سطر يوم الثالث عشر من سبتمبر (أيلول) لعام 1993م، يومًا تاريخيًا لمنظمة التحرير الفلسطينية، بعد توقيع اتفاق أوسلو، الذي أفضى حينها إلى إنهاء النزاع المسلح بين المنظمة وبين إسرائيل، والتمهيد لإقامة سلطة وطنية في الضفة الغربية وقطاع عزة، عبر إقامة حكم ذاتي انتقالي.

وقع الاتفاق الأول من نوعه حينها بين أطراف ثلاثة: فلسطينية، وأمريكية، وإسرائيلية، وشكلت الـ23 عامًا الماضية محطات كثيرة داخل أروقة السلطة الفلسطينية، لاسيما في السنوات القليلة الماضية بعدما تردد بكثرة على ألسنة إسرائيلية وأمريكية بقرب انهيار أو تفكك السلطة.

ويفرض هذا جملة من التساؤلات حول حقيقة «انهيار أو تفكك» السلطة، وبداياتها، والأسباب الكامنة وراءها، فضلًا عن دور الصراع الداخلي «الفتحاوي» مؤخرًا في ذلك، والهبات الجارية في الضفة والقدس المحتلتين، منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

مفهوم «انهيار أو تفكك» السلطة الفلسطينية

هو مصطلح فضفاض تراه إسرائيل من زاوية، والسلطة الفلسطينية من أخرى، فالأولى ترى أن الأزمة المالية الخانقة التي تعانيها السلطة منذ بضع سنوات، والصراع مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وفشل عملية التسوية، والصراع الداخلي بين أركان حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) عوامل مساعدة لبدء انهيار السلطة.

فضلًا عن اتساع رقعة الهبات الجارية في معظم مدن الضفة المحتلة، وخشية صناع القرار داخل إسرائيل من سيطرة حماس على الضفة، بعد تعاظم عمليات الطعن ضد المستوطنين، وحديث ساسة إسرائيل عن سيطرة حماس على الضفة، بعد أن ثبتت لها أذرع في غزة.

من بين المعطيات التي تشير إلى تفكك أو انهيار السلطة، كما ترى إسرائيل، هو وقف التنسيق الأمني، والذي لوح به رئيس السلطة، محمود عباس، في خطابه الأخير أمام الأمم المتحدة سبتمبر (أيلول) الماضي، وعدم سيطرتها على وقف ما تسميه إسرائيل «العمليات الإرهابية» من قبل الشبان الفلسطينيين.

لكن الطرف الآخر يغض الطرف عن هذه الاحتمالات والروايات كمقدمة لانهيار السلطة؛ إذ ترى السلطة أن وجودها يعد إنجازًا للشعب الفلسطيني، ولا يمكن التخلي عنه، وأن «الترويج» الإسرائيلي لقرب انهيارها، يعد مقدمة لنوايا مبيتة وخبيثة، وشكلا من أشكال استغفال المجتمع الدولي، واستمرارا لحملات الكذب والتحريض والتضليل التي تمارسها الحكومة الإسرائيلية للضغط على الفلسطينيين.

تنظر أيضا قيادات السلطة الفلسطينية إلى حديث إسرائيل عن قرب الانهيار لانسداد الأفق السياسي الناتج عن إفشال حكومة تل أبيب لجميع فرص المفاوضات والسلام، حيث تسعى من خلال ترويجها للانهيار إلى إضعاف وتقويض وسحب صلاحيات السلطة.

بداية «انهيار» السلطة الفلسطينية

ثمة من يرى أنه منذ أوسلو، والسلطة الفلسطينية بدأت في الانهيار، أي أنها دخلت مرحلة الانهيار مُنذ بدأت في التشكل، حيث التبعية الاقتصادية لإسرائيل، والمُستوى العالي من التنسيق الأمني، رغم استمرار احتلال الأخيرة لمعظم مناطق الضفة الغربية.

بالتالي، فإن الحديث الجاري الآن عن تفكك، السلطة، غالبًا لا يُقصد به الانهيار بالمفهوم المتعارف عليه، بقدر ما يُشير إلى «وهم» السلطة الذي وضعته إسرائيل، قبل أن يُترجم فعليًا خلال السنوات القليلة الماضية.

من ذلك عدم مقدرة السلطة في وضع حدّ لانتفاضة الأقصى (ثورة السكاكين)، وعلى هذا فإن الدور الأمني الذي تلعبه السلطة لإسرائيل، يبدو أنها لم تعد ناجعة في تطبيقه، لذا يبدو أن إسرائيل بدأت في دراسة خيارات ما بعد السلطة، كما أنها تدرس وضع شخصية قوية بديلة لمحمود عباس، تكون لها كفاءة أكبر لمساعدة إسرائيل فيما وصلت إليه اليوم!

رأيٌ آخر يرى أن انهيار السلطة بدأ منذ أن فشلت جهود عملية السلام الأمريكية، لتسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في السنوات القليلة الماضية، وانسداد أفق التسوية، فضلا عن حجز إسرائيل للضرائب ودخول السلطة في أزمة مالية خانقة.

علاقة الصراع «الفتحاوي» في انهيار السلطة

لا يستبعد العديد من قراء السياسة أن الخلاف الحاد بين العضو المفصول عن حركة فتح، محمد دحلان، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، واشتداده في الأعوام القليلة الماضية، قد أثر بشكل كبير على تماسك السلطة، ودخولها في مرحلة «الإنعاش».

خاصة وأن ثلاث قضايا عالقة بينهما، كانت سببًا في تفجير الخلاف المستمر حتى اللحظة، أولها الصراع على منصب السلطة من خلال اتهام مساعدين لعباس، بأن دحلان يقف وراء تحريض قيادات في فتح، وبخاصة ناصر القدوة، على أنهم أحق منه ورئيس حكومته السابق سلام فياض، بالحكم واستلام زمام الأمور بالسلطة الفلسطينية.

فيما أن الخلاف الثاني يكمن في سعي دحلان لتعزيز نفوذه في الأجهزة الأمنية والوزارات بالضفة الغربية، ما أغضب تلك القيادات، التي تتهم دحلان بأنه المسئول المباشر عن سقوط غزة بيد «حماس»، وهو ما أثّر فعليًا على معظم أركان الحركة في القطاع والضفة.

أخذت هذه الخلافات تطفو على السطح، وبعد وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2004م، ثم أخذت منحا آخر حينما غادر دحلان قطاع غزة قسرًا على خلفية أحداث يونيو (حزيران) 2007، كونه خاض صراعًا مُسلحًا ضد حماس.

بالتالي، فإن اختيار شخصية رئاسية بديلة لعباس، سيبقى مؤججا للصراع الداخلي بين قيادات فتح؛ باعتبارها أكثر الملفات المُربكة داخل فتح في الوقت الحالي؛ إذ إنّ عديدًا من الأوساط ترى أن دحلان هو أقرب الشخصيات لخلافة عباس.

لذلك، من ينظر إلى حال السلطة الفلسطينية سيجدها تعيش بين تيارين متصارعين: الأول دحلان، والثاني عباس. وأنصار كل واحد منهما يسعى إلى السيطرة وإلغاء الآخر، ما انعكس سلبًا على مؤسسات السلطة الفلسطينية، سواء في غزة أو الضفة، فضلا عن تزعزع التعاطي الدولي مع الملف الفلسطيني؛ لتفاقم الخلاف بينهما.

إسرائيل وأمريكا تروجان لانهيار السلطة

في تصريحات القادة الإسرائيليين، تجد اهتمامًا كبيرًا في تسليط الضوء على تداعيات واحتمالات انهيار السلطة الفلسطينية، حتى إنه لأول مرة في إسرائيل تناقش الحكومة برئاسة بنيامين نتنياهو، حال ما بعد الانهيار، لاسيما حينما اعتبرت ذلك «مُجرد مسألة وقت»، قد لا تستغرق أشهر قليلة قادمة.

وأصرت التصريحات الإسرائيلية وقتها، على أنه لا يمكن منع انهيار السلطة الفلسطينية، وأن انهيار السلطة يعني انتهاء اتفاق أوسلو، وأنه على عباس البحث عن بدائل أو خيارات خلال المرحلة المقبلة، بعد «عجزه» وضع حدّ لانتفاضة القدس المستمرة حتى اللحظة.

استندت التوقعات الإسرائيلية إلى قرب انهيار السلطة بوقوع صراع داخلي عنيف داخل السلطة الفلسطينية مع انتهاء حقبة الرئيس عباس، ودخول مؤسساتها في صراع كبير قد لا يحمد عقباه، لاسيما الخلاف الكبير مع دحلان.

تصاعد التصريحات الإسرائيلية بشأن قرب انهيار السلطة، بدأ مع انتفاضة القدس، حيث يحمل تفككها، وفقًا للرؤية الإسرائيلية، فرصة لعملية سياسية تحظى بدعم دولي تدريجي لإقامة حكم ذاتي للفلسطينيين، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، وتنفيذ خطة اليمين الإسرائيلي بتطبيق السيادة الإسرائيلية على مناطق «ج» في الضفة الغربية.

يتوافق ذلك مع عدم قدرة السلطة الفلسطينية على وقف انتفاضة القدس، إلى جانب حالة اليأس التي يمر بها محمود عباس، واستقالته المتوقعة، والتي تنذر بقرب احتمالات سقوط السلطة.

الموقف الأمريكي لا يختلف في ظاهره عن الإسرائيلي، وإن اتخذ منحا آخر في تحذيراته بتفكك السلطة، وليس انهيارها، بيد أنه لفت إلى مخاطر ذلك على الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، والذي من شأنه أن يهدد أمنهما معا.

تطالب أمريكا منذ وقت، وحتى الآن، قيادة السلطة الفلسطينية بفعل المزيد لمنع ومكافحة ما أسماه العنف ضد إسرائيل، وإسرائيل بعدم السماح بتفكك السلطة الفلسطينية وانهيارها؛ لأن ذلك سيجعل إسرائيل تسيطر على كل مسئوليات الحكم في الضفة الغربية.

لكن، وعلى الرغم من ذلك، فإن الضغط والتهديد الإسرائيلي لا يتعلق بأي اتجاه نحو السماح بانهيار السلطة، أو العمل على انهيارها، وإنما هو مربوط بتخويف قيادة السلطة، وشن حرب نفسية عليها.

وثمة من يرى أيضًا أن هذا الضغط قد آتى أكله، بدرجة أو بأخرى، حيث رفعت السلطة مستوى التنسيق الأمني بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة، ووسعت من دائرة تعاونها مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بالتزامن مع توسع الهبات الجارية داخل باحات الأقصى ومدن الضفة المحتلة.

إلا أن ذلك لا يمنع كما يرى بعض الساسة في السلطة الفلسطينية بدعوة عباس المجلس المركزي الفلسطيني وخطابه العام الماضي إزاء مراجعة الاتفاقيات السياسية والأمنية والاقتصادية مع الاحتلال.

ومع أن جولات المصالحة لم تحسم بعد بين حماس وفتح، فإنه حريّ بهما حسم خياراتهما الوطنية باتجاه الصالح الفلسطيني العام، وإنجاز المصالحة الفلسطينية الداخلية القادرة على توحيد الصف الفلسطيني في مواجهة إسرائيل، وإن كان ذلك أمرا مستبعدا في ظل تعنت كل طرف بخياراته.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد