خرج ربيع أبو عيد، المتحدث الإعلامي لرابطة «علماء الأزهر» بدمياط سابقًا، 44 عامًا،  في يناير (كانون الثاني) لعام 2014،  من المسجد المجاور لمنزله بقرية الخياطة بمحافظة دمياط، بعد تأدية صلاة العشاء، يرتدي نظارته السوداء، يمد يده متلمسًا من تلميذه «عاصم» أن يمسك يده ليقوده إلى طبيب الأسنان المُعالج له في المركز التابع له قريته.

فوجئ عاصم الذي اعتاد ملازمة أستاذه، الذي فقد بصره في سنوات طفولته الأولى، بعناصر أمنية تركل عصا الشيخ الحديدية التي يتوكَّأ عليها، قبل أن يقيدوه من الخلف في كلابشات حديدية داخل عربة الشرطة،  ويذهبون به لمركز الشرطة، بتهمة توزيع منشورات، تُحرض المواطنين على عدم الذهاب للاستفتاء الدستوري في يناير (كانون الثاني) 2014، الذي تلا تحرك الجيش المصري في 3 يوليو (تموز) 2013.

الشيخ ربيع

يحكي«ربيع» وقائع اعتقاله، وهو الحاصل على دراسات عليا في دراسات الحديث، والذي حصل على حُكم 6 أشهر بتهمة قضية المنشورات، قبل أن يجد نفسه متهمًا في قضية غيابية بحكم 15 سنة. ويقول لـ«ساسة بوست»: «زعمت تحريات الأمن  بتحريضي برفقة تلميذي على توزيع منشورات تحريضية في ثاني يوم للاستفتاء، وكانت قضية بسيطة جنحة، قضيت فيها ستة أشهر، قبل أن أجد نفسي خلال إنهاء أسرتي إجراءات الخروج، مُتهمًا في قضية غيابية بـ15 سنة سجنًا بتهمة الشغب، واستخدام شماريخ في تظاهرة مناهضة للسلطات برفقة 23 متهمًا آخرين».

لم تشفع توسلات ربيع لوكيل النيابة، كونه فاقدًا للبصر، في الإفراج عنه في قضية المنشورات، إذ كان إجابة المُحقق له دائمًا: «أنا مش بإيدي، والنيابة مش في إيديها تخلي سبيلك، تحريات الشرطة هي السبب الرئيسي في القبض عليك».

يستكمل ربيع: «دامت فترة اعتقالي ستّة أشهر، قبل أن أجد نفسي متورطًا في قضية غيابية، ومحكوم  فيها بحكم غيابي 15 سنة ، بدون محامين أو متهمين، والتهمة التي كانت موجهة لي هي تنفيذ أعمال تخريبية خلال سيري في إحدى التظاهرات التحريضية ضد النظام الحالي».

يضيف: «أول مرة أقف فيها أمام القاضي، في مايو (أيار) 2015، وشرحت له ظروف فقداني للبصر، لكن تبدد هذا الأمل بعد التجديد لحبسي مع بقية المتهمين، قبل أن يتم الإفراج عني  وجميع المتهمين في هذه القضية في  سبتمبر (أيلول) 2015».

المكفوفون في السجون.. معاناة داخل السجون وخارجها

خلال الفترة التي قضاها «ربيع» داخل  سجن جمصة، كان النزلاء يساعدونه في تنقلاته داخل الزنزانة أو خارجها خلال فترة التريض، يحكي عن هذه الفترة: «لم أكن معتقلًا داخل حجز انفرادي، وإدارة السجن لم تضع في اعتبارها كوني كفيفًا، فكان الإخوة هم عوني في تنقلاتي وقضاء حاجاتي، بجانب وجود مرافق  متطوع منهم يلازمني في تحركاتي، وسماحهم لي بالخروج أول واحد في زيارة أسرنا تقديرًا لمكانتي، ووضعي الصحي».


يضيف: «إدارة السجن كانت تعاملني كأيّ معتقل سليم، أركب عربية الترحيلات كحال جميع المعتقلين بشكل اعتيادي، وأتناول الطعام الذي يقدمونه لجميع النزلاء، بجانب الزيارات العادية» موضحًا أن كونه ليس محتجزًا داخل زنزانة انفرادية يسر له ظروفه بشكل كبير، من خلال دعم زملائه داخل الزنزانة، ممن يصفهم  «بالعون الأساسي طيلة فترة الاعتقال».

حال «ربيع» أفضل بكثير من «سعيد عادل» – اسم وهمي حفاظًا على أمنه الشخصي – 36 عامًا، الذي قضى عامًا كاملًا داخل مقر مباحث أمن الدولة بميدان لاظوغلي، وسط العاصمة المصرية، وهو فاقد للبصر، بعد اعتقاله مع 3 من زملائه داخل سيارة مملوكة لأحد أصدقائه، بأحد شوارع محافظة الجيزة، بتهمة «الإضرار بالأمن القومي».

يحكي «سعيد» وقائع فترة احتجازه داخل «لاظوغلي» لـ«ساسة بوست»، ويقول :«قضيت عامًا كاملًا مختفيًا داخل «لاظوغلي»، بتهم تتنوع بين صناعة قنابل وحيازة أسلحة نارية، ومنشورات تحريضية، وتعرّضت لأنواع تعذيب مختلفة في الجسد، وأنواع سيئة جدًا من الطعام، جنبًا للرفض الكامل لاستخدام أدوية لعيني» موضحًا أنّ معاناته داخل مقار الاحتجاز كانت مُضاعفة كونه محتجزًا داخل زنزانة انفرادية، دون وجود مساعدة من أحد في تأدية بعض احتياجاته نتيجة فقدانه للبصر بشكل جزئي.

جرى عرض «سعيد» أمام ضابط بقطاع الأمن الوطني داخل المقر للتحقيق معه في التهم المنسوبة له، الذي استَشهد بفقدِهِ البصر نتيجة عملية خاطئة في العين، كدليل قاطع على تبرئته من الأعمال المنسوبة له، التي تطلب شخصًا قادرًا على الإبصار.

يقول «سعيد»: «استبعدوني من القضية بعد عامٍ كامل من الاختفاء القسري داخل زنزانة انفرادية، تعرَّضت فيها لكافة صنوف التعذيب النفسي والجسدي، وظللت بعد خروجي تحت وضع المراقبة لمدة عامٍ كامل، بينما انتقل زميليّ اللذين كانا مرافقين لي داخل السيارة، إلى إحدى السجون بمنطقة شرق القاهرة، وجرى تجديد حبسهما على مدار أكثر من عامين دون صدور حكم قاطع بحقهما في القضية».

مُعاناة سعيد لم تنقطع بعد الخروج من السجن؛ إذ أقالته جامعة حكومية بشرق الدلتا، من وظيفته التي ورثها عن والده التي عمل فيها على مدار أكثر من 10 أعوام ، يوضِّح: «المسؤول في الجامعة أبلغني أن قانون الخدمة المدنية لايسمح لي بالاستمرار في العمل، كون احتجازي يُعتبر «وصمة» تؤثر على سير وانضباط العمل، حتى وإن لم تُثبت التهمة حيالي، مع حفظ حقي فى المعاش الذي يساوي 900 جنيه مصري (40 دولار)».

ولا يوجد إحصاء رسمي موثق لعدد حالات مكفوفي البصر المعتقلين داخل الزنازين المصرية خلال ولاية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

قصور تشريعي لأوضاع المكفوفين المحتجزين

وتُلزم المادة 36 من قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956، كل محكوم عليه يتبين لطبيب أنه مصاب بمرض يهدد حياته بالخطر أو يعجزه عجزًا كليًّا يعرض أمره على مدير القسم الطبي للسجون لفحصه بالاشتراك مع الطبيب الشرعي للنظر في الإفراج عنه. وينفذ قرار الإفراج بعد اعتماده من مدير عام السجون وموافقة النائب العام وتخطر بذلك جهة الإدارة والنيابة المختصة.

Embed from Getty Images

يقول مختار منير، المحامي بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» إن الدستور المصري والقوانين الداخلية للسجون لم تخُص المكفوفين المحتجزين في الزنازين بمواد بعينها، يكفُل لها وضعًا قانونيًا خاصًا أثناء سير عملية التحقيقات، موضحًا أن الدستور حدد المسجونين ذوي الحالات الخاصة، وشدد على حقهم في التمتع برعاية معينة، والإيداع في أماكن احتجاز تناسب أوضاعهم الصحية، دون تخصيص لفئة عن أخرى في الحالات الخاصة.

وأضاف منير أن إدراج المكفوفين تحت الحالات الخاصة «قصور تشريعي»، كون طبيعة إصابتهم تكفُل لهم البراءة من التهم الموجهة لهم، موضحًا أن المكفوفين في الزنازين يعانون أشدّ معاناة، ولاتوجد أي امتيازات أو خصوصية في التعامل معهم من جانب إدارة السجن، في ظل غياب تفعيل قانون الحالات الخاصة الذي يندرجون تحت طائله.

من جانبه، يقول حليم حنيش، المحامي بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات في تصريحات لـ«ساسة بوست»  أن كون الكفيف أو أي مواطن عادي مُتَّهم في إحدي القضايا، فهذ يعني ثلاث سلطات تقف وراء هذا الاتهام، وهي النيابة العامة التي تمنح إذن النيابة للجهات الشرطية للقبض عليه، أو قوة شرطية تقبض عليه في حالة تلبس، و أخيرًا مباحث الأمن الوطني التي تقوم بعمل منفصل عن هذه الجهات من خلال عمليات اختفاء قسري دون مراعاة لتنفيذ القانون.

ويضيف «حنيش» أنّ بعض الجرائم التي تُتسب للمحتجزين المكفوفين فيها درجة كبيرة من عدم المعقولية، وتكون كاشفة عن حجم الخلل الذي يعتري جهات التحقيق أو الجهات المسؤولة عن تقديم التحريات، وهي وسيلة أكثر للانتقام من جانب السلطة حيال هؤلاء فاقدي البصر، موضحًا أن النيابة العامة هي الجهة التي تملك حق الفصل في استبعاد أي متهم في القضية أو استمراره، ويليها القاضي حال وصول القضية للمحكمة.

أخيرًا، يوضح «حنيش» أن السلطات تستخدم بعض حالات فاقدي البصر ممن يتم الزج بهم في قضايا مُلفقة، للضغط على ذويهم ممن يحملون انتماءً سياسيًا مناهضًا للسلطة الحالية خصوصًا في الفترة التالية لـ«الانقلاب العسكري»، موضحًا أن البعض الآخر منهم يقعون تحت طائلة القمع العشوائي الذي لا يعتمد القانون والتحريات كوسيلة للتثبت من حقيقة الاتهامات، وإنما السلطوية والقمع كوسيلة وحيدة حيال أي مواطن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد