” وكل مَنْ قُطِعَ عن أصله دائماً ،يحنُّ إلى زمان وصلِه” يوما ما مشت روحٌ على الأرض بعد أن تلبّثت جسداً ، و حفرت ذلك المعنى في ذاكرة البشر، مخلفة شاهداً على القبر ينطقُ و لكن غير مخطوطٍ فوقه :جلال الدين الروميّ قد مر من هنا. و لأن الحكمة واحد، و لكن، فقط، تعددت طُرُق الإبانة، يبدو أن روحا قد لُقّنت ذلك المعنى قبل أن تنزل الأرض، فصار ديدنها : البحث عن الأصل و الجذور. السائرُ في “شارع الحوانيت المعتمة ” “أيّام الأحد في أغسطس ” منقّبا في “مستودع الذكريات ” عن ” الجوهرة الصغيرة ” محاولا فتح “دولاب الطفولة” –لكن ليس بمفهومٍ فرويديّ – لكن بمفهومٍ واسع “الأفق ” يبحثُ دوما عن ” مجهولين” من أجل أن يعيد إليهم ذاكرتهم و هويتهم المفقودة –. هنا يبرز السؤال : لماذا ؟! مودايانو يريد أن يعيش “بعيداً عن النسيان “. عندما يمرض إنسان ولا يجدون لعلّته علاجا ولا يعرفون لها سببا، يقولون إن ‘رجوعه إلى مسقط رأسه قد يساعده في الشفاء، لذا، المولود كورقة شاردة حين يفتح عينيه، و لا يدري، لأي حضن سيرجع حين يروم الـ .. ، لذا، كرر موديانو أكثر من مرة كلمة ” أنا أنتمي أنا أنتمي أنا أنتمي ” حسنا، المحرّك و الباعث خلف كتابة موديانو –بروست العصر – هو : “البحث عن الأصل المفقود “، و من ليس له ذاكرةً ، فليصنع له ذاكرة و لو من ورق، فالموت ليس هو اختفاء الجسد و لكن الموت الحقيقي بالفعل هو النسيان .

 

” أودُّ ببساطة أن أخبركم كم أنا سعيدٌ أنني هنا، و كم هو مؤثّرٌ أن شرّفتموني بمنحي جائزة توبل في الأدب .

 

إنها أول مرة أضطر فيها لإلقاء خطابٍ أمام جمهورٍ كبير، و أشعر بالقلق بعض الشيء حيال ذلك. إنه لمن السهل تخيّل أن ذلك النوع من الأشياء تأتي وبسهولة لكاتب. و لكن بالنسبة لكاتب – على الأقل روائيّ – غالبا ما يكون على علاقة مضطربة إزاء إلقاء خطاب. أتذكّرُ كيف كانت طريقة الدروس بالمدرسة تفرّق بين المكتوب و الشفهيّ . الروائي يملك موهبةً أكثر بالنسبة للواجب المدرسيّ المكتوب عن الشفهيّ . هو معتادٌ أن يبقي هاديء و إن أرادَ أن يتشرّب بعض الهواء، لابد أن يختلط بالجماهير . يتسمّع المحادثات دون أن يبرُز لها . و إن تدخّلَ، دائما ما يكونُ من أجل بعض أسئلة متحفّظة ؛ و ذلك من أجل أن يحسّن من فهمه للرجال و النساء من حوله . يكونُ مترددا في حديثه ؛ لأنه اعتاد أن يشطب كلماته . صحيحٌ أنه بعد كتابة عِدّة مُسودّاتٍ يكون أسلوبه واضحا مبلوراً .،لكن حين يعتلي المِنصّة ، لا يبقي تحت يده أي وسيلة لتصحيح خطابه المتعثّر .

كذلك أنتمي لجيل ؛ حيث الأطفال كانوا يُرَونَ ولا يُسْمَعون إلا في مناسبات معينة نادرة وذلك بعد الإستئذان فقط . و لكن ، لم يستمع أحد أبداً ، كما أن الناس كانوا يتحدثون خلالها . هذه يفسّر صعوبة أن بعضنا عندما يتحدّث – أحيانا بارتباك , أحيانا بسرعة فائقة كما لو كنّا نتوقّع أن نُقَاطعَ في أية لحظة . لربما هذا هو سببا في أن رغبةَ أن أكتب قد .أتتني –مثل آخرين كثيرين – في نهاية عهد الطفولة . أنتَ تأمل أن يقرأ البالغون ما تكتبه . بتلك الطريقة سيكون لزاما عليهم أن يستمعوا لك بدون مقاطعة، و بمرحٍ تماما ، سيعلمون جيداً ما تمتلكه داخل صدرك .

إبلاغي بتلك الجائزة بدا غير حقيقيّاً بالنسبة لي . و كنتُ متلهفا لأعرف لماذا إخترتموني . في ذلك اليوم لم أظن أني كنتُ أكثر وعيا بأنه كم هو الروائيُّ أعمى عندما يصل الأمر إلى كتبه . الروائيّ لا يستطيع أبداً أن يكون هو ذاته قارءًه الوحيد، إلا عندما يخلّصُ نصّه من الأخطاء النحوية ، الجمل المكررة ، و الفقرات العرضيّة الزائدة عن الحاجة . هو فقط يملك إنطباعاً جزئيّاً و مشوّشاً عن كتُبِه ، مثل رسّامٍ يبدعُ لوحةً من الجصّ على السقف، راقدا على سقّالة ، يعمل على التفاصيل : نظرةٌ عن كَثب بلا رؤيّة كليّة للعمل ككل .

الكتابة هي نشاطٌ غريبٌ و توحُّديّ . هناك أوقات من ثبط الهمّة عندما تبدأ العمل في الصفحات القليلة الأولي من رواية . لديكَ إحساسٌ كلّ يوم أنك على الطريق الخاطئة . ذلك يخلق إصرار قويّا للرجوع للوراء لتتبع مساراً آخر . من المهم ألا تستسلم لهذا الإلحاح ، و لكن أن تمضي قُدما .يُشبهُ قليلا قيادة سيّارة في الليل ، في شتاء، في الثلوج ، بمقدار :صفرٍ من الوضوح .لا خيار لديك ، لا تستطيع أن تسير في الإتجاه المعاكس ، يجب أن تستمر في السير إلي الأمام بينما تقولُ لنفسك ، أن كلَ شيءٍ سيصير على ما يرام عندما يصبح الطريق أكثر ثباتاً ، و ينقشع الضباب.

عندما تكون على وشك إنهاء كتاب ، تشعر كما لو كنت تبدأ التحرر و تتنفس بالفعل هواء الحريّة. مثل أطفال المدرسة في الفصل في اليوم الذي يسبق عطلة الصيف . يكونوا تائهين و صاخبين ، و لم يعودوا يعيرون اهتماما لمعلِّمهم . سأذهب بعيداً و أقول، أنه بينما أنت تكتبُ آخر الفقرات ، يُظْهِرُ الكتاب عداوة مؤكّدة في تعجّله ليحرر نفسه منك . و يتركك بالكاد لتكتب آخر كلمة .لقد انتهي كلُ شيء . لم يعد الكتاب بحاجة إليك و قد نسيَكَ بالفعل . من الآن فصاعداً ، سوف يكتشف نفسَه من خلال القرّاء . عندما يحدثُ ذلك ، يتملّكُكَ خواءٌ عظيم ، و إحساسٌ بأنك قد هُجِرت . هناكَ نوعٌ من الإحباط ، أيضا لأن الرابطة بينك و بين الكتاب قد قُطِعت سريعاً . الإستياء و الشعور بأن هناك شيءٌ ناقص يقودك لأنْ تكتبَ الكتاب التالي من أجل أن تستعيد التوازن -ذلك أحيانا – و هو ما لا يحدثُ أبداً . بينما السنون تمضي ، و الكتب تتوالي واحداً بعد آخر ، الآخرون و القرّاء يتحدّثون عن “النص” . ولكن بالنسبة إليك ، يكون لديك شعورٌ أن ذلك كلّه كان اندفاعاً طائشاً نحو الأمام .

لذلك ،نعم ، القراء يعرفون الكثير عن كتابٍ أكثر من المؤلف نفسه . يحدث أحيانا بين رواية وقراءٍ لها تكون مماثلةً لطريقة تطوير صور فوتوغرافية ، الطريقة التي قد صنعوا بها من قبل العصر الرقميّ . الصورة الفوتوغرافية ، لكونها قد طُبِعَت في حجرةٍ مظلمة ، تصبح مرئية ًشيئاً فشيئاً . مثلما تسلك طريقك في رواية ، يحدث معها نفس تلك العمليّة الكيميائيّة . و لكن لكي يتواجد مثل هذا التناغم بين الكاتب و قرّاءِه ، من المهم ألا تطيل أبدا على القاريء – انطلاقا من الاحساس وكأنك تتحدث عن مغنيين يمطّون أصواتهم – و لكن أن نخادعهم بشكل غير ملحوظ ، تاركين فراغات كافية للكتاب ليسمح لهم قليلا قليلا ، بأساليب فنيّة تشبه الوخز بالإبر الصينية ، حيث الإبرة يتم إدخالها للنقطة الصحيحة لتطلق سراح التدفق في الجهاز العصبيّ .

1 2

علامات

أدب, دولي, كتب, نوبل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد