منذ عدة أيام، كانت الكنيسة الكاثوليكية في نيكاراجوا محاصرة من قبل المتظاهرين الموالين للحكومة، وذلك بعدما احتمت الأمهات بالكنيسة أثناء إضرابهن عن الطعام، وطالبوا بالإفراج عن أبنائهن المعتقلين سياسيًا. لم يكن هذا الموقف هو الوحيد الذي تتخذه الكنيسة في نيكاراجوا لمساندة الشعب ضد الحكومات المستبدة، بل كان لها تاريخ طويل تحولت فيه إلى حصن آمن للمعارضين، وملجأ للخائفين. فما الذي تعرفه عن «الدور السياسي» الذي تلعبه الكنيسة الكاثوليكية في نيكاراجوا؟

«الكنيسة اللاتينية».. أداة للمقاومة

منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، كانت الكنائس الكاثوليكية في الدول اللاتينية تنتهج دورًا سياسيًا جديدًا؛ نبع عن مجموعة من التحولات التابعة للثورات الشعبية، كانت فيها الكنيسة ترسم ملامح هيكل جديد للنظام السياسي. في إسبانيا على سبيل المثال، تبنت الكنيسة مطالب الديمقراطية منذ أواخر الستينيات، وطالبت بضرورة إجراء انتخابات حرة ونزيهة. وفي البرتغال، لعبت الكنيسة دورًا هامًا في إدارة عملية التغيير، أواخر القرن العشرين؛ فساعدت على تعبئة الإضرابات السياسية، وساندت الاعتصامات، ونادت بسياسات اقتصادية عادلة.

مجتمع

منذ سنتين
الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت.. هل تعرف الفرق بين هذه الطوائف المسيحية؟

أما في البرازيل، فقد كانت الكنيسة أكبر الداعمين لحزب «العمال» اليساري، وداخل بولندا، ساندت الكنيسة الكاثوليكية العمال والفقراء، ودعمت احتجاجات المزارعين وإضراباتهم، وهو ما ربما ساهم في التحول الديمقراطي اللاحق في بولندا عام 1990. كل هذه الأمثلة من التحولات السياسية الجذرية خلال نصف قرن من الزمان، كان للمؤسسات الدينية فيها دور هام في نجاح الثورات، وهو ما يقرأه البعض بالأخص في السياق الأوروبي أنه كان نكاية في الشيوعية.

هذا لا يمنع أن بعض المؤسسات الدينية في الفترة الزمنية ذاتها قد اتخذت موقفًا معاديًا لثورات الشعوب، مثل دور «الكنيسة الأرثوذكسية» تجاه الثورة البلشفية في روسيا عام 1917. إلا أن نيكاراجوا كانت من البلدان التي لعبت فيها المؤسسات الدينية دورًا مواليًا للشعب.

ثورة «نيكاراجوا» 1979.. الشعب أراد عزل الديكتاتور

تبدأ أحداث الثورة بعد زلزال مفزع ضرب مدينة ماناغوا عاصمة نيكاراجوا عام 1972. في تلك الفترة، كانت الدولة خاضعة لحكم سوموزا ديبايل، والذي تميز حكمه بالسياسات التعسفية بما في ذلك القمع والتعذيب لشتى فرق المعارضة. كانت الدولة تتعرض لكارثةٍ كبرى في الوقت الذي أساء فيه سوموزا استخدام أموال الإغاثة، مما أدى إلى ازدياد سخط الفقراء والطبقات المقهورة على النظام الديكتاتوري، وفي السنوات التي تلت الزلزال الأرضي، بدأ النظام ذاته يتعرض لهزةٍ أرضية قادرة على اقتلاعه من الجذور؛ إذ فقد الدعم الذي استمر لسنوات.

في ذلك الوقت، بدأ «الساندينين» -وهم أعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي في نيكاراغوا ومن جبهات المعارضة القوية التي قادت المقاومة ضد احتلال الولايات المتحدة في الثلاثينيات- بإشعال الشرارة الأولى للثورة، وذلك عندما قاموا باحتجاز بعض السياسيين التابعين لنظام سوموزا في ديسمبر (كانون الأول) من عام 1974. أظهرت تلك الحركة الدراماتيكية النظام الدكتاتوري ضعيفًا؛ إذ وافق سوموزا على دفع فدية قدرها خمسة ملايين من الدولارات وأجبر على إطلاق سراح العديد من المعتقلين السياسيين.

وعلى الرغم من أن عامي 1975 و1976، قد شهدا ازدياد القمع السياسي والتعذيب، إلا أنهما كتبا شهادة وفاة النظام في الوقتِ ذاته؛ إذ تلقت المعارضة في ذلك الوقت تأييدًا جماهيرًا كبيرًا. كما وقفت «الكنيسة الكاثوليكية» في نيكاراجوا جنبًا إلى جانب الشعب، وأصبح الأساقفة من مؤيدي المعارضة الساندينية.

(أفراد جبهة الساندنيستا 1979)

كانت الكنيسة الكاثوليكية طوال حقبة الخمسينيات، تدعم نظام سوموزا وسلالته، إلى درجة التصريح في بعض الأحيان أن «السلطة من الله وعلى جميع المخلصين إطاعة النظام الحالي»، إلا أن الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت قد شهدا تحولًا جذريًا في توجهات الكنيسة السياسية، فصرح مؤتمر الأساقفة الكاثوليك عام 1978 أن الكنيسة لم يعد بإمكانها التزام الصمت بعد الآن؛ الثروات موزعة بشكلٍ غير عادل، والمعاناة والموت أصبحا جزءًا من الحكم الديكتاتوري، حيث لا مجال للديمقراطية.

على الرغم من ذلك لم يكن بإمكان الكنيسة أن تدعم جبهة المعارضة «الساندينية» بصورةٍ صريحة؛ إذ كانوا يخشون أن يؤدي ذلك إلى حربٍ دموية، إلا أنهم انحازوا للساندينين بشكلٍ فردي، أملًا في إنهاء الأزمة بلا عنف. وفي عام 1979، كان بيان الأساقفة قائمًا على تقديم الدعم للثورة.

«في ذلك الوقت من صيف 1978، كانت الحافلات المدرسية تحمل مسلحين من ساندينستا، وفقراء محرومين وعمال من الأحياء الفقيرة، الجميع يحمل لافتات: ساموزا إلى حبل المشنقة».

كان 1978، هو عام اندلاع الانتفاضة الكبرى ضد سوموزا، ثورة شبه منظمة اشتعلت في المدن الواحدة تلو الأخرى؛ إذ نظمت جبهة ساندنيستا سلسلة من الانتفاضات في مدن شمال وجنوب العاصمة، وقد كان رد سوموزا قاسيًا، فأمر بالقصف الجوي والهجوم بالمدفعية لسحقِ الانتفاضات، مما أسفر عن 5000 قتيل. وفرار أكثر من 50 ألف لاجئ إلى دولة كوستاريكا المجاورة.

في منتصف 1979، تحولت الانتفاضة الشعبية ضد حكومة سوموزا إلى انتفاضة مسلحة واسعة النطاق، خرج فيها شباب نيكاراجوا جنبًا إلى جنب جبهة ساندنيستا حاملين البنادق والأسلحة الخفيفة في مواجهة الحرس الوطني، حتى تمكنوا من السيطرة على أكثر من 20 بلدة ومدينة في جميع أنحاء المنطقة، وفي ذلك الوقت استهدفت هجمات سوموزا الفقراء في كل مكان؛ إذ أمر قواته الجوية بإلقاء القنابل على أي شيء يتحرك.

في النهاية تحولت الانتفاضة إلى حربٍ أهلية، انهار خلالها نظام سوموزا، وفر الرئيس الديكتاتوري إلى ميامي في يوليو (تموز) من عام 1979، بعد أن قدم استقالته وسلم سلطاته. وفي 20 يوليو من نفس العام، تولى دانيال أورتيغا من جبهة الساندنيستا حكومة نيكاراجوا في احتفالية وسط ماناغوا.

بعيدًا عن فنزويلا.. التاريخ المظلم للولايات المتحدة في أمريكا الجنوبية

الخلاف ما بين «الكنيسة الكاثوليكية» والساندنيستا

خلال الحقبة الأولى التي تلت الحرب الأهلية، بداية الثمانينيات، تلقت الكنيسة دعم الحكومة التابعة لجبهة الساندنيستا، فأصبح قداس الأحد يبث أسبوعيًا مجانًا على التلفزيون الحكومي، وساهمت الحكومة بمبلغ 150 ألف دولار لبناء الكاتدرائية الوطنية؛ إلا أن العلاقة الإيجابية التي جمعت ما بين الكاثوليكيين والساندنيستا لم تدم طويلًأ؛ إذ بدأ الحزب الحاكم في مراقبة منشورات الكنيسة، والتدخل بشؤونها الداخلية. كما تحول مشروع محو الأمية الذي بدأته الكنيسة بالتعاون مع الساندنيستا إلى عملية تلقين لمعلوماتٍ معينة عوضًا عن التثقيف، من وجهة نظر الكنيسة.

بدايةً من عام 1984، بدأ الصراع ما بين الساندنيستا والكنيسة الكاثوليكية يتخذ شكلًا آخر أكثر وضوحًا، حينذاك كانت الكنيسة تواجه دورًا جديدًا لم تنتهجه من قبل، إذ انقسمت إلى قطاعين أحدهما يدعم النهج التقليدي، الذي مارسته الكنيسة لعقود، والذي اقترن دائمًا بالموالاة للنظامِ الحاكم حفاظًا على مكانته الاجتماعية، وقطاع آخر من دعاة التجديد من الأساقفة، والذين رأوا أن الكنيسة يمكنها أن تتخذ شكلًا فاعلًا لمعارضة الحكومة. في الوقتِ ذاته كانت حكومة الساندنيستا الثورية ما زالت حديثة الشأن بالنزاعات السياسية، وكيفية التعامل مع شيئًا معقدًا مثل الدين والمؤسسات الدينية.

(دانيال أورتيغا)

«ما نحتاج إليه حقًا هو سلام حقيقي؛ حيث يمكن لشعب نيكاراجوا أن يعيش بلا خوف أو ريبة». *رئيس الأساقفة-ميغيل أوباندو

كان رئيس الأساقفة، ميغيل أوباندو في ذلك الوقت من الثمانينيات، يشكل وجهًا صريحًا لمعارضة النظام الساندنيستي؛ إذ تضمنت خطبه في المواطنين الكاثوليكيين معارضة خافية للنظام، يقول رئيس الأساقفة: «من غير الله سيكون إلى جانبنا، عندما يحاول البعض إطفاء إيماننا؟ من غير الله سيكون إلي جانبنا عندما يستنكر البعض عقيدتنا وإخلاصنا للسيدة العذراء؟».

كان لأوباندو شخصية ذات كاريزما بإمكانها جمع حشد فوري من أي مكان، كما لم يترك فرصة إلا وعارض فيها حكومة ساندينيستا. والتي -بحسبه- كانت تسعى لإدخال ثقافة «غريبة» على المجتمع النيكاراجوي. لعب أوباندو دورًا محوريًا سواء في مواجهة التسلسل الهرمي للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، أو مواجهة الماركسية والتي كانت تستحوذ في ذلك الوقت على دول أمريكا اللاتينية. وعلى الرغم من أنه لم ينتم لأي حزب، إلا أن خطاباته وبياناته قد شكلت دعمًا حقيقيًا لمعارضي النظام الحاكم.

في ذلك الوقت برز في مجتمع نيكاراجوا حركة معارضة جديدة تدعى «الكونترا»، تجمع تحت لوائها المتمردين والمعارضين لنظام الساندنيستا، وقد تلقت تلك الحركة دعمًا كبيرًا من الولايات المتحدة الأمريكية، إبان حقبة الثمانينيات. بعد ستة سنوات أتت تلك المعارضة بثمارها في انتخابات عام 1990؛ إذ انهزم أورتيجا ونظامه الماركسي أمام مرشح اليمين فيوليتا شامورو.

(جبهة الكونترا المعارضة)

عودة الساندنيستا إلى الحكم.. والكنيسة جبهة معارضة

«معابدنا ستظل مفتوحة دائمًا، لهؤلاء ممن يحتاجوننا». *كارلوس أفيليس

إذا كان دانيال أورتيجا إبان ثورة 1979، هو الوجه المعارض للديكتاتورية؛ فإن الحقبة السياسية التي شملت فترة حكمه في الثمانينيات قد ساهمت في تغيير الصورة الذهنية عنه لدى الشعب؛ فتحول من المقاتل لصالح الثورة إلى شخص يسعى لتعزيز الحكم الفاشي. ومن ثم تحول إلى الوجه المظلم للسلطة.

لم تكن هزيمة أورتيجا عام 1990، هي نهاية الحقبة الماركسية في نيكاراغوا؛ إذ تمكنت جبهة الساندنيستا من العودة إلى الحكم مرة أخرى بدايةً من عام 2006، وحتى وقتنا الحالي. طوال هذه المدة، اتخذت الكنيسة الكاثوليكية وجهًا معارضًا للنظام، فتحت أبوابها ومعابدها في وجه المعارضين السياسيين. عندها أصبحت الكنيسة هي المفوض لإدارة الحديث والمفاوضات ما بين النظام الحاكم والجبهات المعارضة.

(مظاهرات نيكاراجوا الحالية)

شهد عام 2018 احتدام النزاع ما بين جبهة المعارضة والنظام الماركسي الحاكم، حتى تحول الأمر إلى نزاعٍ مسلح دعت فيه الكنيسة لوقف أعمال العنف بين الطرفين، واتهم الأساقفة السلطات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وذلك بعدما قتل أكثر من 350 شخصًا خلال مظاهرات مناهضة للنظام في أبريل (نيسان) من نفس العام. عانت الكنيسة خلال تلك الفترة هي الأخرى من الاضطهاد بطريقةٍ غير مباشرة، وذلك بعدما اتهمت الحكومة الأساقفة بالانحياز لصالح المعارضة وتشجيع المواطنين على التظاهر.

في يوليو من عام 2018، خرج آلاف من المواطنين في مسيرات حاشدة لمساندة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في نيكاراجوا، ضد الموقف الذي اتخذته الحكومة الحاكمة تجاهها، وعلى الرغم من أننا أصبحنا على مشارف عام 2020؛ إلا أن أزمة نيكاراجوا السياسية، ما زالت بعيدة كل البعد عن التوصل لحلول.

تشير «الواشنطن بوست» إلى أن أعوان الحكومة قد اقتحموا الكاتدرائية في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وذلك من أجل إنهاء إضراب بعض الأمهات عن الطعام داخل حرم الكاتدرائية؛ وكان الأمهات قد بدأن إضرابهن عن الطعام قبل يوم واحد مطالبين بالإفراج عن أبنائهن المعتقلين سياسيًا. إلا أن المتظاهرين الموالين للحكومة قد شرعوا في محاصرة الكنيسة. تمكنت النساء من الهربٍ ليلًا في سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر. وذلك بعد صفقة تفاوضت عليها البابوية مع النظام الحاكم.

في الوقت الحالي تتعرض الكنائس في مقاطعات نيكاراجوا ذات الأغلبية الكاثوليكية للحصار الأمني، وذلك خوفًا من تأجج المظاهرات المناهضة للنظام، وعلى الرغم من الموقف السياسي الذي تلعبه الكنيسة حاليًا بوصفها حصونًا للمعارضة تفتح أبوابها لهؤلاء المنبوذين من النظام، إلا أن بعض الباحثين يروا في مواقف الكنيسة المعاصرة المؤيدة لثروات الشعوب في البلاد اللاتينية، أنها الطريقة المثلى لجعل الثورات تبدو «مسيحية» قدر الإمكان، حتى لا تفقد الكنيسة أتباعها، وحفاظًا على مكانتها الاجتماعية. 

هل مادورو رجل طيب تحصره أمريكا بشكلٍ ممنهج في أدوار الشر؟

المصادر

تحميل المزيد