16,897

قد تنبهر من الوجه الذي ظهرت به بلجيكا في مونديال روسيا 2018، ولكن نوعًا آخر من الانبهار قد ينتاب شعورك، عندما تتعرف إلى الوجه «الوحشي» لللتاريخ الاستعماري البلجيكي الذي بلغ أشده بقتل ملك بلجيكا 10 ملايين من مواطني الكونغو، البلد الأصلي لروميلو لوكاكو الهداف التاريخي لـ«الشياطين الحمر»!

ملك بلجيكا يقتل 10 ملايين في «الكونغو الحرة»

بعيدًا عن الوجه المضيء الذي ظهرت به بلجيكا في المونديال، يحمل التاريخ البلجيكي وجهًا شيطانيًّا من الاستعمار في أفريقيا وبالأخص الكونغو التي كان لها الحظ الأوفر من القُبح البلجيكي الذي استمر عقودًا طويلة، وتضمن قتل أكثر من 10 ملايين مواطن.

أحد أكبر أبطال الاستبداد البلجيكي للكونغو؛ كان ليوبولد الثاني ملك بلجيكا خلال الفترة من عام 1885 وحتى 1909، الذي وجد في الكونغو وجهة استعمارية مناسبة لبلجيكا الصغيرة التي لم تكن تتعدى مساحتها حينها 1- 72 من مساحة الكونغو.

واستغل ليوبولد جهل سكان الكونغو وقبائلهم البسيطة الأميّة التي لا تستطيع القراءة والكتابة، وخدعهم ليوقعوا على عقد جائر استهل به مسيرته الاستبدادية والاستعبادية لأهالي الكونغو؛ إذ نص العقد على: «في مقابل قطعة واحدة من الملابس في الشهر، تُقدم إلى كل من زعماء القبائل الموقعين أدناه، بالإضافة إلى هدية من الملابس لكلٍّ منهم، يتخلى زعماء القبائل طوعًا ومن تلقاء أنفسهم، وورثتهم وخلفائهم للأبد عن كافة حقوقهم في جميع أراضيهم إلى «الجمعية» (بزعامة ليوبولد)، ويلتزمون بتوفير ما يُطلب منهم من عمالة، أو غير ذلك من الأعمال، أو الإصلاحات، أو الحملات العسكرية التي تعلنها «الجمعية» في أي وقت، وفي أي جزء من هذه الأراضي، كل الطرق والممرات المائية التي تمر في هذا البلد، والحق في تحصيل الرسوم عنها، وجميع حقوق صيد الحيوانات والأسماك، والتعدين، والغابات، تكون ملكيةً مطلقةً للجمعية».

اللافت أنه بعد إبرام هذا العقد الاستعبادي أطلق ليوبولد اسمًا جميلًا على مستعمرته الجديدة يُدعى: «دولة الكونغو الحرة»! نعم «الحرة» مثلما قرأت تمامًا، ليبدأ بعد ذلك في تنفيذ ما يُخالف كل معاني الحرية، واستغلال الثروة الكونغولية، باستعباد أهلها.

ملك بلجيكا ليوبولد الثاني 

ففي ذلك الوقت الذي انبهر العالم باختراع عجلات السيارات المطاطية القابلة للنفخ، كانت الكونغو أرضًا خصبة لأشجار المطاط الذي يحتاج إلى ما لا يقل عن 15 عامًا ليكون صالحًا للاستخدام، وفي «الكونغو الحرة» اعتاد جنود ليوبولد اقتحام قرى قبائل الكونغو؛ ليأخذوا النساء رهائن حتى يجبروا رجالهم على الذهاب إلى الغابات وحصد عصارة المطاط بلا هوادة وفوق الطاقة، ومن لا يجمع الحصة المحددة، عليه أن يتحمل قطع يديه تمامًا، أو التعذيب بالسياط وحتى الموت أحيانًا، ومن ينجو من موت التعذيب، يمكن أن يموت تحت وطأة العمل ساعات طويلة، أحيانًا بلا طعام أو شراب.

هذه خيارات ليوبولد لرجال الكونغو، أم نسائهم الرهائن فلم يأمنّ من ممارسات جنوده المألوفة من اغتصاب أو تعذيب أو تجويع حتى الموت، أما بقية أفراد الأسرة من أطفال وعجائز ورجال ضعفاء، فقد مات كثير منهم جوعًا بعدما اجتاحت المجاعات الكونغو مع عجز الرجال المستعبدين عن توفير أساسيات الحياة لهم أو لأسرهم، وكذلك انتشرت الأوبئة التي أودت بحياة الملايين، لتبلغ الحصيلة الإجمالية لضحايا استعمار ليونلد نحو 10 ملايين قتيل، بحسب صحف أوروبية وصفته بـ«هيتلر المنسي»، نفّذ «هولوكوست مخفي» في الكونغو على حد تعبير صحيفة الجارديان البريطانية.

«الكونغو البلجيكية» اسم جديد لاستعمار مستمر

بعدما فاحت رائحة انتهاكات ليوبولد في الكونغو على الصعيد الدولي، زادت الضغوط على بلجيكا لوضع نوع من المحاسبية والإشراف، لترد بلجيكا بتغيير الاسم القديم «سيئ السمعة» للكونغو، وتحوله من «الكونغو الحرة» إلى «الكونغو البلجيكية» وهو اسم جديد كان بداية لفترة استعمارية جديد منذ عام 1908 في نهاية حكم ليوبولد وحتى عام 1960، مع إعلان الكونغو استقلالها.

وفي تلك الفترة حاولت بلجيكا الظهور بدور «الأب» الذي يرعى «أبناء» الكونغو، ويمتلك الأب جميع الصلاحيات، فيما يُحرم الابن الكونغو من أي صلاحيات متعلقة بالحكم أو التشريع، في حين عمل زعماء قبائل الكونغو لجمع الضرائب وتوظيف العمالة، أما «الابن العاق» الذي يخرج عن النص ولا يكون متعاون مع الحكومة بما يكفي، فمصيره العزل والإقالة.

وأصبحت الكونغو ساحة ليست فقط لبلجيكا، وإنما أيضًا لشركات الدول الغربية الكبرى مثل: بريطانيا، وأمريكا للاستثمار فيها بكثافة؛ للاستفادة من أشجار المطاط والقطن والبن والكاكاو، واستخراج معادن مثل الماس والذهب والفضة والنحاس والقصدير والزنك، كذلك أصبحت المستعمرة مصدرًا رئيسيًّا لليورانيوم بالنسبة لأمريكا خلال الحرب العالمية الثانية.

ولا مشكلة في العمالة؛ فعمالة الكونغو متوافرة ورخيصة بعقود دائمة تمتد من أربع إلى سبع سنوات، بقانون بلجيكي صدر عام 1922، وعمل فيه الأفارقة بـ«نظام السُخرة» والعمل القسري؛ لإنشاء الطرق والسكك الحديدية والمحطات الكهربائية والمنشآت العامة.

ولكن أبناء الكونغو انزعجوا من تسلّط «الأب» البلجيكي، وخرجت احتجاجات شعبية في مقاطاعات بالكونغو عقب الحرب العالمية الأولى، وخلال الحرب العالمية الثانية، وفي الخمسينيات نشط الحراك السياسي نسبيًّا في الكونغو، وفي عام 1958، أسس باتريس لومومبا مع زملائه أول حزب كونغولي يحمل اسم «الحركة الوطنية الكونغولية»، قاد التحركات السياسية والشعبية المطالبة بانهاء الاحتلال البلجيكي، وانتزاع الكونغو استقلالها الوطني.

لومومبا بعد خروجه من السجن عام 1960.

وفي يناير (كانون الثاني) عام 1959، احتشد الكونغوليون في تجمع حاشد يدعو إلى استقلال الكونغو؛ وفي وقت لاحق من العام نفسه وقعت مشادات عنيفة بين القوات البلجيكية والكنغوليين المطالبين بالاستقلال لتستسلم بلجيكا في النهاية، وتنتزع الكونغو استقلالها من الاحتلال البلجيكي في يونيو (حزيران) 1960، ذلك العام الذي كان فيه تعداد الكونغو 13 مليون نسمة، بينهم 16 خريجًا جامعيًّا فقط، بحسب ما أفاد والتر رودني في كتابه «أوروبا والتخلف في أفريقيا» في فصل «الاستعمار كنظام لتخلف أفريقيا».

بدعم بلجيكي.. ماذا فعل «سيكو» في أول رئيس وزراء منتخب؟

عقب انتهاء الاحتلال البلجيكي للكونغو «على الورق»، استمرت تدخلات بلجيكا في الشأن الكونغولي، وفي أول انتخابات للكونغو، تمكّن لومومبا من حصد أكثرية الأصوات من بين نحو 100 حزب تقدموا للانتخابات، وحاولت بلجيكا التي أشرفت على الانتخابات دعم حلفائها على حساب لومومبا، ولكن الدعم الشعبي للومومبا الثائر القديم ضد الاحتلال، جعل منه أول رئيس وزراء منتخب في تاريخ الكونغو، ولكن لأقصر فترة ممكنة!

فمنذ تسلم لومومبا السلطة في 23 يونيو 1960، بدأت بلجيكا في دعم حركات تمرد عسكرية داخلية في الكونغو قادها حلفاؤها وعلى رأسهم الجنرال مويز تشومبي، الذي قاد تمرد عسكري للجيش أعلن خلاله انفصال إقليم كاتنغا عن الكونغو، وهو الأقليم الأغنى في البلاد.

لتتوجه قوات بلجيكا إلى كاتنغا بهدف «ظاهري» يتمثل في حماية مواطنيها هناك، وآخر «حقيقي» يتمثل في تثبيت نظام تشومبي الانفصالي، ليلجأ لومومبا للأمم المتحدة لدعم بلاد موحدة ووقف الانفصال، ولكنها خذلته ولم تسعفه، مما دفعه لمناشدة الاتحاد السوفيتي والدول الأفريقية المجاورة للوقوف وراءه لوقف الانفصال.

ولم تبالِ القوى الغربية بانفصال الكونغو، ولكنها استيقظت وقلقت بشدة عندما سمعت استغاثة لومومبا بـ«الاتحاد السوفيتي»، لتدعم الرئيس جوزيف كازافوبو، الذي عزل بدوره لومومبا من منصب رئاسة الوزراء في 5 سبتمبر (أيلول) 1960 أي بعد نحو شهرين ونصف من تولي لومومبا المنصب.

بدأ الأخير في صراع على شرعية تلك الخطوة، وظهرت حكومتان تدّعي كل منهما أنها الحكومة المركزية القانونية الشريعة، قبل أن يتدخل الجيش في 14 سبتمبر 1960، ويستولي قائده موبوتو سيسي سيكو على السلطة، ويتوصل لاحقًا إلى اتفاق مع كازافوبو، أقرته الأمم المتحدة، قبل أن يحكم سيسي سيكو لاحقًا الكونغو ليس عدة أسابيع كما حكم لولومبا، وإنما نحو 32 عامًا من 1965 إلى 1997، عقب انقلاب عسكري نفذه سيسي سيكو على كازافوبو!

موبوتو سيسي سيكو

وبعد إطاحة لومومبا من منصبه، حاول الرجل السفر من ليوبولدفيل إلى ستانليفيل –حيث يسيطر أنصاره- قبل أن تتمكن قوات سيسي سيكو من اعتقاله، وحاول لومومبا الاستغاثة بالجنود المحليين للأمم المتحدة التي خذلته مرة أخرى، وسمحت لبلجيكا بتسليمه إلى النظام الانفصالي في كاتنغا، حيث تعرض لومومبا للإعدام هو واثنين من رفاقه، في 17 يناير 1961، من فرق اغتيالات كونغولية بقيادة بلجيكية، أمام مرأى ومسمع عدو لومومبا اللدود، سيسي سيكو واثنين من وزرائه.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل استدعى وزير داخلية كاتنغا شرطيًّا بلجيكيًّا كبيرًا إلى مكتبه يُدعى جيرارد سويتي، وأمره بإخفاء عملية القتل، قائلًا له: «عليك بتدميرهم وإخفائهم، كيف؟ هذا لا يهمني» بحسب شهادة سويري نفسه في تحقيق لموقع «بي بي سي»، تحت عنوان «من قتل لومومبا؟»، قال فيه إنه أخرج جثة لومومبا من قبر ضحل وقطّعها إلى أجزاء وأذابها بحمض في منجم قريب تديره شركة بلجيكية، موضحًا: «لقد فعلنا أشياء لم تفعلها الحيوانات، كنا في حالة سُكر، وعندما نفذ منا الحمض، أشعلنا النار في ما تبقى منه، ولم يكن هناك بعد ذلك أي أثر للرفات البشري».

عقود من الديكتاتورية والحروب الأهلية في «الكونغو الديمقراطية»

اغتيال لومومبا وصفته صحيفة «الجارديان» البريطانية بأنه «الأهم في القرن العشرين»، وأعقبه سنوات وعقود من الحكم القمعي والحروب الأهلية والإقليمية ارتبطت بالصراع على السلطة، ومن بينها حرب الكونغو الثانية، والتي راح ضحيتها نحو 5.4 ملايين قتيل، معظمهم مات بسبب المرض والمجاعة، وتصنف ضمن أكثر الحروب ضحايا في التاريخ، وخلال 58 عامًا على استقلال الكونغو، لم يمر عليها سوى أربعة رؤساء فقط، ولم تشهد «الكونغو الديمقراطية» أي تداول سلمي ديمقراطي للسلطة.

جوزيف كابيلا الرئيس الحالي للكونغو الديمقراطية

وفي عام 2001، اغتيل الرئيس الثالث للكونغو لوران كابيلا، ليتولى نجله جوزيف كابيلا رئاسة البلاد منذ ذلك الحين وحتى الآن، ومع انتهاء ولاية كابيلا منذ 2016، إلا أن الرجل لم يُجرِ انتخابات رئاسية بعد، ولم يترك السلطة بعد، ويماطل في الأمر منذ عام ونصف، ومن المزمع إقامة الانتخابات الرئاسية نهاية العام الحالي 2018، ويجهز البرلمان منذ أسابيع قليلة، قانون لحماية الرؤساء السابقين، والذي سيستفيد منه فقط كابيلا والرؤساء القادمون؛ إذا ما سلّم كابيلا السلطة؛ لأنه سيكون بذلك الرئيس السابق الوحيد الذي لا يزال على قيد الحياة منذ استقلال الكونغو.

وفي 30 يونيو 2018، الذي يوافق الذكرى السنوية رقم 58 لاستقلال الكونغو، تذكرت بلجيكا ما فعلته ضد لومومبا، وسمّت أحد ميادينها باسمه تكريمًا له بعدما سجنته قبيل الاستقلال، وساعدت على الانقلاب ضده وقتله، في خطوة تبدو متأخرة جدًا كتأخر بدئها في 2002، إذ فتح تحقيق تاريخي لجرائم ليوبولد في الكونغو، أي بعد نحو قرن من تنفيذها، وهي جرائم أودت بحياة 10 ملايين كونغولي، وهو رقم يقترب من تعداد سكان بلجيكا الحالي الذي يبلغ 11.5 ملايين!

أي جنسية تختار: المصنفة رقم 14 عالميًّا أم 160؟

يعج منتخب بلجيكا بجواهر سمراء من أصل كونغولي على رأسهم روميلو لوكاكو، الهداف التاريخي للشياطين الحمر، وبديله ميتشي باتشواي، وصخرة الدفاع فينسينت كومباني، ضمن كتيبة لاعبين في بلجيكا من جذور كونغولية وأجنبية، كانوا من المهاجرين إلى بلجيكا.

Embed from Getty Images

روميلو لوكاكو

وقد يتساءل البعض: لمَ لا يتمسك هؤلاء اللاعبون بأصولهم الكونغولية؟ ولكن هذا الخيار يبدو صعبًا؛ فليس من السهل التمسك بجنسية بلد مثل الكونغو التي تقع ضمن أقل 10 جنسيات في العالم، على حساب الجنسية البلجيكية التي تقع ضمن أقوى 20 جنسية في العالم.

فبحسب المؤشر العالمي الأحدث لقوة الجنسية عام 2017 -والذي يتضمن تصنيف 209 دولة في العالم خلال 167 مركزًا؛ نظرًا إلى حصول بعض الدول على المركز نفسه، فقد حصلت بلجيكا على المركز رقم 14 عالميًّا، فيما حلّت الكونغو الديمقراطية في المركز رقم 160 عالميًّا، في ذلك المؤشر الذي يصنف البلاد وفقًا لثلاث معايير أساسية، وهي: القوة الخارجية للجنسية، وحرية الإقامة، وحرية السفر، ويتضمن معيار حرية السفر قدرة حاملي الجنسية على السفر إلى أكبر عدد من بلدان العالم بدون تأشيرة.

وهو فارق في المستوى يبرز تأثير الاستعمار البلجيكي على الكونغو، واستفادة بلجيكا ليس فقط بالمطاط والمعادن الثمينة: الماس والذهب والفضة، وإنما استفادتها أيضًا من جواهر سمراء بقيمة لوكاكو، ربما لم تكن لتستفيد منها لولا الاستعمار البلجيكي الذي غيّر من شكل بلجيكا والكونغو على حد سواء.