الدين والمال والنفوذ هي العوامل الرئيسية التي تحرك الصراع البشري على هذه الأرض، وأينما بحثت في أي سبب للحروب القديمة أو الحديثة ستكون هذه العوامل الثلاثة هي المتحكم بها، ويكون الحكام والمسيطرون هم اللاعبون الرئيسيون في هذه الحروب بينما تكون الشعوب بيادق يهيجوهنم بالكلمات والشعارات الرنانة التي تحرك المشاعر ولكنهم في النهاية على الأرجح يكونون الخاسر الأكبر في الصراعات التي لن تنتهي، وفي سوريا اللاعبون هناك كُثر، فعلام يتصارعون؟ ومن سيكون الرابح الأكبر في هذا الصراع الذي دخل عامه التاسع دون أي بصيص أمل في نهايته؟

الصراع في سوريا يجمع العوامل الثلاثة للصراع البشري، فمن حيث الدين فالصراع محتدم في زاوية منه بين الأغلبية السنية من جهة وبين الأقلية الحاكمة التي تنتمي للطائفة الشيعية والعلويين من جهة أخرى، ومن حيث النفوذ فسوريا منطقة مهمة استراتيجيًا فتسعى الدول المتصارعة لتثبيت وجودها وكسب المزيد من المناطق، أما المال فسوريا دولة غنية بالزراعة والماء والنفط والغاز والفوسفات وغيرها من مصادر الطاقة، ولكن لا يقارن إنتاج نفط سوريا بنظيره العراقي أو السعودي أو الليبي الذي يضاهي إنتاج سوريا بمرات عديدة، ما يجعل من صراع المال في سوريا ورقة للضغط السياسي بين الأطراف المتصارعة، أكثر من كونه الطمع المباشر في نفط سوريا.

النفط قبل وبعد الثورة السورية

لا تعوم سوريا فوق بحر من النفط مثل السعودية أو العراق ولكنها تبقى دولة تنتجه بكميات محدودة، كانت سوريا تنتج قبل اندلاع الثورة عام 2011 قرابة الـ385 ألف برميل يوميًا، و21 مليون متر مكعب من الغاز أيضًا، وكانت هذه الكميات المنتجة تسد حاجة سوريا وما يزيد منها يتم بيعه في الأسواق العالمية، وكان جزء كبير من عائدات مبيعات النفط -بحسب مصادر المعارضة السورية- لا يدخل ضمن موازنة الدولة بل كان ينهبه النظام السوري منذ أيام رئيس النظام الراحل حافظ الأسد، حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان. 

خلال الثماني سنوات ونصف الماضية من عمر الثورة السورية تعرضت الحقول النفطية لتدمير ممنهج أتى على عشرات الآبار المنتشرة في عموم المناطق السورية، وخاصة تلك الموجودة في ديرالزور والحسكة وحمص والحسكة، حيث تعرضت لغارات جوية وقصف مدفعي وصاروخي عنيف من قبل الأطراف المتصارعة على الأرض السورية، بالإضافة لقيام تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» بتخريب وتفجير العديد من النقاط النفطية قبيل انسحابه من المناطق التي كانت تحت سيطرته.

يقول النظام السوري أن خسائر القطاع النفطي جراء الحرب بلغ 74.2 مليار دولار أميركي، كما أن جميع الآبار النفطية والحقول ومصافي النفط تحتاج لصيانة وبعضها يحتاج لإعادة بناء من جديد، ما يجعل كلفة إعادة العافية إلى قطاع النفط عالية جدا وطويلة الأمد.

كانت حاجة سوريا من النفط قبل اندلاع الثورة السورية ما يقارب الـ136 ألف برميل نفط يوميًا وكذلك 12 مليون متر مكعب من الغاز ، أما الآن فالإنتاج لا يتجاوز 20% من حاجة السوق بما يخص النفط و60-70% من حاجتها من الغاز، وذلك بعد معارك عنيفة دارت بين تنظيم «داعش» والنظام في أواخر عام 2017 تمكن الأخير من استعادة السيطرة على حقول حمص الغنية بالغاز والتي أدت لزيادة إنتاجه ليصل إلى ما يقارب 17 مليون متر مكعب، و24 ألف برميل من النفط الخام يوميًّا، ولكن هذه الكميات ما تزال تحت الحاجة السوقية ما يضطره لشراء الناقص من دول مثل إيران أو أعدائه مثل قوات سوريا الديمقراطية «قسد» التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية عمودها الفقري.

خريطة حقول نفط سوريا بين المتصارعين

يوجد في محافظة دير الزور (شرقي سوريا) أكبر الحقول وهو حقل العمر كما يوجد حقول (التنك، والورد، والجفرة، وكونيكو)، وهي خاضعة لسيطرة «قسد» أما حقلا التيم ومحطة الـ«تي تو» فيقعان ضمن سيطرة قوات النظام السوري.

في محافظة الحسكة (شمال شرق سوريا)، هناك حقول ومصفاة رميلان الواقعة في أقصى شمال شرق سوريا، والتي يقدر عدد آبارها قرابة الـ1322 بئرًا، إضافة إلى وجود قرابة 25 بئرًا من الغاز في حقول السويدية، بالإضافة لحقول واقعة في مناطق الشدادي والجبسة والهول، والحقول الواقعة بالقرب من مركدة وتشرين، وجميعها الآن تحت سيطرة الأكراد «قسد».

وفي الرقة (شرق سوريا) فلا يوجد الكثير من النقاط النفطية إلا أن جميعها تحت سيطرة «قسد»، وفي محافظة حمص (وسط سوريا) فهناك حقل شاعر الأهم في المحافظة وأيضًا حقول جحار والمهر وجزل، وجميعها تحت سيطرة قوات النظام.

تنقلت مناطق حقول النفط والغاز من سيطرة النظام السوري منذ عام 2011 من يد لأخرى، إذ تمكنت فصائل المعارضة السورية من السيطرة على ما نسبته 90% من الحقول في عام 2013، ولكنها لم تستفد من هذه الحقول بسبب عدم وجود الخبرات التي تساعدها على ذلك، لتقوم بعد ذلك جبهة النصرة بأخذه، ومن ثم تنتقل إلى تنظيم «داعش» أواخر عام 2013 بعد هجوم شنه على فصائل المعارضة وجبهة النصرة والنظام السوري والأكراد.

خضعت العديد من حقول نفط سوريا بعد ذلك للتنظيم قرابة ثلاثة أعوام، لتبدأ في عام 2016 بالسقوط واحدة تلو الأخرى بيد قسد والنظام السوري، إذ استمرت المعارك قرابة العامين وانتهت بنهاية تنظيم «داعش»، ولكن الحقول المهمة أصبحت تحت سيطرة قسد بينما تميزت مناطق سيطرة الأسد بوجود حقول الغاز.

نفط سوريا.. كيف يباع ويهرب؟

الشعب السوري في كل الفترات التي تعاقب عليها المتحاربون بالسيطرة على حقول النفط كان سؤاله المحير، أين تذهب هذه الأموال ولماذا لا نراها تصرف سوى على العسكر والحرب والموت، ولماذا حالنا من سيئ إلى أسوأ، وعشرات الأسئلة التي تلوح أمامهم ولا مجيب، فكل جهة توظف ذلك التمويل في الاتجاه الذي يناسب أهدافها، فمقدرات سوريا أصبحت تصرف لدعم المتصارعين عليها، بدءًا من النظام السوري الذي أخضع أرباح النفط للمصالح الشخصية منذ سنوات طويلة إلى المعارضة السورية التي لم تستطع حماية النفط إلى جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حاليًّا) ومنها إلى «داعش» وأخيرًا إلى «قسد»، فكيف كانت تبيع وتهرب هذه الأطراف نفط سوريا؟

لم تستفد المعارضة السورية من حقول نفط سوريا، وبقيت دون فائدة بالنسبة لها بسبب عدم وجود الخبرات اللازمة لذلك، لتقوم جبهة النصرة بالاستيلاء عليها واستخراجه بطريقة بدائية لتبيعه للسوق المحلية بسعر 30$ لبرميل النفط الخام وذلك في أوائل عام 2013، وكانت أرباح النصرة آنذاك كبيرة جدًا، إذ أنتجت البنزين والمازوت والكيروسين، حتى أن منتجاتها كانت تباع في الطرقات والشوارع وبأسعار رخيصة.

تجارة الأعداء في الشرق الأوسط.. يتقاتلون نهارًا ويعقدون الصفقات ليلًا!

انتقل بعد ذلك النفط إلى تنظيم «داعش» الذي سخر كل إمكانياته وقوته العسكرية للسيطرة على جميع حقول نفط سوريا، حتى بات غالبيتها في دير الزور والرقة والحسكة وحمص تحت سيطرته ما عدا بضعة حقول في المناطق الكردية أهمها حقل الرميلان، ما جعله التنظيم هو الأغنى في العالم بلا منازع، إذ كانت «داعش» تبيع النفط إلى العديد من الجهات المحلية والدولية أيضًا، وكانت تهربه بأشكال متعددة وعلى مراحل، ولكن بشكل رئيسي كان عدد من السماسرة هم من يتولون هذه المهمة.

كان عدد كبير من الصهاريج تتجمع بشكل يومي عند حقول النفط للتعبئة، ومن ثم تتوجه كل منها إلى جهتها، فمنها من يتوجه إلى مناطق النظام السوري ومنها إلى المعارضة وأخرى إلى الحدود التركية وغيرها من المناطق، ولم يكن يشغل بال التنظيم سوى الحصول على المال فقط دون الاهتمام بإن كانت الصهاريج ستذهب إلى أعدائه.

 تضاربت الأنباء آنذاك حول حجم الإنتاج الذي بلغه «داعش» في أزهى أيامه، إذ قالت مصادر أنها ربما بلغت 200 ألف برميل يوميًا، بينما قالت التقارير الأكثر تحفظًا أنها 50 ألف برميل فقط بينما قال النظام السوري أن «داعش» ينتج 80 ألف برميل، وهذا يعني حصول التنظيم على ملايين الدولارات برصيد يقدر بـ4 مليار دولار، ولم ير منها الشعب السوري شيئًا بل ذهبت لقتله وتدميره.

وكانت عمليات تهريب نفط داعش تتم عبر الصهاريج بشكل مباشر، والقوارب النهرية، أو من خلال الدواب والخيول عبر المناطق الجبلية من خلال منطقة الراعي الحدودية إلى تركيا، أو نحو إقليم كردستان العراق أو محافظة الأنبار، فكانوا يهربون نفط سوريا عبر مد أنابيب بلاستيك ودفنها تحت الأرض للتهريب الحدودي كما كان الحال في قرية بيساسلان قرب الحدود التركية السورية.

والآن تسيطر «قسد» على ما مقداره 80% من إنتاج النفط والغاز في سوريا حسب تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، والتي قالت فيه إن محافظات الرقة والحسكة ودير الزور تضم قرابة 20 حقل نفط يخضع 11 منها لسيطرة «قسد» وهذه الحقول ذات قدرة إنتاجية أضخم بكثير من الحقول الواقعة تحت سيطرة قوات النظام السوري، ورأى التقرير أن «قسد» تنتج ما يقارب الـ 14.000 برميل نفط يوميًا، عدا الغاز الذي تستخرجه، وقدرت أرباحها بـ420 ألف دولار يوميًا. 

جاءت العقوبات الأمريكية ومنعت أي جهة دولية أو محلية من التعامل مع النظام السوري وتوريد النفط إليه، إذ استهدفت الطائرات الأمريكية عددًا من الصهاريج أو العبّارات المائية التي تنقل النفط المهرب من مناطق قسد إلى النظام، وذكر تقرير الشبكة السورية أنه بعد زيادة أمريكا مستوى العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام السوري منتصف عام 2018، لوحظ ارتفاع غير مسبوق في عمليات التهريب التي اتخذت شكلاً أكثر تنظيمًا، وأصبحت تتم إما عبر بيع النفط الخام من الحقول التي تُسيطر عليها «قسد» إلى تجار وشركات تتبع النظام السوري أو عبر المعابر المائية الواصلة بين ضفتي نهر الفرات. 

ما زال يغري روسيا.. ما هو مصير نفط سوريا؟

النفط السوري في منطقة الجزيرة (ديرالزور والرقة والحسكة) شرقي سوريا بدأ ينضب، وذلك حسب دراسات وتقارير رسمية نشرت قبل الثورة تحدثت عن نضوب الاحتياط النفطي في الجزيرة في عام 2025، بينما باقي الحقول في البادية والساحل إن بدأ استغلالها عام 2018، ستبقى حتى عام 2051 على أقل تقدير، ولا يمكن الجزم الآن بالنسبة المتبقية خاصة مع الاستخراج العشوائي للنفط والتدمير الذي لحق بالحقول، فهل يعي ترامب الذي قال إنه يريد حصته من النفط السوري ذلك؟

يعتقد الصحافي السوري «مرشد النايف» والمطلع على قضية النفط السورية في حديثة لـ«ساسة بوست» أن «احتياطي النفط السوري قابل للنضوب بحلول عام 2025 على الأكثر فهو احتياطي متواضع إذ لا يتجاوز 2.2 مليار برميل قياسًا باحتياطي السعودية البالغ نحو 260 مليار برميل، وثلاثة أرباع هذا الاحتياطي موجود في محافظة دير الزور شرقي سوريا»، أما في قطاع الغاز يقول «النايف» أن «وزير نفط النظام السوري «علي غانم» في آخر تصريحاته أكد وجود احتياطات تبلغ 250 مليار متر مكعب، ما يشكل إغراءً للشركات الروسية للاستثمار في هذا القطاع».

وعلى عكس ما كان الكثير يظن.. فإن سوريا في الواقع تعوم على بحر من الغاز الطبيعي، وذلك بعد إعلان روسيا عن اكتشافها آبار نفط تحمل كميات هائلة من الغاز الطبيعي في السواحل السورية، إذ صرح «علي غانم» وزير النفط التابع لحكومة النظام السوري أن بلوك واحد من البلوكات الخمسة الموجودة في البحر، يعادل احتياطي البر كاملاً في سوريا، موضحًا بأن البلوك الواحد يحوي 250 مليار متر مكعب من الغاز، وحسب تقدير الدراسات والإحصائيات لكمية احتياطات الغاز الموجودة في المياه الإقليمية السورية بـ28 تريليون متر مكعب، ما يجعل سوريا في المركز الثالث عالميًّا في إنتاج الغاز.

لم يكن اكتشاف هذه الحقول بالمصادفة، بل كانت هناك العديد من الدراسات قبل الثورة التي أكدت وجود كميات كبيرة من الغاز في الساحل السوري، ولكن من وجهة نظر المعارضة، فإن النظام السوري لم يرغب باستخراجها في ذلك الوقت حتى لا يتم التساؤل بشكل صريح عن أين تذهب أموال نفط سوريا، ولكن وبعد اندلاع الثورة فقد بات مصير حكم الأسد يترنح خاصة في عام 2013، وقام وقتها النظام بتوقيع عقد اتفاق ضخم مع شركة روسية للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية، في عقد يشمل عمليات تنقيب في مساحة 2190 كلم مربع، إذ يمتد العقد، وهو الأول من نوعه للتنقيب عن النفط والغاز في المياه السورية، على مدى 25 عامًا، بتمويل من موسكو.

والجدير ذكره على الهامش أن النظام السوري لم يرهن الغاز والتنقيب عنه للروس فقط، بل وقع عقودًا أخرى تضمن سيطرة روسيا على ميناء طرطوس لمدة 49 عامًا، بالإضافة لاستخراج الفوسفات والمعادن الأخرى، يضيف في ذلك النايف لـ«ساسة بوست» أن «روسيا حاليًا تعزز سيطرتها على الأصول الاقتصادية الثمينة مثل معمل الأسمدة وميناء طرطوس ومناجم فوسفات الشرقية، والهيمنة على قطاعات الغاز البحرية من جهة عمليات الاستكشاف والتنقيب، وهو ما تحاول موسكو استدامته من خلال ربط نظام الأسد بمجموعة اتفاقيات من بينها اتفاقية 2017 التي تمنح الجانب الروسي حقوق تطوير وتأهيل حقول النفط والغاز ومناجم الفوسفات، إذ بدأت شركة ستروي ترانس غاز الروسية العملاقة بالفعل بعمليات مسح واستكشاف المياه الإقليمية السورية، وصرحت الشركة أن الاحتياطي يبلغ 700 مليار متر مكعب». 

الرئيس الأمريكي ترامب يريد حصته من نفط سوريا!

عودنا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دائمًا على الوضوح في جميع تصريحاته بخصوص الشرق الأوسط، وخاصة تصريحاته المستمرة بخصوص أموال الخليج وأنه يريدها مقابل حمايتهم، وليس غريبًا عليه إذًا تصريحاته التي قال فيها إنه يريد حصته من النفط السوري لتعويض ما خسره في الحرب ضد «داعش» وكذلك لدعم حلفائه الأكراد في قوات سوريا الديمقراطية، فهو في الحقيقة ليس الشخص الوحيد الذي يريد حصته من الكعكة السورية، إذ حصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على جميع مقدرات سوريا تقريبًا من النفط والغاز والمعادن وحتى الموانئ. 

تصريحات ترامب فيها شيء من التضخيم خاصةً عندما قال إنه سيبقى في سوريا لحماية الكميات الكبيرة من النفط، فهل فعلًا يجهل الساسة الأمريكيون صعوبة ما يصرحون به خاصة بموضوع التعاقد مع شركات أمريكية للعمل على استخراج النفط بشكل صحيح، إذ إن عشرات الآبار النفطية بحاجة للصيانة وهي عملية مكلفة جدًا، وحتى إن كان ذلك ممكنًا على الرغم من الخطر الأمني المحدق بالعاملين بهذه الشركات في ظل عمليات تفجير واستهداف يومي لعناصر «قسد» والتحالف الدولي، فهل تغامر الشركات حقًا باستخراج كميات النفط التي كان مقدرًا لها أن تنضب بعد ستة أعوام فقط، ولن نتحدث هنا عن شرعية الخطوة التي ينوي ترامب القيام بها بنفط سوريا إذ لم تعد سوريا ساحة للحد الأدنى من الشرعية.

يعتقد الصحفي السوري «مرشد النايف» أن «تصريحات ترامب تخفي وراءها نية البيت الأبيض في إبقاء قطاع نفط سوريا تحت هيمنة الشركات الأمريكية»، ويضيف النايف أن «ترامب يعتزم إبقاء نفط سوريا تحت وصاية واشنطن؛ لا أتوقع أن تستفيد أمريكا من النفط السوري، حيث إن كمية الإنتاج لا تتجاوز 400 ألف برميل يوميًّا مقارنة بحاجة أمريكا اليومية إلى النفط، وإلى مستويات إنتاجها التي تجاوزت 12 مليون برميل يوميًّا، إذ لا تملك سوريا طاقة إنتاجية يسيل لها لعاب واشنطن».

ويقول النايف لـ«ساسة بوست» «أعتقد أن هذه هي حدود النوايا الأمريكية، والدليل على ذلك، أن وزير الدفاع الأمريكي «مارك أسبر» نفى نية القوات الأمريكية أخذ الغاز والنفط السوري وأجاب بالنفي وقال «سنبقي النفط تحت هيمنة الحلفاء» ويقصد بهم قسد»، ويشير النايف إلى جانب آخر من نوايا الإدارة الأمريكية والتي تتمثل بالإبقاء على سياسة عصر النظام السوري من خلال العقوبات ومنعه من الوصول إلى واردات هذا القطاع».

ويؤكد على ذلك وزير الاتصالات والنقل والصناعة السابق ووزير الطاقة بالإنابة السابق في الحكومة السورية المؤقتة التابعة للمعارضة محمد ياسين النجار لـ«ساسة بوست» أنه «لا يمكن اعتبار سوريا دولة هامة نفطيًا، فالكميات المنتجة قبل الثورة السورية كانت قرابة 380 ألف برميل وهو رقم ضعيف على سلم الدول المنتجة، أما حاليا بالأرقام المقدرة قرابة 60 ألف برميل والاستثمارات المطلوبة للعودة إلى نفس المستوى السابق ليست متوافرة حاليًا ولن تعود حتى يتم إيجاد حل سياسي يؤدي إلى استقرار الأوضاع في سوريا».

يرى مراقبون ومحللون أن تصريحات ترامب جزء منها موجه للاستثمار الداخلي وللاستحقاقات الانتخابية، كما يقول محمد النجار لـ«ساسة بوست» «إن بقاء القوات الأمريكية قرب منابع النفط وأيضًا قاعدة التنف يرسل رسائل لداخل أمريكا أنهم ما يزالون موجودين في سوريا ولم يتخلوا عن قسد وأيضًا رسالة شعبوية انتخابية لترامب بأنهم ما يزالون يستفيدون اقتصاديًا من تواجدهم».

ويضيف النجار أن الرسائل المتبقية لتصريحات ترامب هي موجهة باتجاه محور ضامني استانة «بأن النفط السوري مجرد ورقة سياسية تستخدمها الولايات المتحدة الأمريكية لمنع إتمام أي حل سياسي دون موافقتها، ورسالة مفادها «أنه لا يمكن استثناؤنا من الحل السياسي»، ويرى النجار أيضًا أن بقاء القوات الأمريكية في منابع النفط يمكن أن يكون مصدرًا معقولًا لتمويل قوات «قسد» وقواتهم أيضًا بالإضافة لمنع تزويد نظام الأسد بالنفط والعملة الصعبة الضرورية.

ومن جهتها فقد اتهمت روسيا الولايات المتحدة، بـ«ممارسة اللصوصية»، وقالت إن «ما تفعله واشنطن حاليًّا من وضع اليد والسيطرة على حقول النفط شرقي سوريا، يدل بكل بساطة على عقلية اللصوصية على مستوى عالمي، مؤكدة أن هذه الحقول النفطية تعود ملكيتها للنظام السوري، وقالت «إن تكلفة برميل النفط السوري المهرب، تبلغ 38 دولارًا، وبذلك تتجاوز العائدات الشهرية من هذا العمل الخاص الذي يقوم به موظفون أمريكيون، 30 مليون دولار شهريًا»، أي أن «قسد» تنتج ما يقارب الـ26 ألف برميل بشكل يومي.

وهددت وزارة الدفاع الأمريكية باستخدام القوة «الساحقة» لأي محاولة من أي طرف كان حتى الروس لانتزاع السيطرة على حقول النفط السورية من أيدي «قسد» المدعومة من قبلها، وهي إشارة قوية من أمريكا للجميع أن لا يقتربوا، حيث يستبعد محمد النجار في حديثه معنا «نشوب أية معارك بين روسيا و أمريكا للاستحواذ على النفط، حيث إن المرحلة السابقة كان يغلب عليها التنسيق سواء على صعيد الجو أو البر حتى أنه لم يحصل أية مناوشات، باستثناء المعركة العسكرية ضد قوات فاغنر المرتزقة والتي كانت خارج الموافقات»، والتي قتل فيها العشرات من المرتزقة الروس بعد غارات جوية أمريكية في مايو (أيار) 2018.

طريق النفط الإيراني إلى دمشق

وجهت العقوبات الأمريكية للنظامين السوري والإيراني ضربة قوية شلت أي وسيلة سهلة في سبيل توريد النفط ومشتقاته إلى النظام السوري الذي يحتاجها للسوق المحلية وكذلك لتشغيل عرباته العسكرية وطائراته الجوية والمروحية، كما فاقمت العقوبات الأعباء التي أثقلت كاهل المدنيين عبر وقوفهم ساعات وربما أيام طويلة للحصول على البنزين لتشغيل السيارات أو المازوت للتدفئة، وحتى غاز الطبخ الذي انقطع لفترة طويلة وبات حلمًا للمواطن السوري، الذي وقع فريسة في بازار السياسة الدولية التي تعلم علم اليقين أن النظام السوري لا يهمه هموم الشعب ولا أحزانه.

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية، فرضت عقوبات شملت 16 فردًا وكيانًا على علاقة بالنظام السوري، بينها شركات متهمة باستيراد الخام الإيراني إلى سوريا، إذ كانت إيران تورد حوالي 50.000 برميلًا يوميًا من النفط الإيراني إلى النظام السوري، ولكن بعد العقوبات أصبح هذا الأمر صعبًا ومعقدًا وحاولت إيران الالتفاف عليه عبر قناة السويس إلا أن ذلك تم اكتشافه وتم إعادة عدد من ناقلات النفط التي كان من المتوقع أنها قد تتجه إلى سوريا، الأمر الذي أجبرها لإيجاد طريقة جديدة ولكنها طويلة.

وقررت إيران البحث عن طرق بديلة غير قناة السويس، وذلك عبر الإبحار في طريق أطول بكثير حول أفريقيا وهذا ما قامت به الناقلة «غرايس 1» التي تحمل كميات كبيرة جدًا من النفط الإيراني، ولكن ذلك أيضًا تم اكتشافه وتم حجز الناقلة عند مرورها في البحر الأبيض المتوسط قرب مياه حكومة جبل طارق التابعة للحكومة البريطانية بناء على طلب من الولايات المتحدة، وهذا يعني انقطاع خط النقل البحري، ولم يتبق أمامها سوى نقل نفطها برًا على الرغم من تكلفته العالية والصعبة، ومن المستبعد أن تقوم روسيا بإرسال كميات كبيرة من النفط إلى حليفها الأسد بسبب فرض عقوبات على ثلاث شركات روسية ومواطن روسي للتورط في إرسال شحنات نفطية إلى سوريا. 

لا يمكن تحديد الرابح الأكبر من هذا الصراع على النفط السوري دونما انتظار ما ستؤول إليه اجتماعات اللجنة الدستورية، وما قد ينتج عنها من حل للصراع الدامي المستمر منذ ثماني سنوات، كما أن الكعكة السورية ما تزال تقطع بشكل مستمر بين المتحاربين على هذه الأرض، ولكن يمكننا معرفة من الخاسر من هذا الصراع بكل تأكيد، إذ يبقى المواطن السوري هو الخاسر الأكبر والمقهور الأول الذي لا بواكي له.

عرض التعليقات
تحميل المزيد