لأول مرة منذ عام 2018 قرر الفيدرالي الأمريكي الأربعاء 16 مارس (آذار) 2022 رفع سعر فائدته بـ0.25%، ليبدأ الفيدرالي الابتعاد عن نهجه الذي ابتدأ بسبب الأزمة الاقتصادية الناتجة عن جائحة كورونا، ولتصبح أسعار الفائدة 0.5%.

ولم يقتصر الأمر على ذلك فالفيدرالي الأمريكي قال إنه سيرفع سعر الفائدة ست مرات خلال هذا العام، حتى تصل مع نهايته إلى 2%، ولتصبح مع نهاية 2023 عند معدل 2.75%، ويعني ذلك أن الفيدرالي بدأ باتخاذ سياسة نقدية انكماشية، بدلًا عن التوسعية التي طبعت أعوام 2020 و2021.

والنظرية الاقتصادية تنص على أن الدول التي تثبت عملتها للدولار عليها أن تحافظ على نفس الفرق بين سعر فائدتها، وسعر فائدة الفيدرالي الأمريكي، فمثلًا قررت السعودية، الإمارات، قطر، البحرين، والكويت، رفع سعر فائدتها بـ0.25%.

ولكن مصر التي لا تثبت عملتها للدولار؛ أو على الأقل هذا المعلن رسميًا، قررت أن ترفع سعر فائدتها بـ1%، رغم أن مصر تفرض واحدة من أعلى أسعار الفائدة في العالم، وعندها أعلى سعر فائدة حقيقية (سعر الفائدة – التضخم) على الإطلاق، أو كانت كذلك على الأقل في العام الماضي.

ورغم أن أسعار الفائدة المرتفعة في مصر، ورغم أن المركزي المصري عنده حرية حركة أكبر من الدول المثبتة لعملتها؛ فإن لجنة السياسة النقدية للمركزي قررت الاثنين 21 مارس 2022 رفع سعر الفائدة، وبنسبة مرتفعة، وتساوي أربعة أضعاف رفع الفيدرالي الأمريكي.

فقد أصبح سعر الفائدة المركزي في مصر مساويًا لـ9.75%، وسعر فائدة البنك المركزي الرئيس هو النقطة التي يُحدد بناءً عليها أسعار الفائدة المعمول بها في المؤسسات المالية، والتي تكون أعلى من سعر الفائدة الرئيس الذي يحدده المركزي، وترتفع بارتفاعه أيضًا.

حصل ذلك في اجتماع استثنائي، بدلًا عن الاجتماع المجدول يوم الخميس القادم 24 مارس 2022، وقد يعكس ذلك عجلة المركزي المصري لرفع سعر الفائدة، بعد أن حافظ عليها كما هي منذ عام 2017، وتزامن ذلك مع انخفاض في سعر صرف الجنيه أمام الدولار، وهو ما توقعه بنك JPMorgan سابقًا، باعتباره خطوة ضرورية للاقتصاد، وكأحد المتطلبات المحتملة لقرض جديد من صندوق النقد الدولي، حتى تجاوز الجنيه سعر 18 جنيهًا للدولار الواحد، وهو مقارب لأعلى نسبة حققها الجنيه عام 2016؛ عام تعويم الجنيه.

فلماذا فعل المركزي المصري ذلك؟ وما الاحتمالات التي يمكن أن يفسر القرار بناءً عليها؟ وإلام سيؤدي رفع سعر الفائدة؟ هذا ما سيحاول التقرير الإجابة عنه. ولكن قبل ذلك علينا تلخيص بعض الأمور المتعلقة بالاقتصاد المصري، وبعض سمات النموذج الذي بني عليه، وخصوصًا ما يتعلق بأسعار الفائدة.

 الدين حجر أساس للاقتصاد

يعتمد الاقتصاد المصري على «نمو مدفوع بالديون»، بمعنى أن الدين أصبح الوسيلة الأهم لإيجاد الأموال اللازمة لضخها في الاقتصاد لإنتاج معدلات النمو، وهي معدلات مرتفعة نسبيًا في مصر في الأعوام الأخيرة، بل كانت مصر إحدى الدول القليلة التي حققت معدلات نمو موجبة عام 2020، عام جائحة كورونا، حتى وصلت الديون إلى نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي 90% منه.

لا يقصد هذا التقرير مناقشة مسألة الديون في مصر بالتفصيل، وهو الأمر الذي فعلناه في تقرير سابق، ولكن أحد أهم ميزات الاقتصاد المصري، والمتعلقة بالديون المصرية، أن مصر تمتلك أسعار فائدة مرتفعة تجعلها جذابة للمستثمرين من الخارج، وتحديدًا لما يسمى بـ«المال الساخن Hot Money»، وهي الأموال التي تُستثمر بهدف تحقيق ربح على المدى القصير.

هذا النموذج من الاستثمار يناسبه أن يجد أسعار فائدة مرتفعة في الاقتصاد الذي يقصده، فأسعار الفائدة المرتفعة تعني عائدًا عاليًا على الأموال المستثمرة، سواء استُثمرت على شكل ودائع أو سندات خزينة. في المقابل تحتاج مصر لهذا النوع من الاستثمار، وتحديدًا من مستثمرين خارجيين؛ لأن ذلك يعني طلبًا أعلى على عملتها – وبالتالي ارتفاعًا في قيمتها، وتمويلًا لعجز الميزان التجاري (الصادرات – المستوردات)، خصوصًا أن مصر تستورد أكثر مما تصدر بالعموم.

والأنكى – بالنسبة للحكومة على الأقل – أن الكثير من المنتجات المستوردة تضطر الدولة لدعمها من أجل تقديمها للمواطنين بأسعار تفضيلية؛ إذ لا يستطيع كثير من فئات الشعب تحمُّل ثمنها لولا هذا الدعم، وأبرز هذه المنتجات اليوم هي القمح لارتباطه بالأزمة الأوكرانية، خصوصًا أن مصر أكبر مستورد للقمح في العالم.

والخبز يكلف خزينة الدولة الكثير من مواردها، وارتفاع أسعار القمح عالميًا اليوم، بسبب خطر الأزمة على إمدادات أكبر مصدرَين للقمح في العالم: روسيا وأوكرانيا، تعني ارتفاع أسعار القمح، وبالتالي أسعار الخبز في مصر، وهو الغذاء الأساسي للمصريين.

وسواء أرادت الحكومة أن تتحمل جزءًا من تكلفة القمح على المواطنين، عن طريق دعمه من موارد الميزانية، أو أرادت التخلي عن ذلك، فإنها تحتاج إلى توفير احتياطات أجنبية للمستوردين المصريين، والذين سيحتاجون لشراء الدولار وبيع الجنيه، للتمكن من شراء القمح من الخارج؛ لأنه لا أحد سيهتم بمبادلة القمح بالجنيه.

والأزمة في أوكرانيا لم يقف أثرها عند هذا الحد؛ بل هي أيضًا تؤثر على عدد السياح القادمين إلى مصر، نتيجة لأن السياح الروس لن يستطيعوا الخروج من روسيا، وهم مورد مهم لجلب الدولارات من الخارج لصالح الاقتصاد المصري، وزيادة على ذلك فإن التضخم العالمي في ارتفاع، نتيجة لاختناقات سلاسل التوريد، وارتفاع سعر النفط بالتحديد، وهذان العاملان يعنيان رفع أسعار كل شيء؛ لأن تكاليف النقل والشحن تدخل في تحديد ثمن كل شيء تقريبًا.

ونهاية؛ ليظل سعر الفائدة في مصر مغريًا للمستثمرين الأجانب؛ فعلى المركزي المصري أن يبقي على سعر فائدته مرتفعًا عن سعر الفائدة في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي غيرها من الاقتصادات الرئيسة بشكل ملحوظ، وذلك يعني ضرورة رفع سعر الفائدة كلما رفعه الفيدرالي الأمريكي، وهو المتوقع أن يحصل أكثر من مرة خلال هذا العام. لكن لماذا لم تكتف مصر بأن ترفع سعر الفائدة بنفس نسبة الفيدرالي الأمريكي؟ وهو ما فعلته الدول الخليجية المذكورة أعلاه؟

محاولة لفهم قرار المركزي المصري برفع الفائدة

سنقدم هنا مجموعة من الإمكانات التي قد تفسر قرار المركزي برفع سعر الفائدة أربعة أضعاف النسبة المقررة من قبل الفيدرالي الأمريكي، من المستبعد أن يكون أحد هذه الأسباب كافيًا وحده للإجابة، فالمرجح أن تكون مجموعة هذه الأسباب مجتمعة هي سبب هذا القرار، وطبعًا لا يمكننا التنبؤ بشكل دقيق بأسباب القرار.

أولًا: محاربة التضخم

بلغ التضخم في مصر في شهر فبراير (شباط) 2022 ما نسبته 8.8%، وهو معدل مرتفع نسبيًا؛ وهو أعلى من نسب التضخم في العامين الماضيين، لكنه منخفض بشكل ملحوظ إذا ما قورن بنسبة التضخم في الأعوام الخمسة الماضية.

فقد كان التضخم في عام 2017، العام اللاحق للتعويم، أعلى معدل تضخم في مصر في تاريخها – بحسب بيانات البنك الدولي، وبنسبة 30%، ثم تبعه معدلات تضخم غير قليلة في العامين التاليين، بحيث سجل عام 2018 معدل تضخم مقارب لـ14.4%، تلاه معدل تضخم أعلى بقليل من 9%، نهاية بعامي 2020-2021، واللذين سجلا معدلات تضخم 5% و5.6% على التوالي؛ ما يجعل معدل التضخم في مصر مقاربًا لـ12.6%.

ولكن الضغوط الحالية على الأسعار في العالم منذرة بإمكانية أن يرتفع التضخم بشكل كبير، وأن تتضرر مصر من هذا الارتفاع على مختلف الأصعدة، ولكن أبرزها ارتفاع أسعار النفط، والذي تجاوز 110 دولار الاثنين 21 مارس 2022، وارتفاع أسعار القمح.

تستخدم البنوك المركزية سعر الفائدة بالعادة كأداة نقدية، ففي حال رفع سعر الفائدة؛ تسمى السياسة النقدية المتبعة بـ«السياسة النقدية الانكماشية»، والتي تهدف إلى رفع كلفة الاقتراض، وبالتالي رفع كلفة الاستثمار والاستهلاك في الاقتصاد؛ ما يعني تخفيض النشاط الاقتصادي، وبالتالي تقليل الطلب على المنتجات، والذي يؤدي نهاية إلى انخفاض الأسعار، أو على الأقل التحكم بالتضخم ألا يزيد عن حدود مقبولة.

حتى الآن لا نعلم معدل التضخم الذي ستسجله مصر في الشهر الحالي، مارس، أو ما قد تسجله في الشهور القادمة، ولكن قد تكون لجنة السياسة النقدية تعلم ما لا يعلمه الآخرون؛ بحكم أنها من نفس المؤسسة التي ترصد البيانات الاقتصادية وتنشرها بانتظام – أي البنك المركزي، ولديها قدرة أكبر على التنبؤ بالتضخم في المستقبل.

فقد يكون رفع سعر الفائدة بهذا القدر استباقًا لتضخم كبير متوقع، تريد السلطات المصرية تجنبه، لا لأهداف اقتصادية فحسب؛ بل لأن التضخم هو العدو الأول للرأي العام، فكلما ارتفعت الأسعار زاد السخط العام، وارتفعت الأصوات المتململة في البلاد، ومصر شهدت قبل عقد من الزمان ثورة أسقطت نظامًا، تبعتها موجات احتجاجات مختلفة، كانت الأسباب الاقتصادية في قلبها، ولا يستبعد أن يسبب التضخم موجات احتجاج جديدة؛ النظام المصري لا يريدها بكل تأكيد.

ثانيًا: استقطاب المستثمرين الذين خرجوا منذ بدء الأزمة الأوكرانية

منذ بدء الحرب في أوكرانيا خرجت مئات ملايين الدولارات المستثمرة في مصر إلى الخارج بفعل الخوف من تأثير الأزمة على الاقتصاد بمصر في ظل المشاكل البنيوية القائمة، والمتمثلة في عجز الميزان التجاري، وعجز الموازنة، بالإضافة إلى توقع المستثمرين منذ ذلك الوقت ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية.

كل ذلك عنى للمستثمرين أن التضخم قد يرتفع في مصر، وأن الجنيه قد تنخفض قيمته، ولكونهم يستثمرون داخل مصر بالجنيه؛ فإنه من الضروري لهم أن يمنعوا تحقق هذه الخسارة، بسحب أموالهم قبل تخفيض قيمة الجنيه.

وهو ما حصل بالفعل طبقا لرويترز؛ فخلال ثلاثة أيام فقط باع مستثمرون أجانب سندات خزينة مصرية بقيمة 1.2 مليار دولار، وحصل ذلك قبل أيام من انخفاض قيمة الجنيه؛ فلو أنهم انتظروا حتى الآن لكانت خسارة محققة بالنسبة لهم، مساوية لنسبة انخفاض قيمة الجنيه في السوق، وبحسب إحدى التقديرات؛ فقد خرج من مصر في أسبوع واحد 3 مليارات دولار.

ولكن مزيجًا من رفع سعر الفائدة وانخفاض قيمة الجنيه قد يساهم في إرجاع المستثمرين الأجانب، ومنع من لم يخرج من مصر بعد؛ فعندما تنخفض قيمة الجنيه، يصبح بإمكانك أن تستثمر أكثر في مصر بنفس قيمة الدولارات السابقة، فالدولار الواحد كان يمكنك – مثلًا – من استثمار 15.7 جنيه، اليوم أصبح بإمكانك بدولار واحد أن تستثمر أكثر من 18 جنيهًا؛ وبسعر فائدة أعلى.

كما أن رفع سعر الفائدة، بالإضافة إلى انخفاض قيمة الجنيه، يعني أن من لم يسحب استثماراته سابقًا، سيفكر أكثر في سحبها اليوم، لأنه إن سحبها اليوم فسيتحمل خسارة محققة، مع حرمانه مما تبقى من الفوائد الممكن تحصيلها لاحقًا، كما أن سعر الجنيه قد يرتفع في المستقبل، وبالتالي فإن الإبقاء على الأموال في مصر اليوم قد يبدو مجديًا للعديد من المستثمرين، وهو ما ترغب فيه الحكومة.

وبطبيعة الحال فإن الأسواق العالمية تحب أن ترى أسعار فائدة مرتفعة في الأسواق الناشئة؛ لأنها ترى في هذه الأسواق خطرًا كبيرًا على الاستثمار، ولا يمكن لها أن تتحمل هذا الخطر دون عائد كبير يقابله، بعكس الاستثمار في الولايات المتحدة؛ فالمخاطر منخفضة، ولكن العائد منخفض أيضًا.

وعلى العكس قد لا يستطيع البنك المركزي المصري السيطرة على انخفاض الجنيه، وإبقاء الاستثمارات داخل البلاد، وقد يكون هذا توقع بعض المستثمرين، والذين قد يرضون بخسارة محدودة اليوم، على خسارة أكبر لاحقًا، وقد يكون رفع سعر الفائدة أحد طرق إقناع المستثمرين بالبقاء عن طريق إغرائهم برفع العائد على استثماراتهم.

قد يكون هذان السببان أبرز الاحتمالات، وقد تكون هناك احتمالات أخرى؛ بينها أن البنك المركزي المصري يحاول استباق رفع الفيدرالي الأمريكي لسعر فائدته لاحقًا خلال هذا العام، وطمأنة المستثمرين من أنهم سيحصلون على رفع أكبر أربعة أضعاف من نسبة الفيدرالي، وابتداءً من الآن، بدلًا عن لاحقًا؛ لتخفيف قلقهم من الارتفاعات المستقبلية لفائدة الفيدرالي.

وبالإضافة إلى ذلك، ولكون رفع سعر الفائدة أحد أهم عوامل ارتفاع قيمة العملة، فإن البنك المركزي المصري قد يكون خفف من حدة انخفاض الجنيه عن طريق رفع سعر الفائدة، وهذا على الأرجح أحد الاعتبارات التي أخذتها لجنة السياسات النقدية في الاعتبار.

وفي الغالب فإن مجموعة اعتباراتٍ هي ما دفعت المركزي المصري لرفع سعر الفائدة بهذه النسبة، لا باعتبار وحيد فقط، ولكن الأيام القادمة هي ما ستكشف أكثر عن أسباب هذا الارتفاع، وعن الإجراءات المستقبلية المحتملة، لكن السؤال الأهم هو في حالة عدم نجاح إجراءات المركزي المصري.

فإذا كان هذا الارتفاع الكبير – نسبيًا – في الفائدة، مع تخفيض الجنيه غير كافيين لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد؛ فأي مستقبل ينتظر مصر مع مواعيد الارتفاعات المستقبلية القادمة؟ علمًا أن رفع سعر الفائدة يعني أن تكلفة اقتراض الحكومة ستصبح أعلى؛ لأنها ستقترض من الداخل على سعر الفائدة الذي رفعته بنفسها.

المصادر

تحميل المزيد