15,781

كانت العديد من المدن الإيرانية تشهد عروضًا عسكرية يحضرها كبار القادة المدنيين والعسكريين في بداية ما يعرف باسم «أسبوع الدفاع المقدس» في الذكرى الثلاثين للحرب العراقية الإيرانية، من بين تلك العروض كان العرض الذي أقيم في منطقة الأحواز بمحافظة خوزستان غربي البلاد، فجأة يقطع بهجة الاحتفالات عيارات نارية تصورها البعض جزءًا من العرض العسكري، قبل أن يتأكد لديهم أن النيران ليست صديقة، بعدما تسببت تلك الطلقات في وقوع إصابات.

«هيبة» الحرس الثوري تترنح

بجسب الرواية الرسمية الإيرانية، فقد كان الهجوم على العرض العسكري في الأحواز من تنفيذ أربعة مسلحين، كانوا يخبئون أسلحتهم في حديقة متاخمة لموقع العرض العسكري، وكانوا متنكرين في زي قوات الحرس الثوري و«قوات التعبئة الشعبية (الباسيج)»، أطلق اثنان منهم النار بشكل عشوائي وهما يستقلان دراجة نارية، فيما هاجم المسلحان الآخران المنصة من جهة الخلف، وحاول المسلحون الفرار بعدها لتتعقبهم قوات الأمن التي نجحت في قتل ثلاثة منهم، فيما تُوفي المسلح الرابع متأثرًا بجراحه بعد اعتقاله.

ووفقًا لـ«وكالة أنباء فارس» الإيرانية شبه الرسمية، فقد خلف الهجوم نحو 29 قتيلًا و70 جريحًا من الحرس الثوري والمدنيين، ذُكر من بينهم المرافق الشخصي لقائد الحرس الثوري في منطقة خوزستان، فضلًا عن عقيد بالحرس الثوري، وعسكريين ذكر أنهم كانوا في جبهات القتل بسوريا والعراق.

المشهد الذي أرادته إيران أن يكون رمزًا تستحضر به ذكرى «انتصارها» العسكري في الحرب مع العراق قبل ثلاثة عقود، قد جاء على النقيض تمامًا؛ إذ يعد ذلك أعنف هجوم تشهده إيران منذ نحو عقد من الزمن، كما أن وقوع إصابات في صفوف قوات الحرس الثوري في مناسبة يفترض أنها أقيمت لتمجيد «الصمود» الإيراني في وجه عراق صدام، يعد ضربة معنوية كبرى للعسكرية الإيرانية التي تمد أذرعها في المنطقة، ولهذا فقد كان للهجوم تداعياته الكبرى سياسيًا وإعلاميًا في داخل إيران وخارجها.

«داعش» يتبنى العملية.. ولكن!

كان لافتًا مسارعة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» إلى تبني الهجوم في الأحواز، لكن المسؤولين الإيرانيين سارعوا في المقابل إلى نفي إمكانية أن تكون تلك العملية من تخطيط وتنفيذ «داعش»، فبحسب مسؤول دبلوماسي إيراني في تصريحات صحافية فـ«داعش» ليس له مصداقية؛ فهو يحاول استغلال الأحداث وينسبها لنفسه، ولذلك فبيانه بشأن تبني العملية التي تمت في منطقة الأحواز في جنوب غرب إيران غير حقيقي.

وتعيد تلك الهجمات الدموية التي استهدفت العمق الإيراني، وتبني «داعش» لها، إلى الأذهان الهجمات التي شهدتها العاصمة طهران في يونيو (حزيران) الماضي، حيث استهدف انتحاريون بالتزامن مقر مجلس الشورى الإيراني (البرلمان)، وضريح الإمام الخميني مؤسس نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وهي الهجمات التي أودت بحياة 12 شخصًا وراح ضحيتها عشرات آخرون، وتبناها التنظيم كذلك في حينها في بيان على وكالة «أعماق» التابعة له، رغم أنه لم يقدم دليلًا ملموسًا على مسؤوليته عنها.

وقد جاءت هجمات العام الماضي بعد شهور قليلة من شريط فيديو بثه التنظيم باللغة الفارسية، وصلت مدته إلى 36 دقيقة وحمل اسم «بلاد فارس بين الأمس واليوم»، دعا فيه التنظيم إلى مهاجمة الحوزات الشيعية، كما هدد صراحة باستهداف المؤسسات الإيرانية «بسبب قيام النظام الإيراني بمطاردة واضطهاد المسلمين السنة»، كما أُعلن عن تشكيل قوة عسكرية خصصت لهذا الغرض حملت اسم «كتائب سلمان الفارسي»، وعرضت مشاهد لتدريب أفراد تلك القوة.وقد اعتبر المطلعين على الشأن الجهادي هذا الفيديو في حينه نقطة تحول في استراتيجية التنظيم تنذر بالمزيد من عنف التنظيم الذي يستهدف الداخل الإيراني، الذي بقي بعيدًا عن دائرة استهداف التنظيم لسنوات طويلة.

لكن وفي حين لاقى إعلان التنظيم مسؤوليته عن هجوم طهران العام الماضي بعض الجدية، فإن الكثير من المتابعين شككوا في قدرة التنظيم على تنفيذ الهجوم الجديد في الأحواز، لاسيما أنه يجيء في ظل انتكاسة تعرض لها التنظيم في معاقله بسوريا والعراق، وتقهقره على جميع الجبهات، إلى حد اعتبار البعض له أنه قد وصل إلى مرحلة «الاحتضار»، ومن ثم فإن إعلانه المسؤولية عن هجوم بهذا الهجوم يقابل بالكثير من الشكوك، هذا فضلًا عن النفي الإيراني الرسمي، وتبني مجموعة أحوازية أخرى المسؤولية عن هذا الهجوم كما سيرد لاحقًا.

هل فعلها عرب الأحواز؟

في ظل التقديرات التي تشير إلى تضاؤل احتمالية قيام «داعش»  بتنفيذ العملية، اتجهت الأنظار إلى «حركة النضال العربي لتحرير الأحواز» التي تبنت هي الأخرى المسؤولية عن العملية، فقد نقلت «روتيرز» عن يعقوب حر التستري أن «المقاومة الوطنية الأحوازية» التي تشكل مع فصائل أخرى تلك الحركة – وهي منظمة عربية مناهضة للنظام الإيراني – هي المسؤولة عن الهجوم المسلح على العرض العسكري.«»

ومنطقة الأحواز تشير إلى إقليم يقع غربي إيران، بمحاذاة الحدود العراقية ويمتد جنوبًا إلى مضيق هرمز، ويتميز هذا الإقليم خاصة بخصوبة أراضيه، ووفرة إنتاجه الزراعي والحيواني، كما أن اكتشاف النفط به قد ضاعف من أهميته الاستراتيجية، حيث تتوفر المنطقة على مخزونٍ كبير من الذهب الأسود، وتعد مدينة عبدان أهم مركز تكرير وتصدير للبترول بإيران، كما أنها مرفأ استراتيجي يُتيح لإيران واجهة على الخليج العربي وعلى خطوط الملاحة الدولية.

ويعد أغلب سكان الأحواز – الذين تغيب الإحصاءات الموثقة عن أعدادهم لكن التقديرات تشير إلى تجاوزهم المليون نسمة – من العرب السنة، الذين قدم أسلافهم إلى المنطقة عبر هجرات قديمة متعاقبة منذ  الفتح الإسلامي، ويعتبر بعض المؤرخين الغربيين أن الأحواز جزءًا من الجزيرة العربية، وخلال القرن 16 شهدت الأحواز قيام إمارة عربية فصلت بين للدولة الصفوية في إيران والدولة العثمانية عرفت باسم «الدولة المشعشعية»، والتي دامت لمدة خمسة قرون، حتى عام 1724 لتخلفها «الدولة الكعبية» التي شهدت فترات ازدهار حتى فاقت قوتها أحيانًا قوة الدولة الصفوية في إيران.

ظلت إيران تتطلع إلى السيطرة على الأحواز منذ القرن 19، حتى تحقق لها ما أرادت حين تمكنت الدولة البهلوية الإيرانية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1925 من استدراج الشيخ خزعل آخر حكام الدولة الكعبية، لينتهي بذلك الحكم العربي في الإقليم وتبدأ مرحلة من السيطرة الإيرانية على الإقليم، وقد توالت انتفاضات عرب الأحواز في وجه الهيمنة الإيرانية، وكان الإقليم شريكًا فعالًا في ثورة الخميني على حكم الشاه 1979، لكن نظام الخميني قد أدار وجهه لمطالب الإقليم؛ لتستمر بذلك سنوات تهميش العرب والمسلمين السنة فيه.

ووفقًا لتقارير حقوقية عدة، فأهل الأحواز من العرب السنة يعانون الاضطهاد والتهميش من الحكومة الإيرانية، كما تمثل مشكلة التلوث البيئي خطرًا حقيقيًا يهدد صحة الأهالي هناك، بسبب انبعاث الغازات السامة من مراكز تكرير البترول القريبة، في ظل تجاهل الحكومة الإيرانية لحل هذه المشكلة التي تهدد إقليم الأحواز بشكل خاص.

ولم تتوقف محاولات أهل الأحواز لاستعادة ماضيهم العربي، والتحرر من قبضة حكومة طهران، ومن بينها «حركة النضال  العربي لتحرير الأحواز» التي تبنت العملية الأخيرة ضد الحرس الثوري، والحركة هي منظمة أسسها في 1999 مجموعة من عرب الأحواز المقيمين في أوروبا، والتي باشرت عملياتها المسلحة ضد الحكومة منذ عام 2005، مع ظهور تقارير تتحدث عن نية الحكومة الإيرانية تهجير أهل الأحواز العرب من الإقليم.

وتبنّت الحركة  قبل ذلك العديد من العمليات، مثل اغتيال رئيس شعبة المعلومات في خوزستان حسين شريفي، وتفجير خط لنقل الغاز المسال في جنوب البلاد عام 2016، كما أنها اتهمت الحكومة الإيرانية بالمسؤولية عن اغتيال زعيمها أحمد مولى في هولندا في نوفمبر 2017.

أصابع الاتهام تتجه إلى الخارج

في الوقت الذي وجهت فيه السلطات الإيرانية أصابع الاتهام حول العملية إلى «منظمات أحوازية» عربية، لوحظ التأكيد الشديد من قبل المسؤولين الإيرانيين كافة على أن المنفذين يتمتعون بحاضنة إقليمية ودولية؛ إذ لم يمض وقت طويل قبل أن يغرد وزير الخارجية الإيرانية جواد ظريف متهمًا «عملاء نظام أجنبي» بالمسؤولية عن العملية، متوعدًا «بالرد بسرعة وحسم» عليها، قائلًا: «هاجم إرهابيون الأحواز بعد أن قام نظام أجنبي بتجنيدهم وتدريبهم وتسليحهم ودفع الأموال لهم».

جاء هذا فيما ذكر الجيش الإيراني أن منفذي الهجوم «مدعومون من دولتين خليجيتين، ولهم صلات بالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل»، في إشارة إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهو الاتهام الذي تكرر على لسان الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي اتهم واشنطن «ودولا دمى»، بزعزعة الأمن في المنطقة، مؤكدًا بأن تلك الدول «ستندم» على تصرفاتها.

استشهاد مجموعة من أهلنا في الأحواز على أيدي إرهابيين مرتزقة يظهر فظاعة وخبث أعداء إيران، هؤلاء المرتزقة منعدمو الرحمة الذين أطلقوا النار على الأطفال والنساء والرجال الأبرياء، يعتمدون على داعمين مزيفين لحقوق الإنسان… جريمتهم استمرار للمؤامرات التي تقودها الأنظمة المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، والتي تهدف إلى زعزعة استقرار بلدنا الحبيب* المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران على خامنئي متهمًا الولايات المتحدة وحلفاءها بالمسؤولية عن الحادث.

وقد قوبلت تلك الاتهامات برفض من الإدارة الأمريكية التي استنكرت التصريحات الإيرانية، حيث علقت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي على تصريحات الرئيس الإيراني قائلة «إنه بحاجة إلى النظر إلى قاعدته لمعرفة من أين يأتي هذا. يمكنه أن يلقي باللوم علينا كما يريد. الشيء الذي يتحتم عليه أن يفعله هو أن ينظر إلى المرآة»، كما رفض وزير للدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش التلميحات الإيرانية بحق بلاده، واصفًا إياها بأنها «اتهامات لا أساس لها من الصحة»، وأنها تساق «للتنفيس المحلي»، ليس إلا.