في التاسع من مارس (آذار) 2016، أدانت محكمة أمريكية نظام بشار الأسد، في تفجيرات دموية ضربت الأردن عام 2005، مُخلّفةً عشرات الضحايا، وهي إدانة قد تنقل الأردن إلى مراحل أكثر شدةً وحسمًا تجاه القضية السورية ونظام الأسد، بعد صراع وتوترات شهدتها علاقة البلدين قبل وبعد الانتفاضة السورية.

خلفية التوتر

في سبتمبر (أيلول) 1970، وقع في سوريا ما سُمي بأحداث «أيلول الأسود» عندما قرر الملك حسين بن طلال، مواجهة المُنظمات الفلسطينية المتواجدة على الأراضي الأردنية آنذاك، لتتدخل قوات عسكرية سورية في شمال الأردن، للوقوف بجانب المنظمات الفلسطينية في مواجهة السلطات الأردنية، ما أثار غضب الأردن. لكن التدخل السوري ضد الأردن في تلك الأحداث لم يكن مُستبعدًا، لأن بذور التوتر بين البلدين بدأ بشكل واضح عندما اتهمت سوريا الأردن بدعم محاولة انقلاب عسكري داخلها عام 1966، لتتأجج وتترسخ التوترات بين البلدين بشكل استمر مع وراثة الابنين عبد الله وبشار والديهما حسين وحافظ.

الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد


أصبحت العلاقة تتشكل على هيئة تهديدات سورية متكررة لإسقاط الحكم الهاشمي، ونظرة أردنية للأسد ونظامه البعثي، على أنه يتعامل مع المملكة باستعلاء واستقواء.

تطور الخلافات مع بدء الانتفاضة السورية

مع بداية الانتفاضة السورية في مارس (آذار) 2011، أجرى الملك عبد الله الثاني اتصالين هاتفيين برئيس النظام السوري بشار الأسد، بغرض توجيه عدد من النصائح لاحتواء الأزمة السياسية في البلاد. تركزت نصائح الملك الأردني على إعطاء مزيدٍ من الانفتاح السياسي في البلاد. لم يكتف عبد الله بذلك، وإنما أرسل للأسد وفدًا يترأسه رئيس الديوان الملكي الأسبق، خالد الكركي، كي يشرح له تجربة الأردن في تشكيل لجنة الحوار الوطني. مع هذا لم تُسفر تلك الاتصالات عن أية نتائج، كما لم تؤدِ إلى تقارب في وجهات النظر بين البلدين.

«أعتقد أني كنت سأتنحى لو كنت مكان الأسد»، هذا ما قاله العاهل الأردني في حديث أجراه مع بي بي سي في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، بعد انتقادات واسعة وجهتها الأردن تجاه قمع النظام السوري للمُحتجين، وبذلك يصل النصح الأردني إلى مراحل غير مسبوقة، تهدد ببقاء الأسد في السلطة، بعد تجميد جامعة الدول العربية لعضوية سوريا، وهو أمر يُزيد من غضب النظام السوري.

وزاد الغضب السوري، عندما منحت الأردن حق اللجوء السياسي لطيار سوري يُدعى حسن، هو وأسرته، إذ كان قد انشق عن الجيش السوري بطيارته الحربية «ميج 21»، التي هبطت في مطار المفرق الأردني في يونيو (حزيران) 2012، كما رحبت عمّان بمنح حق اللجوء السياسي للعسكريين السوريين.

وفي مايو (أيار) 2014، وصلت العلاقات الأردنية السورية إلى مراحل أعمق وأشد من الانسداد الدبلوماسي والتوتر السياسي، عندما طردت الأردن سليمان بهجت، السفير السوري بعمان، وعدّته شخصًا غير مرغوب فيه بسبب «تصرفات السفير المسيئة والمتكررة تجاه الأردن ودول عربية شقيقة»، بحسب تصريحات وزير الخارجية الأردني، ناصر جودة، التي نقلتها صحيفة الرياض السعودية، مُشيرًا إلى أن سوريا تستطيع تسمية سفير جديد «يراعي الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها دوليًّا» .في المقابل ردت سوريا بطرد القائم بالأعمال الأردني في دمشق. لتظل العلاقات الدبلوماسية مُجمدة بين البلدين.


في 23 سبتمبر (أيلول) 2014، بدأت الغارات الجوية للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية؛ لاستهداف تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وشاركت الأردن في هذا التحالف، وبعد عدة أشهر أعدم «تنظيم الدولة» الطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقًا، في 4 فبراير (شباط) 2015، ما وطد عداء الأردن للتنظيم، بعد زيادة الغضب الشعبي والحكومي تجاه الحادثة. ويُظهر النظام السوري أيضًا عداءه للتنظيم، وهو ما قد يشي بوجود بعض القواسم المشتركة بين سوريا والأردن. لكن عداء الأسد للتنظيم يبدو أنه غير مُقنع بالقدر الكافي بالنسبة للعاهل الأردني، الذي قال في مقابلة تلفزيونية له، في مايو (أيار) 2015 إن «النظام السوري لم يستهدف تنظيم داعش في بداية تشكله على الأراضي السورية»، مُرجعًا سبب ذلك إلى «رغبة النظام السوري في إظهار قوة أسوأ منه في ظل الموقف الدولي المناهض لدمشق».

في المقابل دائمًا ما يتهم الأسد الأردن بالتآمر على سوريا، عبر «فتح الحدود لقوى الإرهاب وفي مقدمتها جبهة النصرة، نحو الجنوب السوري» على حد وصف الأسد، في حديثه الذي أجراه مع صحيفة يتيرارني نوفيني، التشيكية مطلع عام 2015.

آثار الحرب السورية على الأردن

أحد أبرز النتائج والتأثيرات التي طرأت على الأردن بسبب الحرب السورية، هو استقبال مئات الآلاف من اللاجئين السوريين على أراضيها، فوفقًا لمفوضية اللاجئين التابعة للأمم المُتحدة، فإن الأردن تضم نحو 640 ألف لاجئ سوري، وهي بذلك تُعد ثالث أكبر دولة في دول الجوار، وربما في العالم ككل، تضم لاجئين سوريين بعد تركيا، التي تحتل الصدارة، ولبنان التي تلي أنقرة. لذلك ارتكزت جهود الدبلوماسيين الأردنيين في مؤتمر داعمي سوريا الذي أُقيم في لندن مطلع العام الجاري، على تحملها أعباء أعداد ضخمة من اللاجئين السوريين.

أحد أهم التأثيرات التي وقعت مؤخرًا على الأردن خلال الأشهر الماضية، هو سقوط مدينة الرمثا الأردنية، الموازية لمدينة درعا السورية، بسبب اشتداد القصف الجوي هناك، وهو ما أثار غضب وسخط شعبي، تحاول أن تداويه الحكومة الأردنية بتأكيدها أن الأردنيين ليسوا هم المُستهدفون من الحرب السورية.

جديد العلاقات على خلفية الحكم القضائي الأمريكي

تبنى تفجيرات عمان التي وقعت 2005 آنذاك تنظيم القاعدة. وأسفرت العملية عن مقتل حوالي 57 شخصًا وإصابة 115 آخرين. وكان وقعها شديدًا على الأردنيين، إذ سمي يوم وقوعها بـ«الأربعاء الأسود». وكان من بين القتلى، المخرج السوري مصطفى العقاد صاحب فيلم «الرسالة»، الذي تناول جزءًا من سيرة الرسول محمد، وفيلم «أسد الصحراء» الذي تناول سيرة عمر المختار، وكلا الفيلمين عُرضا في هوليوود.

كما كان من بين الضحايا عدد من الأمريكيين، تقدم محامٍ لضحيتين منهما بدعوى ضد النظام السوري، عام 2012، ليأتي الحكم بإدانة المخابرات العسكرية السورية التابعة لنظام بشار الأسد، فتترسخ وجهة النظر الأردنية إزاء الأسد في قضايا «الإرهاب»، والتي تتلخص في أن الأسد لا يحارب ما يسميه «الإرهاب»، بقدر ما يستفيد منه أو يوظفه في بعض الأحيان، سواء مع تفجيرات عمان التي تبناها تنظيم القاعدة في 2005، أو مع تصاعد «تنظيم الدولة» في سوريا، وعدم محاربته بالقدر الكافي في بداية ظهوره؛ بُغية إظهار أن هناك قوى أسوأ منه، بحسب تعليق العاهل الأردني الذي سبق ذكره.

 

وفي هذا الصدد، يُشار إلى أننا أفردنا تقريرًا عن أثر تصاعد قوة «تنظيم الدولة» في سوريا، بالسلب على الثورة، من خلال تسليط الأضواء الدولية على خطر التنظيم بدلًا من الحديث عن أسباب خطره. وحديثًا، كشف تقرير عن تسريب بيانات 22 ألف عضو في التنظيم، تنسيقًا بين النظام وتنظيم الدولة بحسب مُسرب البيانات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد