اندلعت مواجهة جديدة بين وادي السيليكون ومكتب التحقيق الفيدرالي، ليبدأ سجال حول ضوابط محاربة الإرهاب دون اختراق الخصوصية، بعدما أصدرت المحكمة الفيدرالية حكمًا قضائيًّا يتطلب من أبل التعاون مع جهات التحقيق الفيدرالي FBI، باتخاذ تدابير من شأنها اختراق خصوصية المُستخدمين.

وفي هذا التقرير نعرض بالسرد والتحليل بداية الأزمة ورد فعل أبل على القرار، وموقف شركات وادي السيليكون من القضية، ووجهة نظر أهالي الضحايا، والموقف “الحرج” الذي وضعت فيه الإدارة الأمريكية مع تصاعد اتهامات لها بازدواجية المعايير.

(1) بداية الأزمة والحكم القضائي
021916_0919_1.png

بعدما تمكنت أجهزة الأمن الأمريكية من الوصول لهاتف سيد فاروق -مُنفذ هجوم كاليفورنيا الذي أودى بحياة 14 شخصًا وأدى لإصابة 21 آخرين في 2 ديسمبر الماضي– تعذر على جهاز التحقيق الفيدرالي الـ(إف بي آي) فك شفرة هاتف سيد الـ”آيفون 5 سي”، فاستدعت الاستخبارات متخصصين من شركة أبل لمساعدتهم، وارتفع سقف مطالب الاستخبارات ليطلبوا من أبل توفير باب “خلفي” يسمح بفك تشفير هاتف سيد، وهو ما رفضته أبل، يلجأ مكتب التحقيقات إلى المحكمة الفيدرالية للولايات المتحدة الأمريكية والتي تلزم أبل بالامتثال لطلبات مكتب التحقيق الفيدرالي FBI، من خلال توفير باب خلفي في نظام تشغيل آي أو إس iOS، الذي تعمل به هواتف آي فون، يُستخدم لمرة واحدة فقط وعلى جهاز واحد، دون استخدام نفس المفتاح لفك تشفير البيانات على أجهزة أخرى وفق ما أكدته المصادر الأمريكية.

(2) أبل: نتحدى قرارات الـFBI !

تيم كوك المدير التنفيذي لشركة أبل


ردًّا على قرارات المحكمة الفيدرالية الأمريكية، نشر تيم كوك -المدير التنفيذي لشركة أبل- رسالة رفض لقرارات المحكمة الفيدرالية على الموقع الرسمي للشركة، مؤكدًا رفضه تقديم أبل الدعم الذي طلبته الـ FBI من الشركة، ذلك الدعم الذي توقف عند طلب توفير باب خلفي لفك تشفير هواتف الآي فون حفاظًا على خصوصية مئات الملايين من مُستخدمي أبل، وأعرب عن تضامنه مع أهالي الضحايا ورفضه للإرهاب، وهذا أهم ما جاء في رد تيم كوك:

“إن شركة أبل تعبر عن أسفها الشديد لضحايا الهجمات الإرهابية التي وقعت في سان برناردينو ديسمبر الماضي، ولقد تعاونت أبل بشكل كامل مع FBI للوصول إلى مُنفذّي الهجمات، كما طلبت من مُهندسي أبل العمل جنبًا إلى جنب مع عُملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي للمُساعدة في تقديم أفكار جديدة تُساعد في التحقيقات”.

ومع تأكيد تيم على احترام أبل لعملاء الـFBI وصدق نواياهم فقد اعتبر تيم أن القرار الصادر بحق الشركة مُجحفًا، وبرر: “بناء نسخة جديدة من نظام آي أو إس تحتوي على أبواب خلفية يعني تعريض جميع بيانات المُستخدمين إلى خطر الاختراق في أي وقت، لأن وجود هذا الباب يفتح احتمالية
السيطرة عليه في أي وقت أيًّا كانت درجة الحماية المُستخدمة قبل الوصول إليه”.

ولفت: “توفير باب خلفي حتى لو كان الوصول إليه محصورًا بجهاز واحد ولمرة واحدة فقط، لا يختلف عن توفير مفتاح يفتح جميع الأبواب في العالم الحقيقي، والذي يعني أنه إذا وقع في أيدي الشخص الخاطئ، سيعطي إمكانية فتح أبواب المصارف، والمنازل، والمشافي، وغيرها الكثير دون أن يتمكّن أحد من إيقافه”. موضحًا: “بمجرد بناء تلك التقنية سيصبح بالإمكان استخدامها مرة تلو الأخرى على أي عدد من الأجهزة، ورغم أن الحكومة جادلت بأن تلك النسخة ستستخدم فقط في تلك القضية، لكن ليس هناك ما يضمن هذه السيطرة”.

وقد أكد تيم على جهود أبل المتواصلة خلال السنوات الماضية لدعم الخصوصية والحماية من الاختراق من خلال استخدام التشفير لحماية بيانات عملائها، لدرجة أن أبل لم يعد بقدرتها الوصول إلى بيانات أجهزة عملائها، وتجدر الإشارة إلى أن أبل حدثت نظام تشغيلها في عام 2014 فجعلت كلمة التشفير لكل جهاز لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال المُستخدم نفسه، ولا تعرفها حتى الشركة نفسها، والرسائل لا يعرفها سوى المُرسل والمستقبل فقط لتحقيق المزيد من الخصوصية لعملائها، ومما يُصعب من اختراق بيانات الهاتف أنه إذا أخطأ شخص في كتابة الكود 10 مرات فإن البيانات سوف تُحذف تلقائيًّا.

واختتم تيم رسالته: “نحن نتحدى مطالب FBI، مع احترامنا العميق للديموقراطية الأمريكية… ومع اعتقادنا بحسن نوايا مكتب التحقيقات الاتحادي، إلا أنه سيكون من الخطأ أن تجبرنا الحكومة على بناء باب خلفي في منتجاتنا، وفي نهاية المطاف نخشى أن هذا الطلب سيقوض كامل الحريات التي يتوجب على حكومتنا حمايتها”، ولم يكتفِ تيم بنشر تلك الرسالة وإنما اتخذ خطوات قانونية لعدم تنفيذ القرار من خلال تقديم طعن ضد القرار.

(3) وادي السيليكون يدعم أبل

 

أعلنت كبرى شركات وادي السيليكون دعم أبل في معركتها مع مكتب التحقيق الفيدرالي، ساند سندر بيتشاي -المدير التنفيذي لشركة جوجل- خطاب كوك، وقال في عدد من التدوينات التي كتبها على موقع التواصل الاجتماعي تويتر: “إن إجبار الشركات على إتاحة الاختراق سيؤدي لانتهاك خصوصية المستخدمين.. نحن نعلم أن الوكالات الاستخباراتية تواجه تحديات كُبرى لحماية العامة من الجريمة والإرهاب.. نحن نُنتج مُنتجات آمنة لحماية أمن معلوماتك، وإعطاء المعلومات المُتاحة لجهات التحقيق بما يتسق مع القانون”.

ويضيف بيتشاي بالقول: “لكن هذا يختلف كُليًّا عن مطالبة الشركات بإمكانية اختراق أجهزة المُستخدمين أو بياناتهم، فيُعد ذلك سابقة خطيرة”. واختتم ساندر تدويناته بقوله: “أتطلع إلى مُناقشة عقلانية ومفتوحة حول هذه القضية الهامة”.

من جانبه، أعرب مؤسس شركة واتس آب -جان كون- عن دعمه لتيم كوك، وقال: ” لقد دعمت موقف تيم كوك تجاه الخصوصية وجهود أبل لحماية بيانات مُستخدميها، و لا أستطيع أن أوافق أكثر على كل ما جاء في خطاب كوك الأخير”.

وشدد في منشور له على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: “يجب علينا ألا نسمح بحدوث تلك السابقة الخطيرة.. اليوم أصبحت حريتنا على المحك”.

وفي سياق مُتصل أعلنت شركة موزريلا في تدوينة على حسابها الرسمي بتويتر “وقوفها بجانب أبل على قوة التشفير… لا يجب علينا تمرير تلك السابقة الخطيرة”، كما دعمت كل من شركتي فيس بوك وتويتر أبل، فيما وُصف دعم مايكروسوفت لأبل بالفاتر.

وقال المدير التنفيذي لشركة تويتر جاك دورسي في تدوينة له: “نحن نقف بجانب تيم كوك وأبل ونشكره على قيادته”.

(4) آراء متناقضة لشخصيات عامة ومنظمات حقوقية

 

“من يظنون أنفسهم؟”.

هكذا تساءل المرشح الجمهوري دونالد ترامب في إشارة إلى أبل، رافضًا موقف أبل برفض تنفيذ القرار الفيدرالي لفك التشفير، وأضاف في حوار له على موقع فوكس: “أنا أتفق 100% مع قرارات المحاكم.. أعتقد أن الأمن فوق كل شيء.. يجب أن نفتح الهاتف.. يجب أن نستخدم الحس السليم”.

من جانبه وصف إدوارد سنودن العميل السابق لوكالة الاستخبارات الأمريكية قرار أبل بأنه أهم قرار في المجال التكنولوجي مُنذ عقد، وأوضح سنودن في تدوينة له على موقع التواصل الاجتماعي تويتر “أن التعديلات التي تطلبها الـFBI من شركة أبل ستسمح باختراق أي هاتف آي فون سي5 أو ما هو أقدم منه خلال مدة لا تتجاوز نصف ساعة”.

وفي سياق متصل أعلنت عدد من المنظمات الحقوقية الأمريكية والدولية تضامنها مع أبل مُعتبرة القرار الفيدرالي “سابقة خطيرة”، وكان من أبرز تلك المنظمات منظمة العفو الدولية، واتحاد الحريات المدنية الأمريكية، ومؤسسة الحدود الإلكترونية.

وعلى عكس الشركات التي دعمت معظمها رد أبل، فقد طالب بعض أهالي ضحايا حادث إطلاق النار بكاليفورنيا بمعاقبة أبل لرفضها اختراق بيانات هاتف مُنفذ العملية، فيقول روبل تكليف شقيق أحد الضحايا إن العائلة تدعم الخصوصية الشخصية ولكنها تؤكد على ضرورة التحقيقات.

وبلهجة أكثر شدة شبهت ماني بيفر -زوجة أحد الضحايا- شركة أبل بتنظيم الدولة وقالت: “أنا أشعر أن هناك مجموعة من الإرهابيين يشترون الآي فون، حرف الآي الموجود في كلمة iphone يجب أن يصبح لكلمة ISIS (أي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام)”.

(5) موقف حرج للإدارة الأمريكية


“مكتب التحقيقات الفدرالي يسأل ببساطة عن أمر من شأنه أن يكون له أثر على جهاز واحد”.

هكذا أكد البيت الأبيض على لسان المُتحدث باسمه جوش إرنست، بالرغم من كل الانتقادات التي وجهها كبار مسؤولي وادي السيليكون على القرار، ويضع دفاع الإدارة الأمريكية قرار المحكمة الفيدرالية في موقف حرج أمام الرأي العام الأمريكي، نظرًا لرفض باراك أوباما العام الماضي فرض الصين قواعد جديدة على شركات التكنولوجيا الأمريكية تتطلب منها فك تشفير الأجهزة ليسمح للحكومة الصينية بمراقبتها في إطار خطتها لمحاربة الإرهاب، وانتقد أوباما ذلك الطلب الصيني بشدة وحث الجانب الصيني على ـ”تغيير سياسته إذا أراد أن يُجري أعماله مع الولايات المُتحدة”.

ويرى محللون أنه إذا دخل القرار الفيدرالي ضد أبل حيز التنفيذ، فإن هذا سيسمح للصين وغيرها من الدول بمطالبة الشركات التقنية الأمريكية بفك تشفير الأجهزة وفتح باب خلفي يكون تحت مراقبة الحكومات؛ مما يُطيح بخصوصية الأفراد!

اقرأ أيضًا: سنودن الرجل الذي كشف السري للغاية من وثائق الاستخبارات الأمريكية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد