قبل سنة من الآن؛ خرج الأمين العام السابق للحزب الحاكم في الجزائر جمال ولد عباس في ندوةٍ صحفيةٍ وسط قدماء المحاربين الجزائريين ليقول إنّ الجزائر أفضل من السويد وبعض الدول الأوروبية؛ نال تصريح ولد عباس حينها موجة سخرية وتنكيت في أوساط الجزائريين؛ نظرًا ليقينهم التام بالفرق الشاسع بين البلدين في العديد من النواحي، لصالح السويد بطبيعة الحال.

بعد عام من تلك التصريحات، ومع إعلان بوتفليقة نيّته الترشح لعهدة خامسة في الانتخابات التي كان من المزمع تنظيمها في أبريل (نيسان) المقبل؛ خرجت بدءًا من 22 من فبراير (شباط) الماضي مظاهرات مليونية؛ أظهر من خلالها الشعب الجزائري عن سلميةٍ ورقيٍّ كبيرين، لاقت من خلالها الصور الواردة من المسيرات إعجاب العالم بحدّ وصف جريدة «لوموند» الفرنسية احتجاجات الجزائريين بأنها «أجمل مظاهرة في العالم».

«الجزائر أفضل من السويد»

يشاع في الجزائر أنه لا يجلس ثلاثة أشخاص على مقهى إلا ويُحتمل أن يتشاجر اثنان منهما، لكن الحراك الأخير أظهر وجهًا آخر للشعب الجزائري، في هذا التقرير نسلط الضوء على المظاهر التي رافقت حراك الجزائريين وجعلتهم تحت أنظار العالم المتحضر.

1- عائلات بأكملها في المسيرات

وأنت تسير في مسيرات الجزائر، قد تصادف صديقك في شارع ما، ثم تلتقي مع أبيه وأخيه في شارعٍ آخر، كما أنه بإمكانك مصادفة عائلةٍ كاملةٍ تتظاهر ضد بوتفليقة، وهو ما أظهرته الصور والفيديوهات لعائلاتٍ جزائريةٍ خرجت في المسيرات منذ يوم الجمعة 22 فبراير (شباط)، ومن بين العائلات التي راجت مشاركتها في الحراك عائلة رئيس مجتمع السلم الدكتور عبد الرزاق مقري الذي نزل رفقة أبنائه للحراك، كما شاركت عائلات أخرى في المسيرات بتقديم المياه للمتظاهرين.

2- المرأة الجزائرية تحتفل بعيدها في الشارع

صادفت الجمعة الثالثة للحراك الشعبي للجزائريين اليوم العالمي للمرأة الموافق للثامن مارس (آذار)، وهو ما جعل الجمعة الماضية جمعةً استثنائيةً في الجزائر، خرجت فيها المرأة الجزائرية في مسيراتٍ جماعيةٍ وباللباس التقليدي (الحايك) الذي يعتبر رمزًا للمرأة الجزائرية الثائرة، جابت من خلاله ميادين الجزائر، لترفع صوتها هي الأخرى ضدّ العهدة الخامسة. ومن بين مقاطع الفيديو الأكثر انتشارًا في المسيرات الرافضة للعهدة الخامسة فيديو يظهر نزول نسوةٍ جزائريات بلباس «الحايك» وسط العاصمة وملتحفين بالأعلام الوطنية.

3- الشرطة تحتفل بإنجاح مهامها في تأمين المظاهرات

لعلّ التساؤل الذي لا يزال في أذهان الجزائريين هو عن تعامل قوات الأمن الجزائرية مع المسيرات الرافضة لترشّح الرئيس المنتهية ولايته عبد العزيز بوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة، فلطالما تعاملت الشرطة الجزائرية مع مظاهرات الجزائريين في السابق بقسوة، خصوصًا في العاصمة الجزائر التي كانت تعيش تحت ظلّ قانونٍ يمنع التظاهر بها.

غير أن المسيرات الحالية التي انطلقت منذ 22 فبراير (شباط) الماضي وتستمرّ حتى اللحظة، أبانت عن وجه آخر للشرطة الجزائرية رسمته عدّة صورٍ للمتظاهرين وهم يسلمون أفراد الشرطة الورود والمياه، ومشاهد أخرى تظهر دفاع المتظاهرين عن الشرطة، كما أظهر فيديو آخر لاقى رواجًا واسعًا في منصات التواصل كيف انقسمت جموع المتظاهرين إلى نصفين لتسمح لمركبات الشرطة بالعبور وسط المتظاهرين.

لكن الأكثر مفاجأة كان أن تحتفل الشرطة الجزائرية مع انتهاء كلّ جمعةٍ بنجاحها في تأمين المسيرات، جديرٌ بالذكر أنّ المسيرات الشعبية المتواصلة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع لم تخلف سوى ضحيةٍ واحدةٍ وهو مسن كان يعاني من أزمة قلبية.

4- الأذان والمستشفيات تسكت المتظاهرين

مسيراتٌ مليونية تمشي كسيلٍ جارفٍ بين أحياء العاصمة الجزائر، شعاراتٌ وأغانٍ، فجأة يتوقف كلّ شيء، وتسأل عن السبب، فإذا بالمسيرة تقترب من مستشفى مصطفى باشا الجامعي (أكبر المستشفيات في الجزائر)، نعم هذا ما يحدث كلّ مساء جمعةٍ في الجزائر، احترامًا للمرضى الراقدين في المستشفى، وتتكرر تلك المشاهد في مسيراتٍ أخرى عبر مختلف الميادين.

ولا يتعلق الأمر بالمستشفيات فقط، فالمسيرات الرافضة للعهدة الخامسة في الجزائر تصمت أيضًا عند كلّ أذان، وهو ما يظهره فيديو لمسيرة في مدينة تيزي وزو التي صمت المحتجون بها فور سماعهم للأذان، ليستمر الهتاف بعد اكتمال الأذان، أمّا في مسيرات مدينة ورقلة (جنوب الجزائر) فيظهر مقطع فيديو كيف أقام المحتجون الصلاة جماعةً ثم أكملوا مسيراتهم.

5- المسيرات تجمع بين العرب والميزابيين

قبل خمس سنواتٍ، عاشت مدينة غارداية بالجنوب الجزائري على وقعٍ اضطرابات عرقية بين العرب المالكيين والميزابيين الإباضيين خلفت عدّة ضحايا، وحرقت مساكن ومحلات عديدة في الولاية، استمرت تلك الأحداث طيلة ثلاث سنواتٍ إلى أن تدخلت قوات الجيش الجزائري لاستتباب الأمن بالمدينة.

كانت الجمعة الماضية الموافقة 8  مارس (آذار) موعدًا تاريخيًا بالولاية، إذ خرجت مسيرات مختلطة بين العرب والميزابيين ضدّ العهدة الخامسة جابت مختلف أحياء مدينة غارداية ورسمت وحدةً جديدةً بين الإخوة الفرقاء، وفي مقطع فيديو انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي رفع العرب والميزابيون شعار «عربي مزابي خاوة خاوة».

ليعطي ذلك للحراك الشعبي الذي تشهده الجزائر صورةً جميلة توحي أنّ العهدة الخامسة قد استطاعت طيّ صفحة الخلاف بين العرب والميزابيين في‮ ‬تلك المنطقة من الجزائر‮، وهو ما أكده الشعار الذي ردّده المتظاهرون في المنطقة «أحرقتم غرداية لتمرير العهدة الرابعة فلن نترككم تحرقون الوطن لتمرير الخامسة».

6- الشوارع نظيفة بعد كلّ مظاهرة

لا تخلو أي مسيرةٍ في العالم من مظاهر فوضى، قد تجعل أي شارع تمرّ من خلاله معرضًا للمخلفات من قارورات وأوراقٍ، تجلب سخط ساكني هذه الشوارع من المسيرة وأهلها، غير أنّ أغلب مسيرات الجزائر الحالية، استطاعت أن تخرج من مشكلة الفوضى تلك، إذ يظهر عديد المقاطع من الفيديوهات شبابًا متطوعًا يقوم بتنظيف الشوارع مع انتهاء كلّ مسيرةٍ في مشهد رسم رقي وسلمية الحراك الجزائري.

ليست «ثورة الشباب» فقط

تميّزت مسيرات الجزائر أيضًا بمشاركة قطاعٍ واسعٍ من الشيوخ والمشاركين في الثورة الجزائرية، فشكّل نزول المناضلة جميلة بوحيرد إضافةً إلى المناضلة زهرة ظريف بيطاط والمناضل الثوري ياسف سعدي في المسيرات المناهضة لرفيق السلاح بالأمس بوتفليقة علامةً مميزةً في الحراك الجزائري، الذي قاده شبابٌ الجيل الحالي.

ولقي جيل الثورة المشارك في الحراك الشعبي التفافًا كبيرًا من الشباب، كما أظهر فيديو آخر نزول عجوزٍ جزائرية رفقة علم وطني ملطخ بدم شهداء الثورة الجزائرية يعود لسنة 1953، لتؤكد تلك المشاهد الارتباط التاريخي بين أجيال الجزائر.

وبعد الشباب والنساء، وأجيال الثورة، أبى الأطفال في الجزائر إلّا أن يتركوا بصمتهم في الحراك الشعبي، لتخرج عدّة مسيراتٍ من المدارس الجزائرية إلى الشوارع لتلتحق بـالحراك الرافض لترشّح بوتفليقة لعهدة خامسة، كما كان للأطفال حيّزٌ كبيرٌ من المشاركة في جمعِ الحراك، فلم تخلُ جمعةٌ من الجمع الثلاث الماضية من مشاركة هذه الشريحة، التي نزلت رفقة عائلاتها إلى المسيرات مرددةً شعارات «الجزائر حرّة ديمقراطية».

مشاركة الأطفال الجزائريين في الحراك، كانت عن وعي وهو ما أظهره فيديو لأحد الأطفال وهو يبكي ويوجه رسالةً للوزير الأول المستقيل أحمد أويحيى بالقول «الجزائر ماشي (ليست) سوريا» والدموع تملأ أعينه في مشهدٍ أثار عواطف الجزائريين.

#شاهد رسالة هذا الطفل لسلطة و اويحيى المصدر: قناة الجزائرية

Geplaatst door ‎El-Hiwar Eljazairia الحوار الجزائرية‎ op Maandag 11 maart 2019

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد