قبل أن ينفض غبار الغارة التي وقعت على منزله الكائن بحي «الكلاسة»، وقبل أن يتفقد من نجا من أهله، ومن لقي مصرعه، كانت عيناه الملطخة بالدماء ترتفع ببطء إلى السماء؛ ترتقب برميلًا متفجرًا آخر يستهدفه، كناج مع رجال الدفاع المدني والإسعاف، الذي قدموا لإنقاذ أحياء «المجزرة».

ليس مشهدًا دراميًا مبالغًا فيه، بل واقعًا يعيشه كل سكان حلب، منذ فجر 22 أبريل (نيسان)، فعين في السماء على البرميل الجديد، وأخرى على الأرض، تتفقد الأشلاء والدماء.

لم يترك النظام السوري، والميليشيات التابعة له، شيئًا في المدينة، إلا استهدفه في حلب وريفها، بقصف المنازل والمشافي، ومستودعات الأدوية، ومراكز الدفاع المدني، والأسواق الشعبية.

النزوح إلى الحدائق العامة

وقف الناشط الإعلامي «يوسف محمود»؛ يواسي رجلًا فقد أعصابه في إحدى مشافي حلب. كان مفجعًا بفقدانه كل أفراد عائلته. لم يستطع أحد أن يمنعه من تمزيق «دفتر العائلة»، تلك الوثيقة التي احتفظ بها دائمًا في جيبه لأي طارئ. فعل ذلك بحسرته، ثم ألقى الورق الممزق على الأرض.

تركه محمود، ثم ذهب إلى مفجع آخر. كان رجلًا يحاول البحث عن باقي أفراد عائلته تحت أنقاض منزلهم المهدم في حي الكلاسة بحلب. وقف أيضًا يراقب رجال الإنقاذ وهم ينتشلون جثة ممرضة من تحت أنقاض مستشفى «القدس»، بعد ثلاثة أيام من قصفها.

هذه المشاهد التي رواها محمود لـ«ساسة بوست»، كانت «غيضًا من فيض»، كما يقول، مرت عليه في الأيام الأخيرة، التي قضاها بين أحياء حلب. الآن بعد استمرار القصف لليوم العاشر على التوالي، يضطر أغلب المدنيين بحلب، حسب محمود، للنزوح إلى الحدائق العامة، «الأوضاع صعبة للغاية. البعض أيضًا يذهب إلى الملاجئ، وهناك حركة نزوح تجاه الأحياء الأخرى، بالرغم من أنها تتعرض أيضًا للقصف«، كما يُضيف محمود.

بدا الرجل مُنهكًا للغاية حين قال: «لأول مرة منذ اندلاع الثورة، تشهد حلب مثل هذا القصف الهمجي. تكاد المدينة تُباد بمعنى الكلمة. على المجتمع الدولي أن يتحرك، ويقدم ما يستطيع لإيقاف القصف».

طبيب الأطفال

في الدقيقتين الأخيرتين اللتين سبقتا قصف مستشفى القدس، بحي السكري في حلب، الأربعاء الماضي 27 أبريل (نيسان) المنصرم، ظهر طبيب الأطفال السوري «محمد وسيم معاذ»، على كاميرات المراقبة، داخل بعض أقسام المستشفى، مُسرعًا في المسير نحو الجرحى. قُصف المستشفى، وقتل معاذ، وطبيب أسنان، وثلاث ممرضات، و65 آخرين، معظمهم عاملين بالمستشفى. كان مُعاذ والأطباء الأقلاء معه، آخر من بقوا في المستشفى؛ للاهتمام بـ250 ألف شخصٍ يعيشون في القسم الشرقي من حلب، بعد أن غادر 95% من الأطباء، أو قتلوا.

الطبيب محمد وسيم مُعاذ (المصدر: صفحته الشخصية على فيس بوك)

الممرض السوري «سعيد الحلاق»، شهد قصفًا كاد يودي بحياته، وحياة زملائه، حين خرجوا لإنقاذ ضحايا غارة جوية، استهدفت منطقة بستان القصر بحلب.

يروي الحلاق لـ«ساسة بوست»، عن الطبيب محمد وسيم مُعاذ: «من أهم مواقفه، إصراره على البقاء لخدمة الثورة، في وقت لم يبق فيه معظم الأطباء»، مُضيفًا «بالإضافة إلى عمله التقليدي كطبيب مُعالج، كان يُنظم توعيات صحية وطبية بشكل دائم».

بالنسبة للوضع الصحي والطبي في حلب، على خلفية القصف المستمر منذ أيام، يقول سعيد الحلاق إنه «بعد قصف المستشفيات، لم يعد لدينا مكان نستقبل به الإسعاف، ولكثرة الاستهداف فإن فرق الإنقاذ والدفاع المدني لا تستطيع أن تصل فورًا لكل الأماكن، لذلك ما كان علينا، سوى مساندتهم ومساعدتهم للوصول إلى مناطق القصف».

أطفال حلب

لم يعد بإمكان الطفلين الشقيقين، «محمد وعبد الباسط ملص»، الاستمرار في الذهاب إلى المركز التدريبي بحلب؛ للتدرب على الجودو، فقد لقي الطفلان حتفهما مع والدهما، أحمد ملص، في قصف جوي استهدف حي الكلاسة، قبل نحو ثلاثة أيام.

الطفلان ملص في صورة نشرتها الهيئة العامة للرياضة والشباب

تحدث «ساسة بوست»، إلى السوري «شريف الحلبي»، الذي قُتل رفيقه قبل أسبوعين، قبل أن تقضي غارة جوية على أفراد أسرته، أطفاله الأربع، وزوجته، ووالده ووالدته، وبعض من أصدقاء الأسرة، كانوا يُواسون الأسرة التي قُصف منزلها قبل ذلك، في قصف يُرجح أنه استهدف مستشفى القدس أساسًا.

يقول الحلبي «ننام على قصف، ونفيق على قصف. عدد الشهداء تجاوز 200 شهيد. لا نستطيع فعل شيء لأطفالنا، نحن بالفعل عاجزون». وفي خضم حديثه الهاتفي لنا، لم يستبعد الرجل أن تستهدفه البراميل المتفجرة، أو قذائف «الهاون»، أو صواريخ «فيل»، في أي وقت.

«ماذا عن الناجين من القصف؟»، يُجيب شريف، أنهم في الأغلب، يفضلون البقاء في المدينة، على «ذل المُخيمات»، على حد تعبيره. البعض قرر النزوح إلى «إدلب»، أو ريف حلب، وعلى كل حال، فحتى هاتين المنطقتين، مُعرضتان للقصف. الباقون، وقد قُصفت منازلهم، ينزحون إلى الحدائق العامة، وهناك يبيتون.

قصف حلب في أرقام

أحصى الدفاع المدني السوري، أكثر من 260 غارة جوية على مدينة حلب، منذ فجر 22 أبريل (نيسان) المنصرم، سقط خلالها أكثر من 65 برميل مُتفجر، وعشرات القذائف المدفعية روسية الصنع. وقد طال القصف الجوي والمدفعي، معظم أحياء المدينة.

وخلال الأسبوع الأخيرة من الشهر المنصرم، ارتكب النظام السوري والميليشيات المؤيدة له، نحو تسعة مجازر، أدت جميعها، بالقصف، إلى سقوط أكثر من 600 قتيل مدني، بينهم أكثر من 40 في مجزرتي بستان القصر والكلاسة، في 28 أبريل (نيسان). وبشكل عام، سجّل «اتحاد تنسيقيات الثورة السورية»، مقتل 3397 مدني، خلال شهر أبريل (نيسان)، بينهم 91 امرأة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد