هل سبق وأن مررت بتلك التجربة، أن يخبرك صديق، أو قريب ما بقصة عن أحد الأشخاص، وبمجرد أن يخبرك باسم هذا الشخص تلاحظ أن عقلك رسم صورة له بشكل سريع، مثل أن تتخيله بدينًا أو رفيعًا مثلًا؟ بعضنا ربما لاحظ هذا الأمر بالفعل، وأحيانًا تصيبك الدهشة من أن توقعك هذا كان صحيحًا. حسنًا هذه ليست مصادفة، بل أمر يمكن للعلم أن يفسره.

والسؤال: هل للأشكال الهندسية مثلًا أصوات معينة أو لنقل طريقة نطق معينة يستخدمها الناس خلال إخراج كلمة من أفواههم لتعطي ما يشبه التلميح للشكل الهندسي الذي يصف هذه الكلمة، بغض النظر عن اللغة التي يتحدث بها الناس؟ ما نقصده هنا مثلًا أن الناس يمكن أن تربط بعض الخصائص الجسدية، مثل الاستدارة، بأصوات معينة؟

هذا ما اكتشفه الباحثون بالفعل، وهو أن صوت الكلمة نفسها من فم المتحدث تحمل بعض التأثيرات غير المتوقعة على أحكامنا المسبقة والقرارات التي نتخذها. بكلمات أخرى، فإن كيفية سماعنا للكلمة يحمل معها تأثيرات خفية على الأشخاص من حولنا لأنها تعطي إيحاءات تتعلق ببعض الصفات الجسدية، وربما تجعلهم يتخذون حكمًا مسبقًا بالفعل، وربما يكون هذا الحكم صحيحًا في بعض الأحيان. تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أن الناس يميلون إلى إصدار مجموعة من الأحكام، بناءً على لا شيء سوى الصوت الذي تنطق به كلمة أو اسم. هذا ما يسمى «تأثير بوبا-كيكي».

تأثير بوبا-كيكي

لتتخيل شخصيتين كرتونيتين، إحداها تتميز بمظهر دائري إلى حد ما، والأخرى ذات شكل محدب أو مسنن، ثم جاء أحدهم وطلب منك أن تعطي لكل منها اسم، بوبا أو كيكي، فماذا ستكون إجابتك؟ قبل استكمال القراءة حاول أن تتخيل هذا الأمر بالفعل وتعطي إجابة واضحة.

غالبًا ستتطابق إجابتك مع عدد كبير ممن خضعوا لهذا الاختبار، وستمنح الشكل الدائري اسم بوبا. هذا هو تأثير بوبا-كيكي، والذي يمكن تعريفه بأنه عملية ربط غير اعتباطية بين أصوات الكلمات والشكل المرئي للأشياء التي تشير لها هذه الكلمات. وثق هذا التأثير لأول مرة عالم النفس الأمريكي الألماني، وولفغانج كولر، عام 1929، عندما لاحظ هذا التأثير بين المتحدثين بالإسبانية، عبر استخدام مصطلحي بالوبا وتاكيت، بدلًا عن بوبا وكيكي.

في عام 2001 كرر باحثان تجربة كولر باستخدام كلمتي بوبا وكيكي، فسألوا طلاب الجامعات الأمريكية والمتحدثين باللغة التاميلية في الهند «أي من هذه الأشكال هو بوبا وأيها كيكي»؟ في كلتا المجموعتين اختار 95-98% الشكل المتعرج أو الدائري ليكون «بوبا»، والشكل المسنن لـ«كيكي»؛ مما يشير إلى أن الدماغ البشري يربط بطريقة ما معاني مجردة بالأشكال والأصوات بطريقة متسقة.

أظهر أحد الباحثين عام 2006 أنه حتى الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم سنتين ونصف قد يظهرون هذا التأثير، وفي عام 2013 أظهرت دراسة أنه حتى الأطفال الرضع في عمر أربعة أشهر لديهم نفس هذه التحيزات في ربط شكل الصوت بالأشكال مثل البالغين والأطفال الصغار. هذا يشير إلى أن بعض الروابط المتعلقة بالصوت وما يمثله تسبق تعلم اللغة نفشها. لوحظ لاحقًا أن هذا التأثير يغيب بشكل تام عن الأفراد المكفوفين منذ الولادة، كما لوحظ أن التأثير ينخفض عند الأفراد المصابين بالتوحد.

أصوات الحروف والأشكال

عبر العديد من اللغات المختلفة، يميل الناس إلى ربط أصوات حروف الباء المخففة (b في الإنجليزية) والميم، والواو، واللام بالأشكال الدائرية. في المقابل عادةً ما يربط الناس أصوات حروف الكاف والتاء والباء الثقيلة (p بالإنجليزية) والياء، بالأشكال الرفيعة أو المسننة.

لاحظ أن هذا الميل وهذه الروابط عند البشر لا تتعلق بالمشاعر المباشرة، بل تنشأ هذه الارتباطات نتيجة شعورنا بطريقة نطقها في أفواهنا. إذا كنت تفكر في نطق حرف الميم وحرف التاء، على سبيل المثال، ستلاحظ أن صوت نطق حرف الميم يبدو أكثر سلاسة، وهذا يعكس نعومة وسلاسة الأشكال المستديرة، بينما قد يبدو صوت حرف التاء أكثر حدة وأكثر نشاطًا؛ مما يعطيك إيحاءً بأن الكلمة المرتبطة به تعكس أشكالًا أكثر حدة وحيوية وانفتاحًا.

صوت الكلمات والشعور بالعالم

يمكن أن يؤثر هذا الإحساس المرتبط بالفم للكلمات التي نستخدمها على كيفية تجربتنا للعالم. لاحظ أنه في كل لحظة تمر علينا تلتقط حواسنا العديد من الإشارات الدقيقة، وتجمع من خلالها المعلومات حول ما يحدث حولنا، ليقوم الدماغ بعدها بإصدار الأحكام والتنبؤات حول بيئتنا.

وبحسب العلماء والباحثين، فإن البشر بطبيعتهم يميلون إلى محاولة رؤية أنماطًا في الأشياء من حولنا، إذ يريدون دائمًا إيجاد روابط بين الأشياء، وبالتالي، سيسعى البشر تلقائيًا إلى إيجاد الروابط حتى بين الأصوات والأشياء التي تمثلها هذه الأصوات في العالم.

تعليم

منذ 11 شهر
علِّم طفلك لغة أخرى.. 8 تطبيقات مفيدة ستساعدك في ذلك

ليس هذا فحسب، بل إن تأثير «بوبا-كيكي» يتسق أيضًا مع النكهات والقوام في المنتجات الغذائية. عندما نذكر الحليب والماء فنلاحظ أن تأثير سماع أصوات هذه الكلمات يكون أقرب لتأثير «بوبا» الأرق. بينما عندما نقول كلمات مثل بطاطس وكريب، فإنها أقرب لتأثير «كيكي» الخشن أو الحاد.

أصوات الأسماء والعلاقات الإنسانية

من الأمور المهمة هنا هو أن تأثير «بوبا-كيكي» يمتد حتى إلى العلاقات الإنسانية، وكيف أننا نتخيل شخصيات وصفات الأشخاص الذين لم نلتق بهم من قبل. على سبيل المثال هذا التأثير يظهر بوضوح عندما تكون الكلمات المراد الاختيار بينها لوصف أحد شكلين (ظل لشخص يبدو مستديرًا، وظل لشخص يبدو رفيعًا)، أو أسماء أولى لأشخاص. مثل أن الكثير من الناس قد يختارون اسم مروة لشخص يبدو مستديرًا أو بدينًا، بينما سيختارون اسم كريستينا لشخص يبدو رفيعًا.

لكن الأمر لا يقتصر على الشكل فقط، بل حتى على طبيعة الشخصية. إذا ذكرنا اسم مروة مثلًا فإنه سيعكس في أذهاننا اسمًا لشخص يبدو ناعمًا أو سلسًا. بينما إذا ذكرنا اسم كريستينا فربما يعطينا انطباعًا بأن الشخص حاد أو أكثر قسوة. بشكل عام، فإن الأسماء الأكثر سلاسة ترتبط بأشياء أو أشخاص يكونون أكثر عاطفية.

نظرية مهمة عند تعليم الأطفال

هذا التأثير مفيد جدًا لأولئك الأشخاص الذين يتعلمون كلمات جديدة، سواء كانوا أطفالًا أو بالغين. الأطفال بطبيعتهم يقومون بالفعل بمطابقة «الأصوات المستديرة والناعمة» مع الأشكال المستديرة، ويميل الآباء إلى استخدام ارتباطات الصوت بالشكل للتأكيد على معنى كلمات معينة، مثل كلمة «كبير» التي يحاول الآباء نطقها بشكل قوي وطويل لإعطاء الطفل إيحاء بأنه شيء كبير بالفعل.

يستفيد البالغون من هذه الارتباطات بين الكلمة والشكل أيضًا عندما يتعلمون لغة جديدة، إذ يجدون أنه من الأسهل تخمين أو تذكر الكلمات الأجنبية عندما يتطابق صوتها مع معناها.

ويذكر بعض العلماء أن هذه الروابط البديهية بين الأصوات والمعنى قد تكون حتى بقايا من المراحل الأولى لتطور اللغة في الإنسانية، وأن اللغة البشرية نفسها بدأت كسلسلة من هذه الأصوات التعبيرية القابل تخمين معانيها أو دلالتها بالفطرة.

هل هذا الارتباط صحيح بالفعل؟

ما سبق يوضح لنا طريقة الربط التلقائية التي يقوم بها البشر بين الكلمة والشكل أو المعنى. لكن هل الأمر صحيح أن اسمًا ما يدل على أن طبيعة الشخص بالفعل تكون رقيقة أو نشطة أو قاسية؟ في الواقع، فإن صوت الاسم أو الكلمة ليس دليلًا موثوقًا به على الإطلاق. ولم تجد دراسة أجريت عام 2019 أي ارتباط حقيقي.

بدلًا عن ذلك، ربما يكشف رد فعلنا تجاه اسم ما مدى تحيزاتنا. إذ يشير هذا الربط إلى أننا على استعداد للحكم ومحاولة قراءة ما خلف اسم شخص ما بشكل مبالغ، رغم أن هذه التوقعات والأحكام لا تشير أبدًا إلى ما هو عليه هذا الشخص في الواقع، بل إن صوت الاسم يصبح له تأثير أقل على أحكامنا المسبقة حين نكتشف المزيد عن الأشخاص الذين يحملون هذا الاسم.

فعندما يكون كل ما عليك فعله هو تخمين اسم شخص له شكل معين، فربما تلعب عملية الربط بين الاسم والشكل دورًا بالفعل نتيجة التحيزات السابقة عند الإنسان، لكن عندما تبدأ في الحصول على مزيد من المعلومات حول هذا الشخص، فمن المحتمل أن تتغلب تلك المعلومات الفعلية حول الشخصية على هذه التحيزات المسبقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد