1,891

توقع المخرج الشهير جاكو فان دورميل عبر فيلمه الأهم «Mr. Nobody» أنه بحلول عام 2092 سيتقدم العلم إلى الدرجة التي تسمح للعلماء بتجديد التيلومرات  (مكون يقبع في نهاية الكروموسوم يحفظ قدرة الخلية على الانقسام)، وهو ما يجعل البشر يعيشون إلى الأبد.

في سياق درامي عبقري يبدأ الفيلم، بينما يجلس نيمو «Mr. Nobody» على فراش الموت يحاول أن يجمع شتات ماضيه كآخر شخص (غير خالد) على قيد الحياة. يرافقه في أيامه المعدودة الباقية طبيب نفسي ومحرر أخبار لمحاولة تقصي حياته التي يبدو أنها أخذت عدة مسارات مختلفة ومتداخلة، يحاول نيمو أن يتذكر أيها كان حقيقيًا وأيها لم يكن كذلك.

الفيلم من إنتاج عام 2009، وقدم من خلاله المخرج توقعًا بدا وكأنه بعيد إلى درجة أن يحدث بعد 83 عامًا من عرض الفيلم. لكن هذا التصور ربما لم يكن موفقًا، فالخلود يبدو أنه لم يعد بعيد المنال إلى هذا الحد، إذا استمر العلم على هذا النحو بالتقدم في خط مستقيم.

2092.. أليس ذلك بعيدًا؟

نتائج ثورية أعلنها الفريق البحثي في معهد هيوستن للأبحاث بمدينة تكساس الأمريكية، وتضمنت النتائج وصول الفريق لتكنولوجيا جديدة تمكنهم من عكس العديد من الظواهر الخاصة بالشيخوخة على مستوى الخلايا الخاصة بأطفال مصابين بمتلازمة البروجيريا. البروجيريا هي مرض جيني بالغ الندرة يصيب الأطفال ليتسبب في الظهور المبكر لعلامات الشيخوخة والموت المبكر لأسباب متعلقة بها.

Embed from Getty Images
ونشر الفريق تحت قيادة الدكتور جون كوك ورقته البحثية الخاصة بالدراسة في مجلة الكلية الأمريكية لأمراض القلب. الدراسة بدأت لغرض بحث الخلايا الخاصة بالأطفال المصابين بمتلازمة البروجيريا، وبالتالي اكتشاف المزيد عن عملية الشيخوخة على المستوى الخلوي الذي تتسبب فيه المتلازمة الغامضة.

يعاني حول العالم 250 طفلًا من البروجيريا. وتحدث هذه المتلازمة بسبب طفرات عشوائية في جين «LMNA». هذه الطفرات لا تتشكل بنمط محدد، لكنها تحدث بشكل عشوائي، ولا يعتقد أنها تحدث بسبب التوارث من أحد الوالدين.

التأثيرات الناتجة عن هذه الطفرات العشوائية لا تظهر عادة على الأطفال بعد الولادة مباشرة. تبدأ تلك العلامات في الظهور بعد السنة الأولى في عمر الطفل. قد تبدأ العلامات في الظهور على جسد الطفل الذي يتأخر في النمو عن المعدل الطبيعي، يخسر الطفل شعره بسرعة، مع بطء كبير في نمو الفكين تناسبًا مع البطء العام في تطور الجسد والحواس.

يؤمن الدكتور كوك أن النتائج التي توصل إليها فريقه تعتبر نقلة كبيرة في الحرب البشرية ضد مظاهر الشيخوخة، أهم تلك النتائج هو التأثير الدرامي على متوسط عمر هؤلاء الأطفال المرضى، كما هو الحال بالنسبة لقدرة الخلايا على القيام بدورها لفترات أطول وبكفاءة شبه ثابتة.

يقول الدكتور كوك: «على الأقل، يمكننا الآن إيقاف أو أن نبطئ ظهور أعراض  الشيخوخة، وهذا ما نعمل عليه. خطوتنا القادمة هي أن نبدأ في تطبيق هذه التقنية لعلاج المرضى. نخطط للقيام بهذا الأمر عن طريق تحسين العلاجات الحالية للخلايا. أريد أن أطور علاج لهؤلاء الأطفال».

ساعة العمر تدور إلى الخلف

تقوم دراسة الدكتور كوك وفريقه بالتركيز على «التيلومرات». التيلومرات توجد في نهاية الكروموسوم، في محاولته لتبسيط وظيفة هذا المكون، يقول الدكتور كوك إنها تشبه طرف رباط الحذاء، فهي تربط أجزاء الكروموسوم معًا. المشكلة في تصميم التيلومرات أنها تصبح أقصر في كل مرة تنقسم فيها الخلية، ومع تكرار عملية الانقسام الخلوي والتقدم في العمر، وتضاؤل طول التيلومرات تزداد احتمالية حدوث الطفرات والأخطاء في الانقسام، وتفقد الخلية قدرتها على الانقسام بنجاح وكفاءة فتموت.

Embed from Getty Images

هذا الضمور المستمر في التيلومرات هو المسؤول الرئيس عن أعراض الشيخوخة. بالنظر إلى حالات البروجيريا التي تمت دراستها، والبالغ عددهم 17، كان 12 منهم يعانون من قصر في طول التيلومرات. لتعرف مدى تأثير هذا العرض، فإنه وبحساب بسيط قد تسبب في أن يظهر هؤلاء الأطفال – أكبرهم كان 14 عامًا – وكأنهم في صحة رجل يبلغ من العمر 69 عامًا. ظهور الشيخوخة بهذه السرعة تجعل العمر المتوقع للشخص المصاب بالمتلازمة 13 عامًا، وتكون النوبات القلبية والسكتات الدماغية سببًا في موت الكثير من تلك الحالات.

ترتكز التكنولوجيا المستخدمة في البحث على الدفع بخلايا تقوم بوظيفة أساسية وهي إنتاج بروتين «telomeras»، وهو مسؤول بدوره عن إطالة التيلومر، هذه العملية تتم من خلال حقن الحمض النووي الريبوزي «RNA» داخل الخلايا التي تخلق بروتين التيلوميراز.

هل توقفت مخاوفنا من الموت منذ هذه اللحظة؟

دائمًا ما كان الموت هو الهاجس الأكبر للبشرية. متى نموت؟ وكيف نؤخر مقابلة الموت؟ وما الذي يجب أن نفعله قبل ذاك الموعد؟ كلها أسئلة ترتبط بالقلق الراسخ في عقولنا من حقيقة إدراكنا القاسي لمحدودية حيواتنا.

عن الأهمية العلاجية للأبحاث التي قدمها، يقول دكتور كوكس: «حوالي ثلث سكان الولايات المتحدة يموتون بسبب السكتات الدماغية والنوبات القلبية، إذا كنا نستطيع الوصول للنتائج التي نهدف إليها، فإننا نستطيع التغلب على الكثير من الأمراض».

الحقيقة التي يعترف بها الدكتور كوكس، هي أن الهدف الرئيس من هذه التجارب كان تعزيز طول التيلومرات في مرضى البروجيريا، وأن هذا العلاج لن يعكس في الواقع الشيخوخة وأعراضها في هذه المرحلة، في المقابل فإن هذه النتائج تعتبر مؤشرًا واعدًا قد ينتج آثارًا مفيدة للغاية.

لا يمكن في الوقت الحالي اعتبار أن الحد من الأعراض المتسارعة للشيخوخة لدى الأطفال المصابين بالبروجيريا هدفًا سهلًا أو إنجازًا بسيطًا، وعلى الرغم من ذلك يأمل الدكتور كوك لتحسين العلاجات الخلوية الموجودة حاليًا، ومن ثم يتسنى له نقل التجارب في نهاية المطاف إلى التجارب السريرية، وعن هذا الأمر يقول الدكتور كوكس: «أريد تطوير علاج لهؤلاء الأطفال، وهي حاجة غير ملباة».

خطوة صغيرة لكوكس.. عملاقة للبشرية

دراسة سابقة نشرت في جامعة ستانفورد قبل عامين تثبت إمكانية زيادة طول التيلومرات. الباحثة الرئيسة في الدراسة، الدكتورة هيلين بلاو قالت بأن الباحثين في الدراسة استخدموا نماذج معدلة من الـ«RNA» لزيادة طول التيلومرات. هذه النماذج تحمل توجيهات من الجينات في الحمض النووي لمصانع البروتين الموجودة بالخلية الـ«RNA» المستخدم في التجربة يحمل التسلسل الجيني لبروتين التيلوميراز.

الدراسة أقيمت بالأساس لدراسة آثار «الحثل العضلي الدوشيني» لضمور العضلات، وكان الباحثون قد وجدوا أن الخلايا الجذعية للأطفال المصابين بالضمور العضلي لديهم تيلوميراز أقصر من الأولاد الذين لا يعانون المرض. قادت هذه الملاحظات لإدراك عميق حول دور العجز الخلوي عن الانقسام على تكوين العضلات لدى هؤلاء الأطفال، كما أثبت أيضًا صعوبة إنتاج خلايا مصابة بالمرض في المعمل لإجراء مزيد من الفحوصات.

انحصرت الدراسة في ذلك الوقت على الخلايا بشكل حصري، كما انتقلت بعد ذلك لابتكار طرق أخرى لإجراء نفس التكنولوجيا على أنواع أخرى من الخلايا. «الدراسة هي خطوة أولى من أجل تطوير فكرة إطالة التيلومرات لتحسين التعديل الخلوي، وبالتالي احتمالية معالجة الأعراض الخاصة بالشيخوخة المتسارعة لدى البشر»، صاحب هذا التصريح هو الدكتور كوكس، المؤلف المساعد للدراسة مع الدكتورة بلاو وآخرين.

ربما من حسن حظ البشر إنه وبقدر تشبثنا بالحياة، فإننا نتشبث بكشف المجهول، وإحلال المعرفة محل الغموض. والعلم في نظر الكثيرين هو وسيلتنا لبلوغ هذه الغاية، والعلم هنا – مثل الفن – لا يهتم بالمعايير العامة والإحصائية، لكنه يرى الإنسان وحدة واحدة في كل مرة يبدأ فيها دراسة لكشف الغموض عن ظاهرة ما. فالدكتور كوكس قضى كل هذه السنوات مع فرق عمل مختلفة من أجل حالة طبية شديدة الندرة تجعل بعض الأطفال يعانون.

من هذا المنظور القيمي للعلم يقول الدكتور كوكس: «عندما ترى هؤلاء الأطفال، تجدهم مثل بقية الأطفال، يريدون أن يلعبوا، يريدون أن تكون لهم أحلام، يرغبون أن يكبروا وأن يصبحوا أشخاصًا عظماء، لكنهم لا يمتلكون القدرة. ليس لديهم الفرصة. لهذا فقط نحن نقوم بهذا العمل».