم بفطام رضيعها؛ وللوصول إليها يجب على الذكر أولًا قتل طفلها. هذا النوع من قتل الأطفال لا يزال مستمرًا في العديد من الأنواع، بما في ذلك الغوريلا، والقرود، والدلافين.

هذا جعل العلماء يقترحون فكرة أن سلوك ما يقرب ثلث الرئيسيات في تشكيل علاقات أحادية بين الذكور والإناث مرجعه وتطوره كان لمنع قتل الأطفال منذ 20 مليون عام تقريبًا. لكن العلماء وجدوا أيضًا أن بعض الرئيسيات اتخذت طريقًا مختلفًا لحل المشكلة. على سبيل المثال يقلل الشمبانزي والبونوبو من خطر قتل الأطفال عن طريق الاختلاط الشديد. وبالتالي الذكور لا يقتلون الأطفال لأنهم لا يعرفون من هم أطفالهم.

حب البشر أكثر تعقيدًا

لكن البشر لديهم حياة عاطفية أكثر تعقيدًا وغرابة من الثدييات. فكرة الحب الرومانسي (الترابط طويل الأجل بين الذكور والإناث)، هو مفهوم غير معتاد بين الثدييات. كما أن البشر يختلفون عن الثدييات الأخرى في فكرة قدرتهم على تكوين علاقات طويلة الأمد مع أفراد لا تربطهم بهم أي علاقة بيولوجية، وهو ما نطلق عليه اسم الصداقة، وليست مجرد الصداقة المتعلقة ضمن القطيع.

سنقف هنا أمام موضوع حساس، أصل الإنسان. إذا سرنا في الطريق الذي يتبناه غالبية العلماء من فكرة أن الإنسان تطور عن أسلافه من القرود والثدييات، فهذا سيعطينا فهمًا واضحًا لكيفية وصول هذه العاطفة المسماة الحب إلى الإنسان، وكيف أن تطورها منذ ملايين السنين جعل الإنسان يتميز بأنماط مختلفة من الحب لا تتواجد بالصورة نفسها في بقية الكائنات، نتيجة عملية التطور نفسها التي ميزت الإنسان بالعقل مثلًا.

أما إذا اتخذنا الرأي الآخر الذي يتبناه رجال الدين والذي يقول إن الإنسان خلق خلقًا خاصًا وأنه ليس متطور من كائنات تسبقه، فسيمكننا فهم كيفية وصول مشاعر الحب للإنسان، إذ يجب أن يكون الإنسان متميزًا عما سبقه من كائنات حية، وبالتالي يكون أكثر تطورًا على صعيد التفكير والمشاعر والسلوكيات.

مجتمع

منذ 4 شهور
أفراح جماعية ويوم للعزاء.. غرائب الاحتفال بعيد الحب حول العالم

الحب الرومانسي بين الرجال والنساء هو عملية تطور حديثة، ارتبطت بالرجال الذين يساعدون الإناث في رعاية الأطفال وذلك بعد تطور فكرة الزواج الأحادي. في معظم الثدييات، الذكور هم آباء غائبون، يساهمون في الجينات ولا شيء غير ذلك لذريتهم. وفي الشمبانزي، الذي يعتبره العلماء أقرب أقربائنا، نلاحظ أن الرعاية الأبوية تظهر في حدها الأدنى.

في أنواع قليلة من الكائنات الحية، بما في ذلك القنادس والذئاب وبعض الخفافيش وبعض النسور يشكل الأزواج روابط طويلة الأجل من أجل تربية الأطفال بشكل تعاوني. تطورت هذه الروابط الزوجية في وقت ما منذ 6 مليون إلى 7 مليون سنة، في مرحلة يعتقد بعض العلماء أنها قبل الانقسام الواضح الذي وقع بين البشر والبشر البدائيين.

الحب جزء من جينات البشر

يمكننا أن نخمن هنا أنه حتى البشر البدائيون تمكنوا من تشكيل علاقات طويلة الأمد فيما بينهم، لأن الحمض النووي الخاص بهم تقريبًا متطابق. هذا يعني أن الآباء ينجبون أبناء وهؤلاء الأبناء يتحولون بدورهم إلى آباء ثم أجداد هكذا، هذا ليس من أجل بقاء ونجاة القبيلة التي ينتمي لها هؤلاء فحسب، بل من أجل ازدهارها واندماجها. ذلك أن الأطفال ولدوا لأبوين يهتمان بهم ويهتمان ببعضهم البعض، وبالتالي تزداد العلاقات والروابط بين هؤلاء البشر داخل القبيلة.

لم تكن جميع اللقاءات بين الأجناس البشرية سلمية أو جميلة، لكنها لم تكن عنيفة تمامًا أيضًا. كان البشر البدائيون مثل إنسان نياندرتال مختلفون عن الإنسان العاقل (Homo Sapiens) الذي ظهر قبل انقراض النياندرتال وتواصل معه، لكنهم كانوا يشبهوننا لدرجة تمكننا من أن نشعر تجاههم بالحب، ويشعرون تجاهنا بالحب أيضًا.

Embed from Getty Images

(عقولنا تطورت من أجل الحب)

وبالعودة لعملية تفضيل الزواج الأحادي ومساعدة الآباء في رعاية أبنائهم؛ أدى هذا التغير إلى تغييرات كبيرة في الدماغ للحفاظ على الرابطة الزوجية للحياة. يتضمن ذلك تفضيلًا لشريكك والتناقض مع المنافسين المحتملين. هذا الأمر كان السبب وراء نشأة مفهوم الحب الرومانسي وما يلازمه من شعور بالغيرة من الذكر على أنثاه أمام الذكور الآخرين.

هذا الحدث كان بمثابة «الركلة» التي غيرت التطور البشري. فقد ساعدت الرعاية الإضافية للذكور المجتمعات البشرية المبكرة على النمو والازدهار، وهذا بدوره سمح لأدمغتنا أن تنمو أكبر وأكبر. هناك أدلة تدعم بالفعل فكرة أنه كما بدأ حجم الدماغ في التوسع في البشر، كان ذلك مرتبطًا بزيادة حجم التعاون والمجموعة.

ظهر حديثًا.. تطور الحب عند البشر

يبدو أن الجوانب المتعلقة بعاطفة الحب في البشر تعتمد على مناطق من الدماغ لم تظهر إلا مؤخرًا في تاريخنا التطوري. الدراسات وجدت أن حالات الحب الأكثر عمقًا تعتمد على جزء من الدماغ يسمى «التلفيف الزاوي». هذه المنطقة معروف أنها مهمة بالنسبة لجوانب معينة من اللغة، مثل الاستعارات.

هذا أمر منطقي، لأنه بدون لغة معقدة لا يمكننا التعبير عن الجوانب الأكثر شدة لعواطفنا. يمكنك أن تتخيل أن «التلفيف الزاوي» لشكسبير كان نشيطًا عندما صاغ أجمل رواياته. لكن هذه المنطقة لا تتواجد إلا في القردة العليا والبشر، وهو ما يعني أن تطور أدمغتنا ساعد على الحب على الازدهار.

فوائد الحب على المجتمعات الحية

في النهاية توضح المعلومات السابقة أن هناك فائدة تكيفية للحب. اليوم، يهيمن على النظام البيئي تلك الحيوانات التي تتميز بالرعاية الأبوية. الثدييات والطيور والحشرات الاجتماعية مثل النمل، والدبابير، والنحل، والنمل الأبيض، التي تتميز بوجود الرعاية الأبوية في سلوكياتها، جميعها تهيمن على النظم الإيكولوجية على كوكب الأرض. أضف على هذا البشر الذين هم الحيوان المهيمن على الأرض كلها بكل نظمها.

الرعاية الأبوية تكيفية في حد ذاتها، ولكن عن طريق تعليم الحيوانات تشكيل العلاقات، فقد مهدت الطريق أيضًا لتطور الاشتراكية والتعاون على نطاق أوسع. على سبيل المثال أدت رعاية الوالدين في الصراصير الخشبية إلى تطوير سلالة النمل الأبيض لمجموعات عائلية واسعة (مستعمرات) تعيد تشكيل المشهد على كوكب الأرض بشكل حرفي.

النمل، الذي يشكل ما يصل إلى 25% من الكتلة الحيوية لبعض البيئات، من المحتمل أن يكون قد طور عملية الاستعمار بنفس الطريقة. يمكن أن يكون التطور تنافسيًا بعنف، ولكن القدرة على رعاية وتشكيل العلاقات سمحت بتكوين المجموعات التعاونية، والتي أصبحت منافسة فعالة ضد المجموعات والأنواع الأخرى.

الرعاية تساعدنا على التعاون والتعاون يساعدنا على المنافسة. يمكن للبشر أن يكونوا أنانيين ومدمرين. لكننا سيطرنا على الكوكب فقط لأن لنا قدرة لا مثيل لها على رعاية بعضنا البعض، علاقة الأزواج، والأطفال، والأسر، والأصدقاء، والزملاء، سمحت لنا بالتعاون على نطاق لم يسبق له مثيل في تاريخ الحياة.

منوعات

منذ سنة واحدة
هل وقعت في الحب من طرف واحد؟ هذا إدمان عليك التخلص منه

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد