بعد عقود من خيبة الأمل وإحباط مستمر، قد يكون لدينا الآن مبادرة جديدة حقيقية في مجال مكافحة مرض الزهايمر. إذ قد تؤدي الأدلة القاطعة التي تقول إن هذا المرض ناجم عن بكتيريا متعلقة بأمراض اللثة، إلى تغيير في معالجة أحد أكبر أسرار الطب، وتؤدي إلى علاجات فعالة أو حتى لقاح يمنع المرض من الأساس.

الزهايمر.. ما هو؟

مرض الزهايمر هو مرض تنكسي عصبي مزمن، يبدأ ببطء ويزداد مع مرور الوقت. أكثر الأعراض المبكرة شيوعًا في هذا المرض هو صعوبة تذكر الأحداث الأخيرة (فقدان الذاكرة قصير المدى). ومع تقدم المرض، يمكن أن تشمل الأعراض مشاكل في اللغة، والتوهان (بما في ذلك سهولة أن يتوه المصاب به)، وتقلبات المزاج، وفقدان الدافع، وعدم إدارة الرعاية الذاتية، والمشاكل السلوكية.

تدريجيًا، يبدأ المصاب بفقدان وظائف الجسم، مما يؤدي في النهاية إلى الموت. وعلى الرغم من أن سرعة التقدم يمكن أن تختلف، فإن متوسط ​​العمر المتبقي المتوقع بعد التشخيص هو من ثلاث إلى تسع سنوات.

ومع تقدم متوسط العمر لسكان العالم في السنوات الأخيرة، ارتفع الخرف إلى مرتبة متقدمة، ليصبح خامس أكبر سبب للوفاة في جميع أنحاء العالم. تبلغ نسبة الأشخاص المصابين بمرض الزهايمر حوالي 70% من الحالات المصابة بالخرف، لكننا لا نعرف سبب هذا المرض حتى الآن بشكل واضح.

Embed from Getty Images

يرتبط الزهايمر بنوع من البروتينات التي تتراكم في الدماغ

اعتقاد شائع.. سبب المرض تراكم بروتينات معينة

في كثير من الأحيان، تتضمن الإصابة بمرض الزهايمر تراكم نوعين من البروتينات – تسمى بروتين الأميلويد (amyloid) وبروتين تاو (tau) – في الدماغ. وحيث إنها من بين العلامات الجسدية الأولى للمرض، فإن الفرضية الرئيسية منذ عام 1984 كانت أن الزهايمر ناتج عن السيطرة السلبية لهذه البروتينات، خاصة الأميلويد، التي تتراكم لتكوين لويحات كبيرة لزجة في الدماغ.

وقد تركز الجزء الأكبر من البحوث في فهم ومعالجة مرض الزهايمر على «فرضية أميلويد» هذه. واستثمرت مبالغ ضخمة من المال في التجارب التي شملت الفئران المعدلة وراثيًا لإنتاج الأميلويد، وفي تطوير العقاقير التي تمنع أو تدمر بروتينات أميلويد، أو في بعض الأحيان تنشئ تكتلات متدنية من بروتين تاو.

لكن.. هذه الفرضية لا تعمل كما ينبغي

مع مرور الوقت، أصبح من الواضح أن هذا النهج لا يعمل. فعلى سبيل المثال؛ أنفقت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية 1.9 مليار دولار على أبحاث مرض الزهايمر في عام 2018 وحده. ووفقًا لدراسة حديثة، كان معدل فشل تطوير الأدوية لمرض الزهايمر فيها 99%.

وقد بدأ البعض في التشكيك في «فرضية الأميلويد»؛ وقد تضاعف حجم هذا التشكيك مع اكتشاف أشخاص – بعضهم في سن التسعينات مع ذاكرة استثنائية – يمكن أن يكون لديهم تلك اللويحات الناجمة عن تراكم الأميلويد في الدماغ دون وجود أي حالة من حالات الخرف. وخلص برايس فيسيل من جامعة «سيدني» للتكنولوجيا في أستراليا، إلى أنه لا توجد بيانات كافية تشير إلى أن «الأميلويد له دور مركزي أو فريد في مرض الزهايمر».

في عام 2016، اكتشف باحثون أن الأميلويد يبدو أنه يعمل باعتباره «خط دفاع لزج» ضد البكتيريا. ووجد الباحثون أن البروتين يمكن أن يعمل مركبًا مضادًا للميكروبات ويقتل البكتيريا، وعندما حقنت بكتيريا في أدمغة الفئران التي تمت هندستها لصنع بروتينات الزهايمر، طورت هذه الفئران لويحات حول الخلايا البكتيرية بين عشية وضحاها.

بين الحب والزهايمر.. لماذا عاش هؤلاء مع جثث في منزل واحد لأكثر من عام؟

في ذلك الوقت، قال الفريق البحثي إنه ما زال يعتقد أن الأميلويد نفسه هو من تسبب في تلف أدمغة مرضى الزهايمر وليس البكتيريا. لكن موجة من الدراسات اللاحقة بدأت تنظر بجدية نحو الميكروبات. وعثر باحثون على بكتيريا في أدمغة الناس الذين لديهم الزهايمر عندما كانوا على قيد الحياة. ولكن لم يتضح ما إذا كانت البكتيريا قد تسببت في المرض أم أنها كانت ببساطة قادرة على الدخول إلى الأدمغة بعدما تضررت من جراء مرض الزهايمر بالفعل.

وقامت فرق متعددة بالبحث في بكتيريا بورفيغروناس جينجبفاليس (Porphyromonas gingivalis)، وهي البكتريا الرئيسية التي تشارك في أمراض اللثة، وتعد عامل خطر معروف لمرض الزهايمر. حتى الآن، وجدت الفرق البحثية أن هذه البكتيريا تغزو وتؤجج مناطق الدماغ المتأثرة بمرض الزهايمر.

ولاحظ الباحثون أن عدوى اللثة يمكن أن تفاقم أعراض الزهايمر في الفئران المهندسة جينيًا لتصاب بمرض الزهايمر؛ وأنها يمكن أن تسبب التهاب الدماغ، والأضرار العصبية ونشأة لويحات أميلويد في الفئران سليمة.

نظرية مختلفة تتهم البكتيريا

وأفاد باحثون من شركة «كورتيكسيم» Cortexyme للأدوية وعدة جامعات، عن العثور على اثنين من الإنزيمات السامة التي تستخدمها هذه البكتيريا التي تعرف اختصارًا باسم (P. gingivalis) ، للتغذية على الأنسجة البشرية في 99 و96٪ من 54 عينة من منطقة الحصين الموجودة بالدماغ في أشخاص مصابين بالزهايمر، وهي المنطقة الدماغية المهمة للذاكرة.

وعثر باحثون على هذه الإنزيمات في مستويات أعلى في أنسجة المخ التي تحتوي أيضًا على مزيد من تراكمات بروتين التاو وبالتالي حدوث أعراض إدراكية منخفضة أكثر لدى المصابين. كما عثر الفريق على مواد وراثية من بكتيريا P. gingivalis في القشرة الدماغية (cerebral cortex) -وهي منطقة متورطة في التفكير- في جميع أدمغة العينات المصابة بالزهايمر.

وعندما نظر الباحثون في عينات دماغية من أشخاص لا يعانون من مرض الزهايمر، رأوا أن بعضهم لديهم بكتيريا P. gingivalis وتراكم البروتينات، ولكن بمستويات منخفضة. ويقول الباحثون بأن الأميلويد وتاو يمكن أن تتراكم في الدماغ لمدة 10 أو 20 سنة قبل أن تبدأ أعراض مرض الزهايمر،  وأن P. gingivalis لا يدخل إلى الدماغ نتيجة لمرض الزهايمر، ولكنه قد يكون هو السبب.

هل كنا مخطئين بشأن الزهايمر طوال هذه السنوات؟

وعلى جانب آخر؛ فعندما أعطى الباحثون بكتيريا P. gingivalis إلى الفئران، أدى ذلك إلى وقوع عدوى بالدماغ، وإنتاج بروتين أميلويد، ومجموعات من بروتين تاو، بالإضافة إلى وقوع أضرار عصبية في المناطق والأعصاب التي تتأثر عادة بمرض الزهايمر.

كيف تصل هذه البكتيريا إلى الدماغ؟

حاليًا، لا يعرف العلماء كيف تدخل بكتيريا P. gingivalis إلى الدماغ، ولكن هناك طرق معقولة يمكن أن تتخذها. إذ يستضيف فمك عادة مجموعة متنوعة ومختلفة من البكتيريا، ولكن عندما تتكون طبقات البلاك والجير على الأسنان تحت حافة اللثة، تشكل جيوبًا ملتهبة، يمكن أن تنتعش فيها بكتيريا P. gingivalis وتطلق السموم.

ويمكن أن يؤدي هذا الالتهاب إلى حدوث التهاب أسفل الأسنان مما ينتج عنه فقدان الأسنان. وقد أظهرت بعض الدراسات أن الأشخاص الذين لديهم عدد أقل من الأسنان هم أكثر عرضة للإصابة بالخرف. ويؤدي الالتهاب والسموم التي تسببها بكتيريا P. gingivalis إلى تلف بطانة الفم، الأمر الذي قد يجعل دخول البكتيريا الفموية إلى مجرى الدم ثم الأعضاء الأخرى ممكنًا.

وحتى لو لم يكن لديك أمراض في اللثة، يمكن أن يؤدي تلف عابر بالفم ناجم عن تناول الطعام أو تنظيف الأسنان إلى دخول بكتيريا الفم إلى مجرى الدم.

ويفترض أن الحاجز الدموي الدماغي (blood-brain barrier) يحمي دماغك من الميكروبات، لكن بكتيريا P. gingivalis يمكن أن تغزو خلايا الدم البيضاء والخلايا المبطنة للأوعية الدموية، لذا قد تعبر هذا الحاجز بهذه الطريقة. وقد تغزو البكتيريا أيضًا الأعصاب القحفية (cranial nerves) بالقرب من الفم، ثم تنتقل من خلية إلى أخرى نحو الدماغ على مدى سنوات.

طبقها علماء على «حلزون بحري».. هل يمكن أن نرى «زراعة الذاكرة» في البشر قريبًا؟

النظرية الجديدة تحمل أملًا في الوصول إلى علاج

السرعة التي يتراكم فيها الضرر هو عامل رئيسي في هذا المرض. على الرغم من أن العديد من الأشخاص يأوون P. gingivalis في أفواههم بالفعل، إلا أن بعضهم -وليس كلهم- يصاب بمرض الزهايمر. ولأنه يمكن أن يقع المرض قبل عقود من ظهور الأعراض، فإن تطور الحالة يرتبط بمقدار الضرر الذي حدث بالفعل قبل اكتشاف الحالة.

مرض الزهايمر يصيب الأشخاص الذين يتراكم لديهم إنزيم «جينيبينز gingipains»الذي تطلقه البكتيريا، كما ينتشر الضرر في الدماغ بسرعة كافية لتطوير الأعراض خلال حياتهم. لكن العلماء يحذرون من أن مرض الزهايمر هو مرض معقد. وبالتالي، من غير المرجح أن تكون إجابة واحدة كافية لمعرفة السبب.

ومع ذلك، فإن الدراسة الجديدة مثيرة للغاية، فمرض الزهايمر شائع جدًا لدى الأشخاص في عمر متقدم لدرجة أن الباحثين يعتقدون أنه لا يمكن أن يكون هذا المرض إلا نتيجة لعدوى أو عن خاصية جوهرية متعلقة بالدماغ.

وإذا تأكدت هذه الفرضية الجديدة عن مرض الزهايمر، فإن الخبر السار هو أنه يمكن أن يؤدي هذا إلى علاجات فعالة لهذه الحالة. على الرغم من أن هناك الكثير مما يمكنك القيام به لتقليل خطر الإصابة بأمراض اللثة، إلا أن شركات أدوية تأمل في وقف المرض باستخدام جزيئات متطورة عن إنزيم جينيبينز.

كيف تزيد من سعة ذاكرتك إلى الضعف خلال 40 يومًا فقط؟

ولاحظ باحثون أن إعطاء هذه الجزيئات لبعض الفئران المصابة بعدوى بكتيريا P. gingivalis يقلل من الإصابة بالدماغ، ويوقف إنتاج الأميلويد، ويقلل من التهاب الدماغ وحتى ينقذ الخلايا العصبية التالفة. هذا يوفر الأمل في علاج أو منع مرض الزهايمر في يوم من الأيام.

المصادر

تحميل المزيد