غالبًا ما تتمتع النقابات المهنية في مصر بعلاقات غير “مُريحة” مع النظام في مصر منذ عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، ودائمًا ما كان يلجأ النظام المصري لتقويض نشاط النقابات المهنية من خلال فرض القيود عليها بقوانين وقرارات يشوبها التعارض مع الدستور، سواء لدستور 71 في عهد مبارك، أو دستور 2014 في الوقت الراهن.

وفي هذا التقرير نسلط الضوء على أبرز مراحل الخلاف بين النظام المصري والنقابات المهنية، وكيف استخدم النظام أدواته لتقويض نشاطها منذ عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، إلى الوقت الراهن، مع ظهور صراعات الدولة والمهنيين من جديد.

(1) النقابات المهنية في عهد الرئيس المخلوع «حسني مبارك»

 

بدأت النقابات المهنية في أنشطتها المزعجة للنظام من منتصف الثمانينات واستمرت خلال أعوام حكم مبارك، وتتمثل تلك الأنشطة في الأنشطة السياسية والتي كان لها طابع محلي وإقليمي، ومن أبرز المطالب السياسية التي رفعها عدد من النقابات المهنية في عهد مبارك، هو رفض التطبيع السياسي والاقتصادي بين مصر وإسرائيل، ورفع الحصار عن قطاع غزة، وفتح معبر رفح، ولم تعبر عن تلك المواقف بمجرد بيانات إدانة وشجب، وإنما امتد الأمر لتنظيم تظاهرات ومسيرات للتأكيد على تلك المطالب.

ليس هذا وحسب، بل تخطت تلك النقابات ما يمكن وصفه “الخطوط الحمراء” للنظام السياسي؛ من خلال المطالبة بإصلاح سياسي في مصر من خلال تعديل الدستور، ورفض توريث حكم مصر من مبارك لنجله جمال، وإلغاء قانون الطوارئ، ورفض القمع الأمني، ورفع مستوى الحريات لتشمل إطلاق حرية تشكيل الأحزاب والتنظيمات السياسية، والتأكيد على استقلال القضاء، وضرورة تحقيق نزاهة الانتخابات، كما احتضن عدد من النقابات بعض الجماعات المعارضة لمبارك ولسياسات الحزب الوطني الحاكم، وكان من أنشط تلك النقابات في العمل السياسي: نقابة المحامين ونقابة الصحافيين ونقابة المهندسين ونقابة الأطباء.

نقطة بداية أزمة النقابات المهنية مع الدولة في مصر

يمكن تحديد بداية أزمة النقابات المهنية مع الدولة في مصر، بعام 1990 عندما عقدت النقابات المهنية في مصر اجتماعًا مشتركًا في نقابة الأطباء، طالب فيه ممثلو النقابات بمطالب سياسية بدت حساسة بالنسبة إلى نظام مبارك: وهي مطالبة حسني مبارك نفسه بصفته رئيسًا للجمهورية التخلي عن رئاسة الحزب الوطني، وإلغاء العمل بقانون الطوارئ، ورفع القيود على حرية الصحافة، وإطلاق حرية الأحزاب،وإجراء انتخابات نزيهة، وكانت تلك المطالب في هذا الوقت غير معتادة على النظام الذي دأب على ممارسة القمع والمجتمع اعتاد الصمت على الانتهاكات خوفًا من القبضة الأمنية!

وبدلًا من الاستجابة لمطالبهم كان رد النظام المصري قويًّا لتقويض نشاط النقابات تحت مسوغ “تسييس العمل النقابي”، ليفرض الحراسة على عدد من النقابات النشطة سياسيًّا، ويفرض قوانين من قبل السلطة التنفيذية تعيق العمل النقابي.

قانون رقم 100

في 17 فبراير عام 1993، أصدر الرئيس المصري محمد حسني مبارك قانون رقم 100، والذي جاء تحت عنوان “قانون ضمانات ديموقراطية النقابات المهنية”، والذي استهدف “القضاء على ديكتاتورية الأقلية”، وعلى عكس عنوانه فقد جاء القانون بمطالب يمكن وصفها بـ”التعجيزية” لإجراء الانتخابات النقابية وخصوصًا لتلك النقابات التي يكثر عدد منتسبيها، ففي الوقت الذي لم تتعدَ فيه نسبة مشاركة المواطنين في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مصر الـ10%، رفع قانون 100 نسبة الحد الأدنى من اكتمال النصاب الانتخابي لاشتراط مشاركة 50% ممن لهم حق الانتخاب، ثم الثلث في مرحلة الإعادة.

كما ألزم القانون النقابات بإجراء الانتخابات في غير العطل الرسمية بحيث يُصعب أكثر من إمكانية حضور أعضاء النقابة الذين قد لا يجدون الوقت الكافي أو الرغبة الكافية للتصويت في يوم العمل، وأصبحت النقابات تدار بواسطة لجان قضائية مؤقتة تحولت إلى دائمة يسيطر عليها النظام؛ مما ساعد بالتبعية على فرض النظام وصايته على النقابات، ولم يُتِح القانون للنقابات الحق في تنظيم المؤتمرات والجمعيات العمومية لبحث وتنظيم وإدارة شؤونها.

وبالرغم من الصعوبات والمعوقات التي وضعت أمام إمكانية إجراء الانتخابات في الأساس، فقد ساعدت التنافسية العالية بين القوى السياسية والحشود المتقابلة التي قام بها الحزب الوطني وجماعة الإخوان المسلمين وغيرها من القوى السياسية على إجراء الانتخابات واكتمال النصاب في عدد من النقابات الهامة، ومن أبرزها: نقابة المحامين والمهندسين والأطباء، وقد تمكن عدد من القوى المعارضة –من أبرزها جماعة الإخوان المسلمين- من النجاح في الانتخابات أو المساهمة في إنجاح المرشح الذي يدعمونه، وقد ركزت الجماعة اهتمامها بشكل كبير على النقابات بديلًا لرفض النظام تشكيل حزب سياسي لها.

ولم يكتفِ النظام بذلك، إذ حرك أعضاء النقابات الموالين له لرفع دعاوٍ قضائية لفرض الحراسة على ممتلكات النقابة وحسابتها المصرفية لمحاصرة نشاطها، وتم فرض الحراسة على نقابات المحامين والمهندسين والأطباء بتعيين مُسيريين للأعمال من خارج النقابة يتولون مهام مجلس النقابة وما يشمله من إشراف مالي وإداري ومهني لشؤون النقابة.

واقعة مقتل عبد الحارث مدني


أحد أبرز محطات الخلاف التي نشبت بين النظام والنقابات المهنية، وبالأخص منها النقابة الأقدم وهي نقابة المحامين، هي حادثة مقتل المحامي عبد الحارث مدني تحت “التعذيب”، ففي نهاية أبريل من عام 1994 اقتحمت قوات من مباحث أمن الدولة مكتب المحامي”عبد الحارث مدني”، واقتادته ومن معه في المكتب من المحامين إلى مكان غير معلوم، وبعد فترة اعتقاله التي استمرت حوالي أسبوع أُعلن عن وفاته في 5 مايو، لكنّ المحامين شكّكوا في وفاته وأكدوا أنها بسبب التعذيب، وطالبوا بتشريح الجثة كما طالبوا بالإفراج عن عشرة محامين معتقلين.

وإثر رفض مطالبهم تقرّر تنظيم إضراب عام للمحامين في 15 مايو، أعقبه تنظيم مسيرة من النقابة لقصر عابدين واجهها النظام أمنيًّا واعتقل 30 محاميًا و3 آخرين من أعضاء مجلس النقابة، وهم: مختار نوح، ومنتصر الزيات، وجمال تاج، وجددت النيابة حبسهم 15 يومًا مرتين ليضرب عدد من المحامين عن الطعام، لتمتثل الحكومة بعد ذلك لبعض ضغوط النقابة وتفرج عن المحامين، وتُطلع نقيب المحامين على بيان الطب الشرعي الذي أظهر أن “مدني” قُتل تحت وطأة التعذيب، ولكن في النهاية لم يُقدم المسؤولون للمحاكمة، ونشبت خلافات بين أعضاء مجلس النقابة رفع خلالها محامون دعوى قضائية لفرض الحراسة على النقابة لسيطرة أقلية -وهم الإخوان- عليها وبالفعل تم فرض الحراسة على النقابة في عام 1994.

وانتصرت النقابات المهنية!

في 2 يناير من عام 2011، قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قانون 100 لعام 1993 والمعدل في عام 1995، وهو ما يُعد انتصارًا للنقابات المهنية في مواجهة نظام مبارك، انتصار جاء قبل أسابيع قليلة من إسقاط مبارك نفسه في 11 فبراير 2011 عقب اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضده في 25 يناير.

(2) النقابات في عهد السيسي وعودة الصراع مع الدولة

 

تنفست النقابات المهنية الصعداء خلال فترة ما بعد 25 يناير 2011، إلا أنه عقب بيان 3 يوليو شهدت مصر حملة قمعية مشددة استهدفت جماعة الإخوان المسلمين والإسلاميين، ثم توسعت لتطال سائر فصائل المعارضة على مختلف توجهاتها. ومع تحجيم المعارضة بشكل عام، وجماعة الإخوان بشكل خاص، وهم الفصيل السياسي الأنشط في العمل النقابي، فقد تقلصت الأنشطة النقابية للجماعة بشكل كبير .

وبعدما سيطرت جماعة الإخوان المسلمين ومن يؤيدها على الكثير من النقابات في عهد مبارك، عزفت عن المشاركة في انتخابات النقابات، ويكاد ينعدم تمثيلهم في المجالس النقابية، وأدى عزوفهم عن الانتخابات النقابية إلى تقلص ملحوظ في نسبة المشاركة جمعاء؛ نظرًا لانخفاض مستوى التنافسية التي قللت من حالة الحشد والحشد المضاد، وبالرغم من ذلك ومع إلغاء العمل بقانون 100 لعام 1993 لعدم دستوريته، فإن المعطيات سالفة الذكر لم تمنع من نشوب خلافات وصراعات بين نظام السيسي، والنقابات بعد أن سعى النظام لتوسيع تأميم المجلس العام ليشمل النقابات المهنية من جديد.

فرض الحراسة يطارد النقابات!

“ينظم القانون إنشاء النقابات المهنية وإدارتها على أساس ديمقراطى، ويكفل استقلالها ويحدد مواردها، وطريقة قيد أعضائها … ولا تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة واحدة ولا يجوز فرض الحراسة عليها أو تدخل الجهات الإدارية في شئونها، كما لا يجوز حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي، ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المتعلقة بها”.

هكذا تنص المادة 77 من الدستور المصري لعام 2014 الذي تم إقراره في 21 يناير 2014، وبالرغم من تأكيد الدستور على عدم جواز “فرض الحراسة على النقابات” إلا أن النقابات لم تسلم من الدعاوى القضائية التي تطالب بفرض الحراسة عليها من خلال محكمة الأمور المستعجلة!

ففي أبريل 2014 أيدت محكمة الأمور المستعجلة فرض الحراسة على نقابة المعلمين، وفي يونيو 2014 صدر حكم بـ”تأييد” فرض الحراسة، وعندما قدمت النقابة استشكالًا لـ”الأمور المستعجلة” على الحكم سالف الذكر، قضت المحكمة بعدما اختصاصها بنظر الاستشكال في نوفمبر 2014.

وفي يوليو 2015 قضت محكمة الأمور المستعجلة بعدم اختصاصها في فرض الحراسة على نقابة المهندسين، ليستأنف رئيس حزب مصر الفتاة ويؤجل إصدار الحكم بشأن الاستئناف إلى 25 فبراير الجاري.

أما عن نقابة الصيادلة فقد نالت عددًا من الأحكام المتناقضة من محكمة الأمور المستعجلة بشأن فرض الحراسة عليها بشكل قد يُثير الاستغراب، إذ فرضت المحكمة الحراسة عليها في يونيو 2014، قبل أن تلغي الحراسة في أغسطس 2014، لتفرضها مجددًا في 27 أكتوبر 2014، لتلغيها في يناير 2015، وتؤيد فرضها مرة أخرى في مارس 2015.

وفي يونيو 2015، قضت محكمة القضاء الإداري بقبول دعوى إلغاء فرض الحراسة على نقابة الصيادلة، وإلغاء فرض أي حراسة على أي نقابة مهنية إعمالًا للدستور الذي يؤكد على استقلال العمل النقابي وعدم جواز فرض الحراسة عليه والتدخل الإداري في شؤونه، ولكن يظل ذلك الحكم يواجه عقبات في التنفيذ الفعلي على الأرض!

اعتداءات قوات الأمن على المهنيين


في فصل آخر من فصول الصراع بين النظام والنقابات المهنية، وهو يبدو تكرارًا لما شهده صراع النظام والنقابات في عهد مبارك، هو قيام أجهزة الأمن باعتداءات قد تصل إلى القتل لعدد من أعضاء النقابات المهنية أثناء تأدية أعمالهم، ومن أبرز هذه الوقائع واقعة مقتل المحامي كريم حمدي تحت التعذيب في قسم المطرية على يد ضابطي في جهاز الأمن الوطني، وهو ما دفع نقابة المحامين بتنظيم وقفة احتجاجية على سلم النقابة طالبوا فيها بإقالة وزير الداخلية محمد إبراهيم، وإجراء محاكمة عادلة للضابطين، ورفع حظر النشر لتحقيق الشفافية.

وفي هذه الواقعة فقد تحققت بعض مطالب المحامين وقُدم الضابطان للمحاكمة وحُكم عليهما بالسجن المشدد 5 سنوات في ديسمبر الماضي، وما تزال القضية محل الطعن والاستئناف.

وبينما تتواصل فصول الصراع بين النظام والمهنيين، تهيمن على المشهد المصري حاليًا واقعة الاعتداء على طبيبين بمستشفى المطرية وسحلهما من قبل 9 أمناء شرطة عندما رفضا كتابة تقرير طبي يفيد بوقوع إصابة غير حقيقية على أحد الأمناء بناءً على طلبه، بحسب رواية الطبيبين اللذين حررا بلاغ للنيابة العامة ضد الأمناء، وذهب الأمناء من جانبهم بتقديم بلاغ للنيابة العامة ضد الطبيبين بتهمة التعدي عليهم بعدما حصلوا على تقرير طبي من مستشفى هليوبلس يفيد بتعرض أحدهم لكسر مضاعف بالساق، وبالمثول أمام النيابة العامة وضع قاضي التحقيق الطبيبين أمام خيارين إما التنازل عن البلاغ، وإما حبسهما 4 أيام، ليختار الطبيبان التنازل ويبرر أحدهما قراره “شعرت بالخوف لأنه سيتم إهانتي والتنكيل بي إذا لم أتنازل لأننا هنتحبس في أحضانهم”.

وهنا جاء دور النقابة التي تقدمت ببلاغ للنائب العام ضد أمناء الشرطة بتهمة الاعتداء على الطبيبين أثناء تأدية عملهما، وأعلنت عقد جمعية عمومية طارئة لها يوم الجمعة 12 فبراير، ولكن عشية عقد الجمعية التي سميت بـ”جمعية الكرامة” أخلت النيابة العامة سبيل الـ9 أمناء شرطة، وهو ما اعتبرته وكيلة النقابة الدكتورة منى ميناقرارًا “غير مفهوم وغير منطقي و يبدو وكأن هناك تعمدًا لاستفزاز الأطباء والجمعية العمومية “، مؤكدةً على مطالب المتمثلة في مستشفيات آمنة، وعقاب للمعتدين .

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!