(1)

“إن المسؤولية التي وضعت على كتفَيْ عبد ضعيف حقير مثلي بتعيينه مرشدًا أعلى لَأمر لم يخطر على بالي ولو للحظة واحدة في حياتي، من الخطأ جدًا أن يظن أحد أنني طيلة أيام النضال أو بعد انتصار ثورتنا أو في الوقت الذي كنت فيه رئيسا، كنت أتصور ولو للحظة واحدة أنني سأُختار لهذه المسؤولية الجسيمة. لطالما اعتبرت نفسي أقل كثيرا ليس من هذا المنصب فحسب، ولكن من جميع المناصب الأخرى التي توليتها طيلة حياتي، ومازلت أعتبر نفسي طالب علم صغيرًا مليئًا بالنقص والقصور، بحاجة شديدة للمساعدة بالنصائح والانتقادات من كل فرد من أفراد الشعب الإيراني العظيم”، آية الله خامنئي، من لقائه الأول مع السيد ميرحسين موسوي رئيس وزراء إيران حينها.

ربما لم يكن يخطر على بال السيد خامنئي أيضا للحظة واحدة في حياته أنه بعد 25 عامًا من ذاك اللقاء سيكون السيد ميرحسين موسوي خاضعًا للإقامة الجبرية في منزله لأنه قدم النصائح والانتقادات كواحد من أفراد الشعب الإيراني العظيم. وأن الإمام سيكون واقفًا أعلى من الجميع، حائزًا على السلطة والقداسة المطلقتين، لا يخبر الناس أنه عبد ضعيف حقير ولا يذكره أحد بذلك. لا يقبل نقدًا ولا يهتم بنصيحة. بل ويبقى لسنوات طوال لا يعرب عن احتياجه الشديد لرأي أحد.

“إن جريمة هذا الشخص – ميرحسين موسوي – شنيعة وإذا كان الإمام الخميني حيًا، ربما كان ليتخذ قرارًا أشد في حقه. إذا تمت محاكمته فسيحصل على حكم قاس جدا وربما لن يرضيكم هذا، لهذا السبب قررت أن أكون لطيفا معه وأحبسه في منزله”. علي خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية.

 

(2)

“إن تصور الإمام الخميني عن السياسة الشرعية يضع الشعب في مكانة هامة ويعطي لهم مشاركة فاعلة في مثلثٍ أضلاعه: الشريعة، الولي الفقيه، الشعب. تقع الشريعة في مقام القمة كعامل مُوحِد وجامع للضلعين الآخرين، فكلاهما تحت سلطتها. ثم تكون القوة المجتمعية (الشعب) سلطة فوق الولي الفقيه تشرف على أعماله، وتكون القوة السياسية (الولي الفقيه) مشرفة على رعاية الشعب لأحكام الله”. غلام حسن مقيمي، من رسالته في دراسة الفكر السياسي للخميني.

كان يفترض في نظرية الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية أن يكون الشعب مشرفًا على أداء الإمام عن طريق العديد من الآليات كمجلس خبراء القيادة وشورى الحراسة، وكان يفترض أيضًا أن يأخذ الإمام بنصائح ومشورة ممثلي الشعب في قراراته. لكن نظرة واحدة على وضع البلاد، ليس هذه الأيام بل منذ أكثر من عشرين عامًا، تُظهر البون الشاسع بين النظرية وتطبيقها.

 

(3)

“يتم تعيين المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية عن طريق مجلس خبراء القيادة الذين يختارهم الناس”. مادة 107، الدستور الإيراني.

 

“إن ما يهمني بالدرجة الأولى هو الملحوظة التي تفضلتهم بعرضها، التعاون والتشاور مع جميع الأساتذة المحترمين وأولئك الذين يحظون بمنزلة عليا لدى الناس ولدى رب الناس”، خامنئي، من لقائه مع مجلس خبراء القيادة بعد أسبوع من تنصيبه إمامًا.

لم يدم اهتمام الإمام بـ “التعاون والتشاور” طويلًا على ما يبدو. بل شهدت الساحة الإيرانية تغيرًا تدريجيًا في أدبيات الإمام ونوع خطبه وكلماته، وصل الأمر أنه في لقائه بمجلس الخبراء بعد عام واحد فقط من اختياره كمرشد يملي عليهم ملاحظاته واقتراحاته. مجلس الخبراء الذي كان ضمن أعضائه حينها مجموعة من أكبر الروحانيين وأكثرهم احترامًا وتقديرًا، ربما لهذا نراه يؤكد “إنني لا أقصد بالطبع تقديم النصائح والملاحظات في جمع الأفاضل أمثالكم معلمي الأخلاق والإخلاص”.

بعد عام آخر فقط يتحدث الإمام لمجلس الخبراء باقتضاب عما “يجب” فعله وعما “لا يجب” فعله، عما “يلزم” الاهتمام به وعما “لا يقبل” الغفلة عنه! دون اعتذارات ودون إخبارهم أنه لا يقصد أن يكون ناصحًا في جمعهم الفاضل. مفارقة مضحكة إذا كان مجلس الخبراء هو المسؤول عن مراقبة أداء الإمام.

 

(4)

“تتولى شورى الحراسة الإشراف على الانتخابات الشعبية التي تختار فيها الأمة مجلس خبراء القيادة”. مادة 99، الدستور الإيراني.

 

يعني الإشراف على انتخابات مجلس خبراء القيادة في صورته المثالية استبعاد الذين لا يليقون بخدمة الأمة من الترشح للانتخابات. لكنه يعني في صورته الواقعية استبعاد الروحانيين الذين لا يعتبرهم الإمام “منه” من حق الترشح للانتخابات، إذا أن الأعضاء الستة لشورى الحراسة يتم تعيينهم مباشرة – بنص الدستور – من القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية.

 

 

(5)

 

“بالأخذ في الاعتبار الاهتمام الخاص الذي يوليه مقام القيادة المعظم إلى الأمور الثقافية وقلق عظمته بخصوص هذا الأمر، فإننا نوصي جميع المؤسسات والأجهزة المسؤولة عن الشؤون الثقافية للبلاد، أن تبذل جهدًا أكبر للقضاء على الثقافات الدخيلة التي تقلقنا بعمق وتؤثر سلبًا على أمن بلادنا وإرثنا الثقافي”، من نص البيان الختامي للاجتماع السادس عشر لمجلس الخبراء.

 

إذًا تنتهي اجتماعات مجلس الخبراء بإبراز “عميق القلق” ليس على النظام الذي يفترض أن يكونوا هم خبراءه في ما يقوم به قائده، بل على مشاعر القائد، في تناقض صارخ مع ما يجب أن يكونه المجلس من رقابة على أداء الإمام وما هو كائن فعلًا من تبعية لتوجيهاته!

 

تنتهي اجتماعات مجلس الخبراء أيضًا دون أي خبر جاد عنها في وسائل الإعلام التي تكتفي بعرض مقتطفات من البيان الختامي، البيان الذي يقف شاهدًا على الشكل الشَرَفي الذي استحالت له المؤسسة، إذ لا يكون – كسابقاته من البيانات – سوى تمجيد لآية الله ودعم له ولحكمته. ليس هذا فقط بل إن المجلس هذه المرة “يؤكد ضمن تقديره وشكره للقرارات الحكيمة للمرشد الأعلى في جميع المجالات، أن الانصياع لتوجيهاته الحكيمة يجلب لإيران الإسلامية العزة والرفعة”.

 

تتحدث التصريحات الصادرة عن مجلس الخبراء في جميع المواضيع تقريبًا، من أخبار المقاومة في غزة وعمليات داعش في الموصل وحتى بداية السنة الدراسية الجديدة لطلبة الحوزة العلمية، لكنها لا تتحدث في الشئ الوحيد الذي يجب أن تهتم به، مراقبة القيادة.

 

 

(6)

 

“يستطيع مجلس خبراء القيادة عزل مرشد الجمهورية الإسلامية إذا عجز عن أداء مهام منصبه التي يحددها القانون” مادة 111، الدستور الإيراني.

 

على الرغم من هذه الصلاحية الكبرى والمسؤولية العظيمة، فإنه على مدار ربع قرن من حكم الإمام لم يصدر بيان واحد من مجلس الخبراء يناقش فيه أداء القائد. يتحدث الإعلام أن هكذا أمور تحظى بسرية كبرى للحفاظ على أمن الوطن، لكنه لا يخبر الأمة الفائدة التي تعود على أمن الوطن حين تكون البيانات المعلنة لا تفعل شيئا سوى تمجيد حكمة القائد المعظم؟

 

ثمة دائرة مغلقة إذًا يمسك الإمام نفسه مفاتح بدايتها ونهايتها. دائرة تعطي السلطة المطلقة للإمام شكلًا قانونيًا تمامًا، في حين أنها تشعر الناس أن ثمة ديمقراطية أو رأي شعبي في اختيار الإمام. نظرة بسيطة على أعضاء مجلس الخبراء تكشف مبدأ الدائرة المغلقة بوضوح شديد: فمعظم أعضاء مجلس الخبراء كانوا أئمة صلاة الجمعة في أكبر المساجد في محافظاتهم أو نواب الولي الفقيه في مدنهم، الأئمة والنواب الذين يعينهم أيضًا شخص الإمام، تمامًا مثلما شورى الحراسة يتم تعيينها مباشرة منه أيضًا، بنص الدستور.

 

 

 

(7)

 

“نعم نحن مشرفون على مقام الإمام الأعظم، لكن ما تفسير كلمة إشراف؟ هل هو إشراف تصويب أو إشراف استطلاع مثلا؟ ماذا يعني أن يكون لنا على الإمام إشراف تصويب؟ هل سيأتي الإمام – حاشاه – في كل أمر يريد أن يفعله ليستأذننا؟ بالتأكيد ليس هذا هو المقصود. هل هو إذًا إشراف استطلاع؟ بمعنى أن نذهب لتعقب قرارات سيادته ونسأله لماذا فعلت ولماذا لم تفعل؟ وما هو مقصودك من القرار كذا وماذا فعلت في الأمر كذا؟ بالطبع لا! في رأيي أن المعنيين خاطئان تماما. إن إشرافنا على الإمام هو إشراف حراسة! بمعنى أن الهدف منه هو حفظ الإمام، ألا نسمح بوقوع أمور تخالف قواعد الجمهورية الإسلامية، أو أن يتعرض مقامه المعظم إلى حملات تشويه، يجب حينها أن نجعل صدورنا دروعا لحراسة الإمام كي لا يقف وحده، إننا حراس مقام الإمام” آية الله مهدوي كني، رئيس مجلس خبراء القيادة.

 

“كل الأشياء خاضعة للتفاسير، لكن أي تفسير يسود في وقت معين فهذا هو ما تحدده القوة، وليس الحقيقة!” فريدريك نيتشه، الفيلسوف الألماني .

 

 

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد