قال شادي حميد، الباحث في معهد بروكنجز الدولي – في مقال نشرته صحيفة النيويورك تايمز في الثالث والعشرين من مايو الجاري – إن جماعة الإخوان المسلمين – التي وصفها بأكبر الحركات الإسلامية في العالم العربي – باتت تواجه لحظة مصيرية في تاريخها بالتزامن مع إقصائها من السلطة في شهر يوليو من العام الماضي، وهو ما أثار العديد من التساؤلات والتخمينات حول فشل أو حتى اندثار الإسلام السياسي.

وذكر حميد أن النعي المبكر لجماعة الإخوان المسلمين دائمًا ما ينقلب إلى النقيض تمامًا، مشيرًا في هذا الصدد إلى ما كتبه العالم السياسي، مانفريد هاليبرن، في ستينيات القرن الماضي من أن القومية العلمانية قضت على الإسلام السياسي، مضيفًا بأنه وبعد نصف قرن من الزمان يقول معارضو الإخوان المسلمين بأن الإطاحة بالرئيس محمد مرسي لم تكن إطاحة بشخص أو جماعة وإنما إطاحة بالإسلام السياسي في العالم، معتبرين بأن الإسلام لا يتوافق مع الديمقراطية، وكأن مرسي لم يكن رئيسًا منتخبًا عبر انتخابات ديمقراطية وأطاح به الجيش، كما يقول حميد.

وأضاف حميد أنه وبالرغم مما وُصِم به مرسي – الذي تمت الإطاحة به بدعم من الملايين – بالفشل وعدم الكفاءة في إدارة الحكم، إلا أن هناك ثمة فشل آخر أعمق تمثل في فشل أجهزة الدولة العلمانية في إشراك الإسلاميين في العملية الديمقراطية.

وحذر حميد من مغبه النهج الأمريكي في تعاطيه مع ما أسماه عملية “الدمقرطة” في الشرق الأوسط وشغفهم نحو رؤية الليبرالية جنبًا إلى جنب مع الديمقراطية، وهو ما قد يُفضي بدوره بالإسلاميين إلى اتخاذ مواقف معادية لليبرالية.

ونوّه حميد أيضًا إلى ما أسماه التأييد الواسع للخلط ما بين الدين والسياسة في المجتمعات المحافظة دينيًّا، مستدلاً على ذلك باستطلاعات الرأي والاستحقاقات الانتخابية التي كشفت – على سبيل المثال – عن تأييد الغالبية في مصر للشريعة كمصدر أساسي للتشريع، بالإضافة إلى دور رجال الدين في صياغة التشريعات وهو ما يعني بدوره عدم احتكار جماعة الإخوان المسلمين لأصوات المتدينيين، بل ودخولهم في منافسة مع الأحزاب السلفية التي تنتهج نهجًا دينيًّا يبدو أكثر صرامة من نظيره في جماعة الإخوان، وهو ما يثير تساؤلات عديدة لدى المراقبين الغربيين حول أحقية العرب في الابتعاد عن نهج الليبرالية من خلال المسار الديمقراطي، الأمر الذي يبدو واضحًا في التجربة التونسية التي باتت تشكّل نقطة وحيدة مضيئة بعد الربيع العربي الذي بدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا، فبالرغم من انسحاب حزب النهضة ذو المرجعية الإسلامية من الحكومة على خلفية احتجاجات المعارضة، تبقى الإشكالية قائمة أمام التجربة التونسية في ظل احتمالات وشيكة بفوز ذات الحزب في أية انتخابات مقبلة مقررًا تطبيق الأجندة الإسلامية.

وعقد حميد مقارنة بين نظرة كل من العلمانيين والليبراليين من جهة والإسلاميين من جهة أخرى في منطقة الشرق الأوسط فيما يتعلق بوضع الحقوق والحريات ودور الدولة حيال ذلك، فمن جهتهم تُعتبر الحقوق والحريات أمرًا غير قابل للتفاوض بالنسبة لليبراليين والعلمانيين، بينما يرى الإسلاميون أن الدولة يجب أن تعزز من جهتها مجموعة أساسية من القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية عبر القوة الناعمة لأجهزة الدولة كالنظام التعليمي ووسائل الإعلام.

ونقل حميد – في هذا الصدد – عن الشيخ حبيب اللوز، أحد قيادات حزب النهضة التونسي، قوله: “لا يوجد من بيننا من لا يؤمن بتطبيق الشريعة، ولا يوجد أيضًا من لا يؤمن بمنع المشروبات الكحولية يومًا ما، كل ما نختلف عليه هو الطريقة المثلى للتعبير عن أفكارنا الإسلامية”.

وبحسب حميد؛ فإن الليبراليين دائمًا ما يعتقدون بأن الحل الذي ينتهجونه هو الحل التوافقي الوحيد، وبالرغم من أن الفرصة تكون متاحة أمام الجميع العلماني والسلفي في التعبير عن تفضيلاتهم الدينية في المجتمع الليبرالي، إلا أن الطبيعة المحايدة لليبرالية لا يمكن أن تكون مقبولة إلا في إطار ليبرالي.

على الجانب الآخر؛ يبدو من الصعب على الإسلاميين التعبير عن وجهتهم الإسلامية في ظل دولة شديدة العلمانية، فمشاعر الاغتراب التي قد يشعر بها الليبرالي في ظل “الديمقراطية الإسلامية” تتشابه كثيرًا مع تلك التي ألمت بزعيم حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، عندما كان يعيش في العاصمة الفرنسية باريس عندما كان طالبًا في الدراسات العليا، وهو ما عبّر عنه الغنوشي بقوله إن السنة التي قضاها في باريس كانت من أكثر الأوقات إرهاقًا في حياته.

وأشار حميد في هذا الصدد إلى أن الغنوشي كان قد حاول في كتابه “الحريات العامة في الدولة الإسلامية” أن يوائم ما بين النظريات الإسلامية ومعايير الديمقراطية الحديثة.

واعتبر حميد أن مطالبة الإسلاميين بالتخلي عن طابعهم الإسلامي بمثابة الوجه المقابل لجوهر الديمقراطية التي توجب على الحكومات المنتخبة أن تُعبّر عن التفضيلات العامة للمجتمع، ناهيك عن أن تخلي الإسلاميين عن هويتهم سيؤدي بدوره إلى خروجهم من العملية السياسية، مؤكدًا – في الوقت ذاته – على أن ازدهار الديمقراطية في الشرق الأوسط مرهون بمدى النجاح الذي يمكن تحقيقه في دمج الأحزاب الإسلامية التي سيتوجب عليها حينئذ أن تكون غير ليبرالية إلى حد ما، كما هو الحال مع بعض أحزاب الاشتراكيين والديمقراطيين المسيحيين في دول أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية والتي كان عليها أن تتحول من اليمين إلى الوسط للفوز في الانتخابات.

وعلى النقيض من موقف الليبراليين العرب، رأى حميد أن الغالبية العظمى من أبناء الحركة الإسلامية ملتزمة بالعملية الديمقراطية، وليس كما يشيع البعض من أن الإسلاميين يتخذون من الديمقراطية سبيلاً نحو إنهاء المسار الديمقراطي بأكمله متخذين من ذلك ذريعة نحو تهميش الأحزاب الإسلامية أو حتى القضاء عليها كما هو الحال مع النظام العسكري في مصر في الوقت الراهن.

واختتم حميد المقال بقوله إن المستبدين العرب أقنعوا أنفسهم بأن استخدام القوة بشكل غير كافٍ هو ما أدى إلى الفشل في القضاء على المعارضة الإسلامية وهو ما أفضى بدوره إلى سلسلة متصلة من القمع الوحشي ضد الحركات الإسلامية في مصر بدعم من الخليج، مشيرًا إلى أن الربيع العربي كشف عن أن الديمقراطية ما كان لها أن تتحقق في الشرق الأوسط من دون الإسلاميين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد