تتشكل شعوب المنطقة المغاربية من مكونات عرقية مختلفة ومتنوعة، ولطالما جسدت، باستثناء ليبيا، معاني التعايش والسلم بين طوائف البلد الواحد، إلا أن ما وقع مؤخرا في الجزائر من حرب شوارع بين العرب السنة والأمازيغ الإباضيين بمنطقة غرداية، يعد استثناء للصراعات العرقية والطائفية التي نجدها مشتعلة في بلدان الشرق الأوسط.

اقرأ: ماذا تعرف عن المكونات العرقية لبلدان المغرب العربي؟

فما حقيقة الوضع إذن بمنطقة غرداية؟

1- ماذا وقع في غرداية؟

لم يكن يخطر ببال أحد من الجزائريين أن تندلع مواجهات عنيفة بين العرب المالكيين والأمازيغ الإباضيين في شهر رمضان الكريم مثل تلك التي شهدتها منطقة ولاية غرداية، والتي راح ضحيتها ما لا يقل عن مقتل 22 شخصا وجرح ما يزيد عن 700 فرد، بينهم عشرات من قوات الشرطة والدرك.

 

بدأت شرارة المواجهات في ليلة الإثنين من الأسبوع الجاري، لتزداد شدة في ليلة الثلاثاء مباشرة عقب صلاة التراويح، حيث اشتبكت مجموعات ملثمة بالأسئلة البيضاء وزجاجات المولوتوف وبعض الملثمين كانوا يحملون أسلحة نارية.

تركزت المواجهات العنيفة بين العرب السنة والأمازيغ الإباضيين في مدينتي بريان والقرارة، حيث خلفت بها عشرات القتلى والجرحى بالإضافة إلى تخريب وحرق عشرات البيوت والمحلات التجارية لكلا الطائفتين السنية والإباضية.

وتعد هذه الفاجعة بولاية غرداية أكثر الأحداث عنفا بالداخل الجزائري منذ فترة العشرية السوداء، مما شكل صدمة للرأي العام الجزائري، الذي ما فتئ يدعو سلطات الدولة إلى فرض الأمن بمنطقة غرداية وحث أعيان المنطقة على إطفاء نار “الفتنة”.

2- ما أسباب كل هذا العنف المفاجئ؟

في الواقع ليست هي المرة الأولى التي تنشب فيها مواجهات بين العرب والأمازيغ في ولاية غرداية وإن لم تبلغ درجة العنف كالتي بلغتها في الفترة الأخيرة، فقد سجلت اشتباكات بين الطرفين منذ مارس 2008، وفي نهاية نفس السنة عرفت مواجهات خلفت ثلاثة قتلى.

ورغم أن المواجهة تتخذ طابعا مذهبيا عرقيا، إلا أنها في الحقيقة حسب محللين تعود إلى تناقضات اجتماعية وثقافية بين سكان غرداية، وإلى التهميش الذي يطال المنطقة.

تسكن ولاية غرداية غالبية من الأمازيغ الإباضيين وأقلية متوسطة من العرب السنة، وقد كانوا جميعهم يعيشون في سلام وتعايش منذ قرون رغم اختلافاتهم المذهبية والعرقية، إلا أنه في العقد الأخير أصبحت هذه التمايزات الطائفية تطفو إلى السطح وتخلق صدامات عنيفة بين الفينة والأخرى.

يقول الخبراء إن الصراع بين الطائفتين يتخذ بعدا اقتصاديا اجتماعيا في جذوره، حيث إن العرب المالكيين يُحملون الأمازيغ المعروفين بتعاطيهم للتجارة مسؤولية فقرهم، أما الأمازيغ فيرون أن الدولة الجزائرية تعطي كل الامتيازات للعرب من حيث الوظائف الإدارية والصفقات العمومية. إذ أن كل طرف يشكو من حيف الطرف الآخر، ويتهمه بمحاولة إنهاء وجوده.

ويبدو أن الصراع بين الطرفين الجزائريين أصبح في الفترة الأخيرة يصطبغ بصبغة مذهبية متأثرا بأحداث الشرق الأوسط المتخمة بالعنف والصراعات المذهبية، بحيث يمكن لمناوشات بسيطة أو إشارات استفزازية أن تؤدي إلى إشعال مواجهات واسعة كما حدث في ليلة الإثنين الأسود.

3- كيف تعاملت الدولة الجزائرية مع أحداث العنف بغرداية؟

لم تستطع الشرطة الجزائرية في البداية وقف المواجهات الدامية الليلية بين العرب والأمازيغ والتي استمرت طوال ساعات، نظرا لاتساع رقعتها وانتشار مجموعات ملثمة مسلحة، ما جعل كثيرا من الجهات الداخلية تتهم جهاز الشرطة بالتقاعس والتواطؤ في اشتعال الاشتباكات، غير أنه حينما ساد الوضع انفلاتا أمنيا كلف الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الجيش باستعادة الأمن وإنهاء الانفلات بالقوة، وكان ذلك خلال اجتماع طارئ للمجلس الأعلى للأمن، عقده أمس الأربعاء على خلفية الأحداث.

وتم نشر7000 من قوات الأمن الجزائرية ما بين عسكري وشرطي بعد إعلان حظر التجوال ليلا بمنطقة غرداية.

ومن جهة أخرى تعهد الوزير الأول عبد المالك سلال بفرض الأمن في غرداية بالقوة، مطالبا أعيان المنطقة بتحمل مسؤولياتهم لإعادة اللحمة بين الساكنة، كما أعلنت الداخلية الجزائرية فتح تحقيق لمتابعة المتورطين في أحداث العنف قضائيا.

وقد عملت مجموعة من القوى المدنية والسياسية على جمع شمل ساكنة غرداية وحثهم على نبذ الثأر والانتقام، مذكرين “بأنهم جميعا في الأخير جزائريون مسلمون”.

من ناحية أخرى يشدد مراقبون على ضرورة الارتقاء بمستوى التنمية والقضاء على التهميش والفقر والبطالة بمنطقة غرداية، حتى لا تبقى قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت، مما قد يشكل تهديدا للأمن القومي الجزائري والوحدة الجزائرية.

اقرأ: كيف تسير السياسة في الجزائر؟ 8 أسئلة تجيبك

 

4- هل هناك أياد خفية وراء أحداث غرداية؟

انفجار الوضع في الجزائر بصورة مفاجئة وقوية جعل البعض يفكر في إمكانية وجود أياد خفية وراء الأحداث الدامية سواء كانت داخلية أو خارجية.

يجري الحديث في الصحف الجزائرية بأن جهات خارجية ممثلة في أطراف معينة بالمغرب وليبيا عازمة على زعزعة استقرار أمن الجزائر، وقد تكون حسبها متورطة في إذكاء أحداث غرداية الدامية.

بينما يرى آخرون أن النظام الجزائري نفسه قد يكون متواطئا في اشتعال الوضع في غرداية من أجل تحسيس المواطنين الجزائريين بأنهم في خطر وتهديد للحفاظ على النظام القائم.

أما البعض فيرى أنها أحداث مسيسة من قبل جهات داخلية تريد تصفية حساباتها المرتبطة بالصراع حول النفوذ في السلطة المحلية بولاية غرداية، أو أن قوى سياسية معروفة تريد استغلال النعرات الطائفية والعرقية من أجل صنع ربيع “ثوري” بالجزائر.

وأيا كان فلا زالت التحقيقات جارية لحد الساعة، ولا زال الهدوء الحذر يغلف أجواء غرداية.

5- ما هي تداعيات أحداث غرداية على الجزائر؟

تحمل أحداث غرداية الدامية الأخيرة نذير شؤم للجزائريين، فما كادوا يتجاوزون العشرية السوداء الأليمة، حتى أضحت الحرب الأهلية تطل برأسها من جديد.

تهديد الوحدة الجزائرية من خلال الصراعات الطائفية سيؤدي بدون شك إلى زيادة القبضة الأمنية العسكرية على الوضع في غرداية، مثلما ستؤثر سلبا المواجهات الأخيرة في استرجاع التعايش والسلم بين الساكنتين العربية السنية والأمازيغية الإباضية.

ستضيف أيضا الصراعات الطائفية الداخلية عبئا أمنيا ثقيلا على قوات الجيش الجزائري المشغولة أصلا بحماية الحدود الساخنة مع ليبيا والمغرب ومالي وتونس، حيث تنتشر هناك الجماعات المتطرفة وعصابات المخدرات.

أحداث غرداية الدامية تزيد الوضع سوءا، حيث من المفترض أن تحافظ الجزائر على أجواء الاستقرار والأمن خصوصا في ظرفية حساسة تمر بها المنطقة العربية بكاملها، وأيضا لإتمام انتقال سلس لمرحلة ما بعد بوتفليقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد