يُمثل أكراد سوريا مصدر خلاف كبير بين الدولتين الحليفتين أمريكا وتركيا، فأمريكا تعتبرهم صديقها "العسكري" المفضل بالداخل السوري، بينما تعتبرهم تركيا "إرهابيين" يدعمون المواجهة المسلحة للدولة التركية.

يُمثل أكراد سوريا مصدر خلاف كبير بين الدولتين الحليفتين، نظريًّا، الولايات المتحدة وتركيا، فأمريكا تعتبرهم صديقها “العسكري” المفضل بالداخل السوري، بينما تعتبرهم تركيا “إرهابيين” يدعمون المواجهة المسلحة مع الدولة التركية.

وفي هذا التقرير نستعرض بالسرد والتحليل أبرز مظاهر قوة علاقة أمريكا بأكراد سوريا، ومظاهر توتر علاقة تركيا بأكراد سوريا، وهو تباين في المواقف جعل من تركيا تطالب أمريكا بحسم شراكتها إما أن تكون مع تركيا وإما مع وحدات حماية الشعب الكردية.

(1) علاقة أمريكية كردية قوية في سوريا!


“لن تطأ الأحذية الأمريكية الأراضي السورية”.

هكذا صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما في وقت سابق في عام 2013، نافيًا فكرة الدخول البري الأمريكي بالداخل السوري، ولكن ما حدث مطلع نوفمبر هو قرار الولايات المتحدة “إرسال ما لا يزيد عن 50 مجندًا” من قواتها الخاصة إلى سوريا، وعندما لفت الناقدون إلى تصريح أوباما، بررت إدارته ذلك بأن مهمة المجندين ستتمثل في تقديم “الدعم والمشورة” لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية دون المشاركة المباشرة في الأعمال “القتالية” الموجهة ضد التنظيم.

ومربط الفرس هنا هو مكان تمركز الجنود الأمريكيين، وأعلنت الإدارة الأمريكية أن هؤلاء الجنود سيتمركزون في شمال سوريا حيث المناطق التي تسيطر عليها القوات الكردية، ولم يكن موقع نزول الجنود في المناطق الكردية في سوريا مستغربًا، فأمريكا تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية YPG الجناح المسلح لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي PYD صديقها المُفضل على الأراضي السورية، وتتجه الرواية الرسمية الأمريكية  إلى اعتبار الوحدات الكردية “أقوى القوى المحاربة تأثيرًا في سوريا”؛ نظرًا لتمكنها من انتزاع عشرات المدن السورية من يد “تنظيم الدولة”، وتوطدت العلاقة الأمريكية بالأكراد بشكل كبير بعد الانتصار الذي حققوه السنة الماضية في جزيرة العرب كوباني، ذلك الانتصار الذي تم بتنسيق مباشر بين القيادات الكردية والأمريكية في العمليات الجوية والأرضية، ويُلخص هنري باركي -المحلل السابق للخارجية الأمريكية والمحلل السياسي لمركز ويلسون للدراسات- طبيعة العلاقة بين أمريكا ووحدات حماية الشعب الكردية YPGفي تلك العبارة “لقد أصبحت أمريكا تمثل القوة الجوية لـ YPG، وأصبحت الـYPG تُمثل القوات الأرضية لأمريكا في سوريا”.

وأحد أهم أسباب قوة العلاقة الأمريكية مع الأكراد هي اتساق ووحدة الكثير من الأهداف والأولويات “المُعلنة” في الحرب السورية بين أمريكا ووحدات حماية الشعب الكردية، فكلاهما أصبح يُركز بشكل واضح على المحاربة العسكرية لتنظيم الدولة أولًا، وليست المواجهة المباشرة لنظام بشار الأسد، وهذا يتسق مع وجهة نظر الغرب عمومًا الذي يُعارض بشار سياسيًّا ويحارب التنظيم عسكريًّا، كما أن تلك الأولوية تختلف عن أولوية الكثير من الفصائل المعارضة في سوريا التي تركز اهتمامها بشكل أكبر على محاربة نظام بشار الأسد، عن محاربة تنظيم الدولة، كما أن تلك العلاقة تُرسخ للنظرة الأمريكية -والغربية عمومًا- التي ترى في الأكراد عدوًا إستراتيجيًّا للتطرف و”الإرهاب” في المنطقة، ذلك مع الوضع في الاعتبار عدم ثقة أمريكا في قوى المعارضة السورية في هذا الأمر.

وتوجه الاتهامات للأكراد –من قبل المعارضة السورية وحلفائها الإقليميين- بأن الأكراد حلفاء غير معلنين لنظام “الأسد”، ويستدلون على ذلك بحرص روسيا -الحليف الأقوى للأسد- على تمثيل الأكراد في مؤتمر جنيف 3.

(2) ولكن تركيا مُنزعجة!

“نرفض بشكل قاطع حضور حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب حول طاولة المفاوضات في جنيف 3”.

هكذا أكد رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو رفضه مشاركة أكراد سوريا في محادثات جنيف 3، مُذكرًا بأن تركيا تعتبر هاتين الحركتين المقربتين من حزب العمال الكردستاني”إرهابيتين”، مُضيفًا: “من غير المقبول وجود (منظمة إرهابية) في صفوف المعارضة السورية خلال محادثات جنيف… حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يتعاون مع النظام (السوري) لا يمكنه أن يمثل النضال العادل للشعب السوري”.
ويشكل حزب العمل الكردستاني في تركيا وجماعة بي كا كا الكردية مصدر إزعاج دائم للحكومة التركية بـ”هجماتها الإرهابية” على حد وصف الإدارة التركية التي تحاول القضاء عليها أمنيًّا، ودائمًا ما تؤكد الحكومة التركية أن وحدات حماية الشعب الكردية وحزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا يُساعدان حزب العمل الكردستاني في مواجهته المسلحة ضد الدولة التركية، والتي بدأت من عقود، ويُصنف حزب العمل الكردستاني وجماعة بي كا كا كجماعات إرهابية في أمريكا والاتحاد الأوروبي.

وفي النهاية أدى رفض كلّ من تركيا والهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن المعارضة السورية لوجود ممثلين عن أكراد سوريا بجنيف 3 إلى تجاهل دعوتهم في المباحثات التي تأجلت في 3 فبراير ليتم استئنافها في 25 فبراير.

(3) زيارة أمريكية “سرية” لأكراد كوباني!

وتزامنًا مع انعقاد محادثات جنيف 3 التي بدأت في 29 يناير الماضي، زار بريت ماغيرك -ممثل الرئيس الأمريكي إلى التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية- عدة بلدات كردية في شمال سوريا “سرًّا” وبحسب مصادر كردية وأمريكيا فإن وفدًا ضم “بريت” ومسؤولين فرنسيين وبريطانيين التقى بقيادات قوات سوريا الديموقراطية -التي يتكون أغلبها من قوات وحدات حماية الشعب الكردية بالإضافة إلى بعض الفصائل العربية- لمناقشة التصعيد العسكري ضد تنظيم الدولة في زيارة استمرت ليومين.

وتعد هذه الزيارة هي الأولى من نوعها لمسؤول أمريكي بهذا المستوى إلى سوريا منذ أن غادر سفير واشنطن روبرت فورد دمشق عام 2012، فورد السفير الأمريكي السابق بسوريا (2010-2014)، والذي يعمل حاليًا بمعهد واشنطن بالشرق الأوسط، يحذر من: “توطيد علاقة أمريكا بميليشيا الشعب الكردية التي تقف خلف جماعة “بي كا كا” والتي تُصنف كجماعة إرهابية بأمريكا، كما أنها متهمة بانتهاكات لحقوق الإنسان ضد المواطنين السنة في شمال سوريا بحسب تقرير منظمة العفو الدولية”.

(4) تصاعد الخطاب التركي

“على السلطات الأمريكية الاختيار إذا ما كنت أنا شريكها، أم أن إرهابيي كوباني هم شركاؤها”.

هكذا صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعليقًا على زيارة المسئول الأمريكي بريت ماغريك لكوباني بعدما تسربت الأخبار، مُضيفًا -في 7 فبراير-: “حزب الاتحاد الديمقراطي (في سوريا) تنظيم إرهابي , هو نفسه حزب العمال الكردستاني المصنف إرهابيًّا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي”، وسأل أردوغان المسؤولين الأمريكيين: “كيف يمكن أن نثق بكم؟ هل أنا شريككم؟ أم إرهابيو كوباني؟”.

ويبدو أنا أمريكا تجاهلت تلك التصريحات؛ فبحسب مصادر أمريكية وكردية فقد وصل -يوم الإثنين 8 فبراير- 20 عسكريًّا أمريكيًّا بطائرة مروحية إلى “كوباني” للإشراف على “خطة هجوم مقرر لقوات سوريا الديمقراطية على مدينة منبج شمال حلب، الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية”، بعدما وصلت طائرتا شحن محملتان بأسلحة وذخائر لقوات “سوريا الديمقراطية”.

ويبدو أن أمريكا متمسكة بحليفها العسكري المفضل على الأراضي التركية، ولكنها في نف الوقت يصعب التخلي عن تركيا حليفها في حلف الأطلسي وفي تحالفها الدولي لمواجهة تنظيم الدولة والتي جعلت من مطار “انجرليك” التركية، قادة أساسية لغارات التحالف التي تقوده أمريكا في سوريا، ولم ترد الإدارة الأمريكية بشكل رسمي حتى الآن على السؤال الذي طرحه أردوغان بحسم تحالفها إما مع تركيا أو أكراد سوريا، ويبدو أنها حقا لا تملك إجابة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد