امتدت جولات النزاع المستمر بين قطر والسعودية من التنافس حول مناطق النفوذ السياسي والمالي إلى «الغاز الطبيعي»، بعد تحركات متسارعة من جانب الرياض لنزع نقطة التفوق الرئيسي عن خصمها اللدود الدوحة، التي تُعد أكبر مَصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، ويصل إلى حوالي 27 دولة في قارات العالم.

وقد تباينت هذه التحركات التي تنافس بها الرياض خصمها السياسي الدوحة؛ بين شراكات استراتيجية أو مشاريع جديدة، تقابلها بالتبعية خطط مُقابلة من جانب قطر للحيلولة دون التأثر بهذه الأنماط من السياسات الهادفة لخنقها ماليًا وسياسيًا.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى أنماط النزاع بين السعودية وقطر في هذه الجولة، وهل تنجح السعودية في كسب هذه المعركة أم ستستطيع قطر ربح هذا النزاع؛ خصوصًا أنها أهم دولة مصدرة للغاز الطبيعي في العالم.

من يكسب معركة نفوذ بلاد الرافدين.. السعودية أم قطر؟

الغاز الطبيعي.. «حقل» نزاع جديد بين الرياض والدوحة

بات التنافس السياسي بين الرياض والدوحة، في الآونة الأخيرة أمرًا ظاهرًا للجميع؛ بعدما انتقل من موقع المُناكفات في جلسات الحوار المُغلقة إلى مرحلة العداء العلني، خصوصًا بعدما وقعت المُقاطعة الخليجية، لتتبدل نمط العلاقة القائمة على تعامل قطر مع الرياض بوصفها «الشقيقة الكبرى» إلى النظر لها باعتبارها خصمًا سياسيًّا، تناطحه في مناطق نفوذه، والعكس صحيح.

Embed from Getty Images

حاكم قطر خلال حضوره أحد المؤتمرات الصحفية في الخارج

وقد تباينت أوجه هذا التنافس بين الدولتين في كافة القطاعات حتى وصلت إلى الغاز الطبيعي، عنصر التفوق الرئيسي للدوحة على المستوى السياسي والمالي، وذلك بعدما تحركت الرياض في الفترة التالية لقرار الدول الأربع بمقاطعة قطر، إلى إتمام العديد من التحالفات الاستراتيجية، والانطلاق في مشاريع بعينها مع خصوم آخرين للدوحة، تهدف إلى سحب بساط الهيمنة من الدوحة، ونزع نقطة تفوقها الرئيسية على الرياض وبقية خصومها.

كانت أولى هذه الخطوات، بعد مرور شهر ونصف على قطع السعودية كافة علاقاتها مع الدوحة، عندما أعلنت شركة «أرامكو» عن اهتمامها بإمكانية الاستثمار في قطاع الغاز عبر العالم، انطلاقًا من حقول سيبيريا شرق روسيا، الأمر الذي شكل نقلة نوعية في تنويع أنشطة الشركة، من خلال توسيع العمليات في قطاع الغاز؛ رامية من وراء هذه الخطوة التحول من الاكتفاء بإنتاجها محليًا إلى مُصدر للغاز الطبيعي، في ظل الاستهلاك الكبير للغاز داخل المملكة نفسها.

ويعتقد سيريل ويدرشوفن، مُحلل الطاقة الدفاعية في الشرق الأوسط بموقع «أويل برايس»، المعني بتغطية أخبار أسواق النفط الدولية، أن الهدف الأساسي للسعودية من وراء هذا التحرك هو مُمارسة المزيد من الضغط على خصمها الرئيسي في الوقت الراهن -أي قطر- التي تتصدر حاليًا قائمة مصدري الغاز المسال عبر العالم، إذ يرى «ويدرشوفن» أن: «حصول السعودية على الدعم الروسي لخططها في هذا المجال، لن يأتي بالمنفعة على عمليات تطوير قطاع الغاز داخل المملكة فحسب، بل سيكون وسيلة لحشر قطر في الزاوية نهائيًا».

وعلى ما يبدو أن الدوحة انتبهت لأبعاد المشروع السعودي الهادف لتجريدها من عامل تفوقها المالي والسياسي؛ وأعلنت بعد مرور شهرين من وقوع المُقاطعة الخليجية، عزمها زيادة إنتاجها من الغاز في حقل الشمال بنسبة 30% من 77 إلى 100 مليون طن سنويًا، قبل أن تُكرر هذا الإعلان للمرة الثانية برفع طاقة إنتاج الغاز الطبيعي القطري المسال عبر إضافة خط رابع جديد لإنتاج الغاز الطبيعي ما سيزيد الإنتاج بواقع 10% سنويًا ليصل إلى 110 ملايين طن بحلول العام 2024.

تلى هذه الخطوة تحرك جديد من جانب الرياض عبر توقيع شراكة بين شركتها الحكومية «أرامكو» مع  أبوظبي، خصم الدوحة أيضًا، مُمثلاً في شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، وذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، بهدف استكشاف فرص التعاون المحتملة في مجال أعمال الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال.

وبحسب الاتفاقية، فإن كُل من «أدنوك» و«أرامكو» سيتعاونان في إجراء تقييم مشترك لفرص الاستثمار في جميع جوانب ومراحل أعمال الغاز الطبيعي المسال بهدف تعزيز القيمة وزيادة العائدات للطرفين.

ولم تقف مساعي السعودية عند هذه التحركات وحسب، بل كانت الخطوة الأكثر أهمية في يناير (كانون الثاني) الجاري، عندما أعلنت السعودية، عبر وزير الطاقة والثروة المعدنية خالد الفالح، خلال مؤتمر منعقد بالعاصمة الإماراتية، نيتها مدّ شبكة غاز إقليمية مع كلّ من الإمارات وسلطنة عمان، تليها في مرحلة لاحقة الكويت والبحرين، فضلًا عن إعلانه نية المملكة زيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي بنحو 70% إلى 100% خلال السنوات العشر المقبلة، مشيرًا إلى أن السعودية ستتحول إلى مُصدر للغاز الطبيعي.

Embed from Getty Images

أحد المواطنين السعوديين يرفع صور ملك السعودية وولي العهد

ولعل اختيار عُمان والإمارات ضمن شبكة الغاز الإقليمية في المرحلة الأولى للمشروع السعودي الجديد لا ينفصل عن كون كلا الدولتين من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال من قطر، حتى بعد وقوع الأزمة الخليجية؛ إذ استمرت الدوحة في تصدير الغاز لأبوظبي رغم الخصومة السياسية، وفشلت الأخيرة في إيجاد بديل.

وتعتمد نحو 40% من الكهرباء الإماراتية على الغاز الطبيعي الآتي من قطر، إذ تستورد  الإمارات في المتوسط 190 ألف متر مكعب من الغاز المسال شهريًا من قطر منذ يناير 2016، بينما يُقدر حجم ما تستورده عُمان والإمارات من الدوحة حوالي 3.1 مليارات قدم مكعب من الغاز.

ولعل هذه الخطط من جانب السعودية وأبوظبي لنزع نقطة تفوق قطر تعكسها التقارير الصادرة عن مراكز الأبحاث، الممولة من كلتا الحكومتين، إذ يشير مركز المستقبل للدراسات البحثية، الذي يقع مقره بـ«أبو ظبي»، في تقرير منشور بعنوان «كيف انعكست الأزمات الإقليمية على الغاز القطري؟» لهذه الخطط السعودية، بالقول: «قد تُمثل الأزمة القطرية أحد العوامل المحفِّزة لها للتوسع في صناعة الغاز المسال، كإحدى أدوات الضغط على الجانب القطري».

مترجم: حرب الشائعات.. هذه المنافذ الإعلامية تديرها السعودية والإمارات لحصار قطر

من يربح هذه الجولة؟

في الواقع ليست هذه هي المرة الأولى التي تحاول فيها السعودية أخذ خطوات جدية لمناطحة قطر في تصدير الغاز الطبيعي، ونزع نقطة تفوقها عنها؛ إذ سبقت هذه المحاولات الأخيرة تحركات على استحياء كانت أبرزها «مبادرة الغاز السعودية» التي أُطلقتها الرياض في نهاية التسعينيات، والتي أعلنها ولي العهد السعودي آنذاك، الأمير عبد الله بن عبد العزيز، خلال زيارة للعاصمة الأمريكية واشنطن ذلك العام، بعد أن اجتمع بعدد من رؤساء الشركات الأمريكية، وكانت هذه المبادرة تهدف إلى رفع إنتاج الرياض من الغاز، والتحول لمرحلة التصدير؛ غير أنها باءت بالفشل، بعدما تراجعت الشركات الأجنبية عن الدخول في المشاريع المُشتركة، واستمرت قطر في تفوقها طيلة السنوات الماضية.

Embed from Getty Images

الأمير تميم بن حمد خلال زيارة سابقة له للسعودية

ومن المتوقع فشل التحركات السعودية الأخيرة في ظل أكثر من عامل تتفوق به قطر على خصمها الرياض، والتي يأتي على رأسها أن تكاليف إنتاج الغاز في قطر، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم وأكبر مصدر للغاز بعد روسيا؛ من بين أقل تكاليف الإنتاج في العالم، فضلًا عن أن الغاز القطري لا يزال في قيمته الاستراتيجية، متفوقًا على ما عداه.

المُحدد الثاني الأكثر أهمية هو مسألة محدودية اكتشاف حقول جديدة داخل المملكة، إذ أشارت هيئة الإحصاء السعودية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، أن سنوات الإنتاج المتعاقبة المتبقية لإنتاج الغاز وصلت العام الماضي إلى 68 سنة، وهي مجموع ما تبقى من أعوام إنتاج السعودية للغاز الطبيعي. وربطت الهيئة بين ارتفاع معدلات إنتاج الغاز وانخفاض الاحتياطي منه؛ لتتراجع عدد السنوات المتبقية لإنتاج الغاز من 83 سنة في 2010 إلى الرقم الحالي، فضلاً عن أن طرق استخراج بعض الاحتياطيات السعودية تتطلّب طرق استخراج متقدمة مشابهة لتلك المستخدمة في قطاع الغاز الصخري.

وتتفوق قطر على السعودية في هذه النقطة، حيث تمتلك الأولى ثالث أكبر احتياطي للغاز في العالم بوجود 885 تريليون قدم مكعب من الغاز حسب آخر إحصاءات شركة «بريتش بتروليوم»؛ ويتركز معظمه في الحقل الشمالي، إضافة إلى أن كلفة استخراج الاحتياطات القطرية تُعد من الأرخص على مستوى العالم.

ولعل ما قد يحسم هذا النزاع لصالح قطر إلى جانب العوامل السابقة، هو التنسيق القطري الأمريكي في الشهور الأخيرة، إذ تضع واشنطن رهانها على الدوحة في الحد من هيمنة الغاز الروسي المتزايدة على أوروبا، وهو ما قد يُشكل ضغطًا محتملًا من جانب أمريكا على الرياض لوقف أي مشاريع أعلنت عنها المملكة مع روسيا من أجل زيادة حصتها في الغاز الطبيعي، خصوصًا مع ضعف موقف الرياض تجاه واشنطن بعد مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

قتلوه بدمٍ بارد.. ملف «ساسة بوست» عن مقتل جمال خاشقجي الذي هزّ العالم

أيضًا يُضاف للعامل السابق استحواذ جهاز قطر للاستثمار، العام الماضي، على حصة نسبتها 18.93% من أسهم شركة «روزنفت» الروسية، والتي تعد أكبر شركة روسية مُنتجة للنفط؛ ما يجعل من تعويل السعودية على موسكو، أحد أكبر الدول المُصدرة للغاز الطبيعي حول العالم لمنازعة الدوحة؛ محل شك كبير.

وكشف نائب وزير الطاقة الأمريكي، دان بروليت، أن بلاده تتباحث مع القطريين في إمكانية أن يتولوا تصدير الغاز الطبيعي إلى ألمانيا ودول أخرى، تعتمد بنسبة كبيرة من صادراتها على الغاز الروسي. وأشار بروليت إلى أنه تناقش مع نظيره القطري، سعد الكعبي، في هذا الشأن، لافتًا إلى أن: «القطريين مهتمون كثيرًا بمدّ الأسواق الأوروبية بالغاز الطبيعي».

وقد أجادت الدوحة توظيف الاحتياج الأمريكي لها من خلال استثمار ما لا يقل عن 20 مليار دولار بالولايات المتحدة خلال السنوات القليلة القادمة، في مرفأ الغاز الطبيعي المسال «جولدن باس» في تكساس؛ لتتحول الدوحة بواسطة هذه الاستثمارات إلى أحد أهم مصدري الغاز الطبيعي لأوروبا.

بعد 100 يوم .. هذه أبرز المعارك التي خسرتها قطر

المصادر

تحميل المزيد