1,039

متنكرًا في زي تاجر عربي، استطاع المسكتشف الفرنسي رنيه كاييه في عام 1828 أن يدخل إلى المدينة التي استعصت على المستكشفين، وبهذه الطريقة قدّر له أن يكتب اسمه بحروف من نور في التاريخ الأوروبي، ويكتب عن أسرار مدينة تمبكتو التي لم تكن تسمح بدخول غير المسلمين إليها، وعُرف بوصفه أول أوروبي يتمكن من الدخول إلى المدينة الأفريقية، ويعود سالمًا ليصف ما وجده فيها.

لكن البحث في تاريخ «مدينة الذهب» البعيد كشف أنه لم يكن الأول بالفعل، فللمدينة علاقات طويلة وجذور أوروبية نمت فيها عبر القرون نسرد جانبًا منها، فحين صدر قرار طرد الموريسكيين عام 1609، اختار الكثيرون منهم التوجه نحو سواحل البحر المتوسط، واستقروا هناك، في الوقت الذي كان العديد من الأندلسيين قد وصلوا إلى صحراء أفريقيا بغرض التجارة.

بصمة معمارية أقدم

في القرن الرابع عشر كان الأندلسي إسحاق بن إبراهيم الساحلي قد وصل إلى مالي بدعوة من الإمبراطور الزنجي الذي التقاه في الحج، وأنشأ هناك الطراز المعماري «السوداني».

ولد الشاعر والمعماري أبو إسحاق الساحلي عام 1290، وبسبب اضطهاده من قبل بعض رجال الدين بدأ رحلة منفاه إلى شمال أفريقيا، ثم إلى مكة، وفي رحلة الحج تعرف إلى إمبراطور مالي مانسي موسى الذي عرض عليه مرافقته إلى مالي والسودان الغربي. وكان الساحلي شاعرًا ومهندسًا معماريًّا بارعًا، وهناك أصبح المعماري الخاص بالإمبراطورية؛ فصمم وشيد أول مسجد في جاو، وأكبر مسجد في تمبكتو، والذي يُعرف بالمسجد الكبير، وهو إحدى أقدم مدارس التعليم في مالي.

المسجد الكبير في تمبكتو- مصدر الصورة

وعلى طول نهر النيجر شيّد الساحلي القصر الملكي مادوجو، وقصر جيني على الحدود الحالية بين غينيا ومالي، والكثير من الأعمال المعمارية، دمج فيها بين أسلوبه الخاص الذي عُرف بـ«الفن السوداني» وبين المعمار الأندلسي.

ويتحدث ابن خلدون عن براعة الساحلي في ميدان المعمار وما استحدثه في مالي؛ فيقول: «أراد سلطان مالي أن يتخذ بيتًا في قاعدة سلطانه مدينة يني مُحكم البناء، مجللًا، لغرابته بأرضهم، فأطرفه أبو إسحاق ببناء قبة مربعة الشكل، استفرغ فيها إجادته. وكان صنَّاع اليدين، وأضفى عليه من الكلس ووالى عليها بالأصباغ المشبعة، فجاءت من أتقن المباني، ووقعت من السلطان موقع الاستغراب لفقدان صنعة البناء بأرضهم، ووصله بـ12 ألفًا من مثاقيل دنانير التبر مبثوثة عليها».

يقول الحسن الوزّان (الشهير بليون الأفريقي): «ودور تنبكتو عبارة عن أكواخ مبنية بأوتاد مملوطة بالطين ومسقوفة بالتبن. وفي وسط المدينة مسجدٌ مبني بالحجر المركّب بالطين والجير، على يد مهندس أندلسي… وقصر كبير من بناء نفس المعلّم المهندس».

أسس الساحلي على طول نهر النيجر ما عُرف بـ«الفن السوداني»- مصدر الصورة

وهكذا كان أبو إسحاق حلقة وصل وجسرًا ثقافيًّا بين الأندلس وقلب أفريقيا السمراء، فقد كان أحد رجال سلاطين بني نصر الذي قُدر له أن يبني في أفريقيا مجدًا لم يستطع إقامته في مدينته التي طُرد منها، وتوفي أبو إسحاق عام 1346م في تمبكتو، ودفن في المسجد الكبير الذي بناه هناك.

أنا شاعر، والعمارة هي شعر من الحجر والطين، ولهذا سأُشعر وأُردد، يومًا ما سأُشيد لكم قصورًا ومساجد. *أبو إسحاق إبراهيم الساحلي

بحثًا عن الذهب

بعد قرون قليلة، كانت الأرض نفسها على موعد مع أحفاد أندلسيين لم يجدوا مكانًا في الأندلس فاحتضنتهم المغرب ومنها جاؤوا فاتحين، بقيادة أوروبي آخر بعيون زرقاء ينتمي إلى الموريسكيين، هو جودار باشا الذي دخلها فاتحًا على رأس الجيش الذي أرسله السلطان المغربي أحمد المنصور الذهبي السعدي لغزو إمبراطورية السونهاي التي تقع اليوم في مالي وجزء من النيجر.

كان السلطان يسعى نحو توسيع مملكته بعيدًا عن الشمال حيث البرتغال وقشتالة، والشرق حيث تركيا القوية، وكان يأمل في الحصول على الثروة التي تضمن له الاستقلال، قطع جودار باشا مع فرقته العسكرية الصحراء الطويلة إلى أن وصل إلى مناجم الملح في تغازة، ثم إلى عاصمة السونهاي، حسمت المعركة لصالحه إذ تغلب على السونهاي بالأسلحة النارية، ولم تستطع الثيران التي استعان بها الإمبراطور الصمود أمام هدير المدافع والبنادق، وأرسل إلى المنصور يبشره «بنصر تفوح منه رائحة المسك»، ويطلب منه أن ينتظر «الهدية».

قوات إمبراطورية السونهاي– مصدر الصورة

يقول المثل القديم: يأتي الذهب من الجنوب، والملح من الشمال، والنقود من بلاد الرجل الأبيض، لكن الحكايات الرائعة وكلمة الله موجودة فقط في تمبكتو.

شاركت في الحملة جماعة من الموريسكيين، إذ تم إرسال فرقتين إحداهما أندلسية والأخرى كانت من الأوروبيين الذين أشهروا إسلامهم، واستطاعت الحملة الانتصار على السلطان أسكيا محمد، وأسسوا إمبراطورية جديدة عاصمتها تمبكتو، حكمت البلاد حتى عام 1741، واعترفت خلال تلك الفترة بسيادة المغرب وأرسلت لها الجزية، وكان هناك تبادل تجاري بالمنتجات «السودانية» من الذهب والملح.

رائحة المسك.. لكن أين الذهب؟

كتب ليون الأفريقي أن عدد سكان تمبكتو حين وصلها جودار باشا بلغ حوالي 100 ألف نسمة، وكان بها حوالي 20 ألف طالب موزعين على 180 مدرسة دينية تعلم القرآن، غير أنهم لم يعثروا على جبال الذهب التي حلم بها السلطان المنصور لتحقق طموحاته في الاستقلال، وفي أغسطس (آب) 1599، خلع المنصور جودار باشا، وأحل محله قائدًا آخر من غرناطة، وطلب منه العودة إلى مراكش لمساعدته في مهام الحكومة.

وبعد وفاته تنازع أبناؤه الثلاثة الإمبراطورية، وقتل جودار باشا ولم يُعرف على وجه التحديد هل قطع الخليفة رأسه بتهمة الخيانة، أم أنه قُتل في عهد أبنائه أثناء المؤامرات التي دارت بينهم؟ ويقال إنه مدفون في إحدى مقابر العائلة المالكة السعديّة، في قصر البادي الذي ارتبط به دائمًا.

لافتة تحمل اسم جودار باشا على أحد ميادين المنطقة- مصدر الصورة

كان جودار باشا أحد من تم تعميدهم باسم دييجوا دي جيفارا قبل أن يهاجر مع أسرته إلى المغرب، وهو معروف في المصادر الإسبانية بهذا الاسم، والسلالة الموجودة اليوم في المنطقة ليس من بينها أحفاد له، فقد كان مخصيًا منذ حادث قديم حين أُسر مع مجموعة من أهله قبل وصوله إلى المغرب، لكن اسمه يتردد كثيرًا في الكتب، وهناك ميادين وشوارع تحمل اسمه في المنطقة.

إسبان يبحثون عن الجذور

وحتى اليوم يعتز المنحدرون هناك من أصول أندلسية بتراثهم وأصولهم، والتي تظهر في بعض الكلمات والتعبيرات التي تعود أصولها إلى اللغة الإسبانية التي كان العسكريون الموريسكيون يعرفونها، أبرزها كلمة Arma -تعني السلاح- التي علقت بالذاكرة الأفريقية لتشير إلى السلاح الذي حمله الفاتحون، ورآه الناس أول مرة بين أيديهم.

وهناك حوالي 10 آلاف عائلة في منحنى نهر النيجر من أصول أندلسية تحتفظ ببعض العادات والاحتفالات، وتتزين أبواب منازلهم بأشكال أندلسية، ويمارسون طرقًا خاصة بهم في الطهي، كما احتفظت بعض العائلات والشوارع والمناطق هناك بأسماء أندلسية، فضلًا عن بعض التعبيرات والكلمات التي بقيت متداولة بينهم إلى اليوم.

وحديثًا فقط توجه بعض الباحثين الإسبان إلى مالي للبحث عن أحفاد هؤلاء الموريسكيين، ونشروا تحقيقاتهم حولها، وأشار الكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا إي جاسيت إلى «الأصول الإسبانية» لبعض العائلات في النيجر، والتي تعتز بأصولها «اللاتينية» حتى اليوم، وتعتبر من نبلاء هذا المجتمع. وتساءل الكاتب: لماذا لم نذهب إلى النيجر لنرى أسلافنا النبلاء؟ كما تناولت أعمال الكاتب مانويل بيلار راسو، الأستاذ بجامعة غرناطة، هذا الموضوع الذي ألهم بعض الروائيين أيضًا، مثل ميكيل فيرا فاستوحى رواية بعنوان «الله أكبر» من هذه القصص، ونشرها باللغة الكتالونية عام 1990.