في عام 1963 أعلن الشاه محمد رضا بهلوي، آخر سليل العائلة المالكة في إيران، الثورة البيضاء التي نادى فيها لأول مرة بحقوق المرأة بالمشاركة في الانتخابات والتعليم اللاديني، لكنّ مشروعه سُرعان ما اصطدم بـآية الله الخميني – الأب الروحي للثورة الإسلامية فيما بعد – الذي هاجم الشاه بفتواه التي جاء فيها: «النظام الظالم يهدف إلى إقرار تساوي حقوق المرأة والرجل»، ولم تكن هذه الكلمات سوى مجرد بداية للدماء التي تناثرت في الشوارع بعدما اعتُقل الخميني؛ ليضطر الشاه في النهاية إلى التراجع عن مشروعه، لكنه لم ينس الهزيمة التي صعد بها نجم المرجع الشيعي؛ فأمر بنفيه خارج البلاد لإبعاده عن السياسة.

وفي النجف – جنوب غرب بغداد – البلدة ذات القدسية الشيعية الأعظم، ومَرقد الإمام علي بن أبي طالب – بحسب روايات شيعية – مكث آية الله الخميني 13 عامًا يؤسس لنظرية «ولاية الفقيه» التي تُرسخ للزعامة الدينية في الحُكم والسياسية، وهي الأفكار التي تحولت بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 إلى منهج واضح لتأسيس دولة إسلامية، والأهم أنها تتبنى تصدير الثورة والفكرة إلى البلدان الإسلامية لتشكيل هُوية جديدة بعيدًا عن الانقسام المذهبي، بحسب وجهة نظر مؤسس نظرية «ولاية الفقيه».

وكما دخلت الدول العربية حربًا ضد إيران بسبب ثورتها (حرب الخليج الأولى)، دخلت كذلك الحوزة الدينية في النجف العراقية صراعًا كبيرًا برئاسة مرجعها الشيعي أبي القاسم الخوئي ضد حَوزة قُم الإيرانية التي مثلت مركزًا  لنشر أفكار الخميني، وبعد موت الاثنين انتقل الصراع بالوراثة إلى تلاميذهما: أية الله علي السيستاني، وآية الله خامنئي.

علي السيستاني.. أن يتخذ شيعي طريقًا بعيدًا عن أفكار الخميني

السيستاني يرفض ولاية الفقيه، ولا يعترف بمنصب المرشد الإيراني

في عهد الشاه رضا بهلوي عام 1930، ولد السيستاني في مدينة مشهد المقدسة، أعظم مدن خُراسان، وثاني أكبر مدينة بعد العاصمة طهران. وبحسب المعلومات التي نشرها الموقع الرسمي للسيستاني فإن نسبه يمتد إلى الإمام علي بن أبي طالب، وشرف النسب لا يتوقف عند كونه سليل آل البيت وحسب؛ فأسرته لها صيتٌ واسع في الأوساط العلمية الدينية في الإيران؛ فكان أحد تلاميذ جده آية الله محمد حسن الشيرازي المرجع الشيعي الأشهر، وصاحب الفتوى الدينية بتحريم التبغ، والتي أدت لاندلاع ما عُرف باسم ثورة التنباك في عهد الدولة القاجرية عام 1890.

Embed from Getty Images

(حجاج شيعة في ذكرى الأربعين الحسينية بمدينة كربلاء)

وفي سنّ الخامسة تلقى الصغير نشأة دينية خاصة؛ فحفظ القرآن، وبدأ في تلقي العلوم الدينية، فلما كاد يُكمل 20 عامًا رغب أبواه في أن يستكمل دراسته، فأرسلاه إلى مدينة قُم؛ حيث الحوزة الدينية الكبيرة التي خاضت معركتها ضد الشاه الذي سحب صلاحياتهم؛ ففرض عليهم التجنيد الإجباري، وسحب منهم الامتيازات القضائية، كما قاد حملة تغريب واسعة؛ فألغى التقويم الهجري، ووضع قانونًا يتطلب من الجميع ارتداء الملابس الغربية، باستثناء القليل، كما حظر الحجاب، وشجّع النساء على خلعه، حتى أنّ ابنته رَعت حدثًا رياضيًا للفتيات لأول مرة برأسٍ مكشوف.

لكنّ السيستاني آثر الرحيل إلى العراق عام 1949، بعد عامين فقط من مكوثه في قم، وفي حوزة النجف الدينية، المدرسة التي تحتل مكانة بارزة في تعليم المذهب الشيعي منذ أكثر من ألف عام، تلقى الطالب الإيراني تعليمه بعيدًا عن السياسة والصراع، حتى حصل على إجازة بالاجتهاد من شيخيه آية الله أبي القاسم الخوئي، وآية الله حسين الحلي، وحتى الآن لم  يكن شاه إيران قد أطلق ثورته البيضاء بعد.

وحين وصل الخميني إلى النجف في منفاه الاختياري عام 1965، أخذ يُلقي دروسه الدينية، ويروج لمشروع إقامة دولة إسلامية على أساس ديني، وهي الفكرة  التي استعرضها في خُطبه التي جُمعت في كتابه «الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه»، وأُدخلت سرًا إلى إيران عبر شرائط الكاسيت، وبالرغم من أنّ علماء الشيعة في النجف كانوا يعترضون على أفكار الخميني، إلا أنّ أحدًا لم يتعرض له؛ نظرًا لأنّه لم يسع لفرض أفكاره خارج تلاميذه وأتباعه.

وعندما نجحت الثورة الإيرانية، عاد الخميني من أوروبا إلى إيران، وأصبح أول مرشد للثورة الإيرانية، لكنّ السيستاني ظل في العراق يؤيد المرجع الشيعي أبا القاسم الخوئي الذي انتقد فكرة الولاية، حتى أنه اعتبر أنه «حتى أولئك العلماء الشيعة الأكثر تضلعًا في علوم الدين لا يمتلكون حقًا كهذا»، وحتى اليوم لازال السيستاني – الذي يستقر في النجف – يُهدد نظرية ولاية الفقيه؛ لأنه يلتف حولة قرابة 13 ألف طالب، ويتبعه روحيًا عدد كبير من شيعة الخليج، ولبنان، وباكستان، والهند، وأوربا، والأمريكيتين؛ بما يُقدر عدهم بنحو 30 مليونًا.

ورغم أنّ السيستاني ليس عراقيًا، إلا أنه يحظى داخليًا بشعبية جارفة في الأوساط الشيعية والعلمية بعيدًا عن السياسة؛ فهو من جهة ما زال محافظًا على تصدر حوزتي: «النجف، وعامل» العراقيتين، أمام حوزتي: «قُم، ومشهد» في إيران، وحتى مع تعدد المراجع الشيعية في العالم الإسلامي من باكستان إلى لبنان، كما أنه يحصل بشكل ثابت على ملايين الدولارات عن طريق التبرعات التي يحصل عليها من أتباعه – نحو عُشر مرتباتهم – وحتى الآن فالرجل الذي يبلغ 88 عامًا، ولا يخرج في مقابلات تليفزيونية، ولا يتحدث إلا عبر مراسيم مكتوبة، مازال يُنافس خامنئي في أعلى سُلطة بالهرم الديني.

الحرب الأمريكية على العراق.. السيستاني يلتزم الصمت

حين قررت بريطانيا عام 1914 غزو العراق، كانت بغداد حينها تخضع لسيادة الدولة العثمانية السُنيّة، وظنّ البريطانيون أنّ الحوزة الشيعية في النجف سُرعان ما ستصطف إلى جانبهم لضرب الدولة العثمانية، إلا أنّ ما حدث أنّ العلماء الشيعة في النجف أصدروا الفتاوى التي تحث على مقاومة الاحتلال، والاصطفاف خلف الدولة السُنية التي رفعت شعار «الجهاد المقدس»، ورغم أنّ حوزة النجف لا ترى في المذهب السُني الصورة الأكثر تعبيرًا عن الإسلام، إلا أنّهم اعتبروا أنّ الإنجليز كفار يجب قتالهم.

علي السيستاني

قبل الغزو الأمريكي على العراق، كان حزب «البعث» العراقي بزعامة صدام حسين قد اشتبك مع إيران في حرب الخليج الأولى عام 1980، وكان الجيش العراقي يضم عشرات الآلاف من الشيعة العراقيين الذين جُندوا قسرًا دون أن يحصلوا على فتوى الانضمام للحرب؛ إذ رفض المرجع الشيعي وقتها، أبو القاسم الخوئي، أن يمنح الضوء الأخضر لصدام، وتعرض الخوئي للإقامة الجبرية، كما عذب أفراد أسرته، واعتُقل عدد كبير من علماء النجف، قبل أن يُجبر المرجع الشيعي على الظهور في لقاء تليفزيوني برفقة صدام، ورغم أنّ السيستاني كان إيرانيًا ومُقربًا من الخوئي، إلا أنّ يد صدام لم تطله بالنفي، واقتصر بفرض الإقامة الجبرية عليه، وبعدما أصبح السيستاني المرجع الشيعي عام 1992، خلفًا لأستاذه، لم يتدخل بالسياسة طيلة عهد صدام.

عندما دخلت القوات الأمريكية العراق عام 2003 توقع الكثيرون أن تُصدر حوزة النجف بزعامة السيستاني فتوى المقاومة ضد الغزو الأمريكي، إلا أنّ المرجع الشيعي الذي رُفعت عنه الإقامة الجبرية للتو يصدر فتواه ويحث الشعب العراقي على البقاء محايدًا، وعدم التدخل للاشتباك مع القوات الأمريكية، وهو ما يُخالف العُرف القديم الذي اتبعته حوزة النجف خلال الاحتلال البريطاني عام 1914.

وعقب انهيار أسطورة صدام حسين، برز نجم السيستاني الذي أصبح القوة العظمى في العراق، وبرزت فتاواه التي تحث رجال الدين الشيعة على الانخراط في السياسة من أجل توجيه الشعب العراقي إلى قرارات صائبة، ورغم معاداته العلنية للإدارة الامريكية، إلا أنّ  تصريحات بول بريمر، الذي عيّنه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش في العراق، كشفت أنّ واشنطن كانت تمتلك قنوات اتصال مفتوحة مع السيستاني عبر عماد ضياء، وهو أمريكي عراقي من عائلة شيعية في النجف عملت على إيصال الرسائل في الخفاء.

مواقف السيستاني نفسه حملت موقفًا مُربكًا تجاه الجميع؛ فهو يعيش في عزلة روحية من جهة، ويدفع بقوة العملية السياسية من جهة أخرى، ولعل ما نقله الكاتب الصحافي المصري محممد حسنين هيكل عن غسان مطر، المبعوث الأممي إلى العراق في فترة الغزو، يوضح تلك الفكرة، فالسيستاني كان يرفض تأسيس مجلس الحكم في العراق عن طريق التعيين، ويُصر أن يكون مجلسًا منتخبًا، وهو ما يعوق تسلم إدارة البلاد إلي العراقيين، ورغم أنه أصدر فتوى بتحريم إنشاء المجلس، إلا أنه تراجع عقب مقابلة مع المبعوث الأممي، وأصدر فتوى أخرى تُجيز المشاركة، لكنه عاد وانتقد الحكومة العراقية بعد ذلك بقوله إنه «لا توجد ديمقراطية كافية».

يعود التناقض مرة أخرى في مسيرة السيستاني؛ فرغم أنه يرفض قيام دولة دينية على غرار إيران، إلا أنه في انتخابات 2005 دعا بوضوح لانتخاب الكتل الدينية، كما  أصدر السيستاني فتوى تحذر النساء الشيعيات من أنهن ملتزمات دينيًا بالمشاركة في الانتخابات، حتى لو منعهن أزواجهن من التصويت، قائلًا: «إن النساء اللواتي يذهبن إلى مراكز الاقتراع في يوم الانتخابات هن مثل زينب، التي خرجت إلى كربلاء».

ورغم أنّ السيستاني يُتهم بأنه كان داعمًا للمشروع الأمريكي في العراق نكاية في السُنّة الذين فقدوا الحُكم بعد سقوط صدام، إلا أنه حث الشيعة العراقيين على عدم الانجرار إلى حربٍ طائفية، حتى بعد سلسة الهجمات التي تبنتها بعض الطوائف السنية المسلحة ضد المساجد والأضرحة الشيعية عام 2006.

صاحب فتوى تشكيل «الحشد الشعبي» الذي رفض الجنسية العراقية

حين برز «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» كقوة كبرى في يوليو (تموز) عام 2013، خاض عدة معارك سيطر بها على الأنبار – تقع غربًا، وتمثل ثلث مساحة العراق – ثم اتجه بعدما زادت أعداد مقاتليه بوتيرة كبيرة إلى الموصل؛ باعتبارها المكان الأمثل لعاصمة الدولة؛ نظرًا لأنها جغرافيًا تعتبر ثاني أكبر مدينة عراقية، وتحتوي على أكثر من مليون ونصف نسمة، معظمهم من السُنة، إضافًة إلى أنها تتميز بكونها مثلثًا اقتصاديًا قريبًا من المناطق النفطية ذات العائد الاقتصادي الضخم، مثل: تكريت، وسد الموصل، وسنجار في إقليم كردستان، كما أنها قريبة من سوريا وتركيا.

Embed from Getty Images

وفي خُطبة صلاة الجمعة في يونيو (حزيران) 2014، بينما كانت معارك التنظيم داشرة لإسقاط الموصل، أطلق السيستاني  عبر ممُثله، عبد المهدي الكربلائي، فتوى تدعو كل من يستطيع حمل السلاح للتطوع دفاعًا عن العراق، وهي فتوى تشكل على إثرها فيلق «الحشد الشعبي» الذي شارك في تحرير الموصل، ثم أصبح الآن أحد الجهات السياسية التي تُنافس على الحُكم، وذلك على الرغم من أن السيستاني رفض إطلاق تلك الفتوى أثناء الاحتلال العراقي بالقول إن الجيش الأمريكي لا يُمكن مواجهته.

ورغم أنّ إيران استفادت من فتوى تشكيل الحشد الشعبي الذي تشكل بأغلبية شيعية تزعمها هادي العمري، الذي أعلن ولاءه لآية الله خامنئي، بدلًا عن السيستاني، إلا أنّ السيستاني ما زال يُحكم قبضته السياسية عبر ما تبقى من الساسة العراقيين الذين يباشرونه الولاء، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الحالي، حيدر العبادي، الذي دعمه السيستاني في تشكيل الحكومة عام 2014، إضافة إلى الزعيم الشيعي مقتدى الصدر.

وخلال الانتخابات الأخيرة، دعا المرجع الشيعي إلى عدم انتخاب الفاسدين، في إشارة واضحة لعدم انتخاب القوائم المحسوبة على إيران، والتي حملت نتائجها هزيمة كبرى لأتباع خامنئي في الداخل العراقي؛ فتحالف «الفتح»، الذي يتزعمه هادي العامري، جاء في المركز الثاني، بينما حلّ ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، في المركز الرابع، وهما في أية حال من الأحوال لن يتمكنا من تشكيل حكومة أغلبية منفردة، إلا بالحصول على 165 مقعدًا عن طريق الإطار الطائفي، وهو ما يرفضه السيستاني الذي قاد تحالف الصدر وحيدر العبادي بعيدًا عن تلك الصفقة.

شكّلت الجبهة الجديدة التي يقودها السيستاني مخاوف خامنئي الذي أرسل قائد «فيلق القدس» – تابع للحرس الثوري الإيراني – قاسم سليماني، صوب بغداد للقاء حلفائه: هادي، والعامري؛ في محاولة لرسم المشهد السياسي الجديد، وفي محاولة يائسة بعث سليماني برسالة إلى مقتدى الصدر، سبقت زيارة نجل المرشد الأعلى إلى بغداد؛ من أجل إقناعه -الصدر – بتحالف استراتيجي يؤسس لتشكيل حكومة على أساس طائفي؛ لأنه هو الحل الوحيد لبقاء إيران في المشهد العراقي، وبعد عدة أيام فوجئت كل التيارات العراقية بتشكيل الصدر تحالفًا مع «الفتح»، لكن هذا التحالف لم يصمد عدة أيام وانهار في مفاجأة أخرى، وهو ما بدا وكأن السيستاني الذي دعا لعدم انتخابا الفاسدين لايرغب بتصدر حلفاء خامنئي المشهد.

والاحتجاجات العراقية الأخيرة التي اندلعت من مدينة البصرة النفطية – ذات أغلبية شيعية – وتحولت إلى اعتصامات، ساهم في إشعالها المرجع الشيعي الذي أيدها وانحاز إلى صفوف الغاضبين ضد سياسات الحكومة، مما وضع العبادي في موقف ضغط جعله يأمر قواته بالفور إلى عدم إطلاق النار أو التعرض إلى المتظاهرين، فحتى الآن السيستاني الذي سبق له أن رفض الجنسية العراقية، مازال يتحكم في سير الأحدث في بيته المعزول في النجف.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!