«البلاد في خطر»، بهذه الجملة اختُتمت سلسلة من التغريدات على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، منسوبة لوزير الدفاع الأسبق الجنرال خالد نزار، هاجم من خلالها قائد أركان الجيش الجزائري الفريق القايد صالح بقوة، دون أن يذكرهُ بالاسم. تغريداتٌ طالب فيها الجنرال نزار بـ«وضع حدٍّ للقيادة العسكرية الحالية التي استحوذت -حسبه- على الحراك السلمي الذي تشهده البلاد مُنذُ خمسة أشهر تقريبًا، رهينة شخص فرض الولاية الرئاسية الرابعة، وهو من ألهم الولاية الخامسة وينبغي أن يوضع له حد».

تأتي هذه الخرجة التي لم تردّ عليها القيادة العسكرية بعد، في وقتٍ تصاعدت فيه الانتقادات في الجزائر حول الدور المبهم حسب الكثيرين، للقيادة العسكرية التي تعهدت بمرافقة الحراك الشعبي حتى تلبية مطالبه بعد استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في شهر أبريل (نيسان) الماضي؛ ممّا طرح على الساحة سيناريو حدوث انشقاق في صفوف المؤسسة العسكرية قد يفتح بابًا للانقلاب عليها. في هذا التقرير نحاول رفقة الخبراء تشريح مدى احتمالية سيناريو الانقلاب على القايد صالح.

حراك 2019 ليس الأوّل.. حكايات انتفاضات الجزائريين المُجهضة منذ الاستقلال

«الجيش أم الشعب».. من الذي تغيّر أكثر خلال آخر 30 سنة؟

لا يزال الحراك الشعبي في الجزائر والذي يدخل شهره السادس يثير الجدل والاستغراب معًا؛ نظرًا إلى السلمية التي انتهجها الشعب والجيش، والتي طرحت في أذهان الكثير من المراقبين سؤالًا، وهو: من الذي تغيّر، الجيش أم الشعب؟ وبالعودة إلى آخر موجة مواجهةٍ بين الجيش والشعب في الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي، والتي أعقبت تدخل الجيش بإلغائه نتائج الانتخابات البرلمانية التي كانت بصدد إعلان نظامٍ جديدٍ للجزائر تحت لواء الإسلاميين؛ أسفرت تلك المواجهة عن أنهارٍ من الدم سقط خلالها أكثر من 200 ألف جزائري، وزجّ بعشرات الآلاف في السجون، وأفضت إلى قطيعة شبه تامة في علاقة الجيش والشعب، سرعان ما عادت بين الجهتين في أعقاب المصالحة الوطنية التي أنهت موجة العنف في البلاد.

وقبل دخول البلاد في أتون الحرب الأهلية مطلع سنة 1991، لم تتوان قيادة الجيش وقتها تحت قيادة قائد الأركان الجنرال خالد نزار في قمع الشعب الذي خرج في مظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) 1988؛ إذ أعطى أوامره بإطلاق الرصاص الحيّ على جموع المتظاهرين حينها، مسفرًا عن مقتل مئات الجزائريين، راسمًا بذلك الوجه الجديد للجيش الجزائري الذي لا يرحم شعبه.

ولا تزال صورة نزول المدرعات والجنود ومحاصرتها للعاصمة الجزائرية وكُبريات الولايات في يناير (كانون الثاني) 1992، بعد إعلان الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد استقالته، وإلغاء الانتخابات التي فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حاضرة لدى الجميع.

ومع جلوس بوتفليقة على كرسيّ الحكم بعد توافقٍ بين جنرالات الجيش حوله، عمل على تحييد الجيش عن لعب أي دورٍ سياسي، واستطاع سنة 2004 إقالة الجنرال محمد العماري الذي يعتبره الجزائريون مسؤولًا مباشرًا عن دور الجيش في العشرية السوداء من قيادة الأركان؛ ليخلفه الجنرال أحمد قايد صالح قائد القوات البرية في الجيش الجزائري.

يصف فلافيان بورات الخبير العسكري والباحث في «معهد البحوث الاستراتيجية»، في المدرسة العسكرية (IRSEM)، والمتخصص بشؤون المنطقة المغاربية والشرق الأوسط الفترة من سنة 1989 إلى سنة 2004؛ بأنها العصر الذهبي للضباط الفارين من الجيش الفرنسي، فقد شهدت تلك الفترة بروز جنرالات سبق لهم الخدمة في الجيش الفرنسي قبل الالتحاق بالثورة الجزائرية، وتميّزت تلك الفترة، حسب بورات، بالمواجهة المسلحة ضد الإسلاميين، وهو الأمر الذي أفقد الجيش الجزائري مكانته بين الجزائريين، وصعّب من محاولات إعادة الثقة بين الجيش والشعب بإقالة العماري.

في مطلع سنة 2011، كانت المنطقة العربية أمام تغيّر لم يكن في الحسبان، باندلاع ثورات الربيع العربي التي رسمت علاقة تنافر بين الشعوب العربية وجيوشها؛ نظرًا إلى الأدوار السلبية للجيوش في هذه الثورات وتورطها ضد المتظاهرين. لم تكن الجزائر حينها في منأى عن الربيع العربي عبر الاحتجاجات التي عرفت بثورة الزيت والسكر، والتي اتهم فيها الملياردير أسعد ربراب إحدى الأذرع الاقتصادية لعرّاب الدولة العميقة، الجنرال محمد مدين المدعو الفريق توفيق، بتحريك الشارع وإثارته ضد بوتفليقة.

لم يترك الجيش الجزائري حينها بصمة في الأحداث غير تحذيره للجزائريين من العبث بأمن البلاد، غير أنّ المتابعين رأوا أن ردّ الجيش على تلك الأحداث كان بالتحالف مع الرئاسة من أجل إطاحة مدير المخابرات الفريق محمد مدين، الرجل الأقوى في الجزائر حينها، والذي حدث سنة 2015، والتي وصفها القايد صالح بالقول: «سنة 2015 استشرفنا خفايا المؤامرة المحاكة ضد الجيش»؛ ليبدأ ما أطلق عليه الجيش في خطاباته السابقة بعمليات التطهير داخل المؤسسة العسكرية، والتي أفضت إلى قيادة جديدة مغايرة لقيادة التسعينات.

Embed from Getty Images

على جانبٍ آخر، وعلى الرغم من تشابه المطالب بين احتجاجات أكتوبر 1988، وحراك فبراير (شباط) 2019، فإن فاتورة وتجربة أكتوبر وما أعقبها من العشرية السوداء وتجارب الربيع العربي المريرة؛ جعلت الجزائريين يحرصون على الطابع السلمي. وهو ما تؤكده أستاذة العلوم السياسية في «جامعة غارداية» الدكتورة هجيرة بن زيطة لـ«ساسة بوست» بالقول إنّ: « الشعب الجزائري تغيّر في عقليته بعد أن استلهم من الدروس المريرة التي عايشها، فآثر الحفاظ على سلميته في مطالباته، وحوّلها إلى سلاح فتاك ضد خصومه، من دون أن ننسى أنّ العنف في السابق كان في الكثير من المرّات من تخطيط جهات استخباراتية، بهدف إفشال أي حركة وموجة ثورية للجزائريين».

مضيفةً أنّ: « بعد العشرية السوداء وما رافقها من فساد على جميع الأصعدة، كان لا بد أن يولد جيل جديد يقود الجزائر نحو الإصلاح والتغيير؛ فالشعب الجزائري الذي خرج في 22 فبراير بطريقة سلمية وحضارية مطالبًا بسقوط العصابة والذهاب نحو استعادة الشرعية الشعبية في إدارة الدولة، قد تجاوز فزاعات التخويف بالإرهاب، حيث صارت ثقافة الشعب أكثر وعيًا وتفتحًا على ثقافات العالم، وأساليب وأدوات التغيير الحضارية؛ خاصة بعد التجارب المريرة التي مرت بها المنطقة العربية بعد ما عرف بالربيع العربي».

«تطهيرٌ أم إعادة تموقع».. ما الذي تغيّر في الجيش الجزائري؟

كان مصطلح «التطهير» المفردة التي لم تخلّ من خطابات الجنرال أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع الجزائري وقائد الأركان، في وصفه للإقالات التي قامت بها قيادة الجيش في السنوات الأخيرة؛ والتي سمحت حسبه بوجود قيادة حالية للجيش تتماشى مع مطالب الشعب، وتسهر على حمايته، وتتفادى الدخول في صراعٍ معه مثل ما حدث في التسعينيات. وهي الرواية التي قسّمت الشارع الجزائري بين من رآها حقيقية، ووجب الحفاظ على مكاسبها بالدفاع عن مواقف الجيش من خلالها، وبين من عدها صراع مصالح بين الأقطاب المتحكمة في الجزائر، وجزءًا من ترتيب المشهد السياسي لمرحلة ما بعد بوتفليقة.

وتعود حملة التطهير التي مسّت قيادات أمنية وعسكرية بالجزائر إلى سنة 2015، حين تمت إطاحة الفريق محمد مدين في سبتمبر (أيلول) من السنة ذاتها، وما أعقبها من حملة إقالات شملت عشرات الضباط والعمداء، بالإضافة إلى إجراء تحويرات في المناصب العليا للجيش والشرطة وقوات الأمن في البلاد. وكانت «قضية الكوكايين» التي كشف الجيش عنها؛ الفرصة الذهبية للقايد صالح لإنهاء مهام قائد الشرطة اللواء عبد الغاني الهامل، وقادة النواحي الستة الذين كانوا يشكلون عقبةً أمام القيادة الحالية.

الجنرال أحمد قايد صالح

وفي هذا السياق يرى الناشط السياسي والمدوّن المهتم بالقضايا السياسية والعسكرية، أمين وناس، في حديثه مع «ساسة بوست» التصوّر الذي راج قبل اندلاع الحراك الشعبي عن التطهير بأنّه: « خلال السنوات التي مضت بالفعل؛ كان التطهير رواية وأطروحة، لكن الأحداث التي فرضت نفسها هي ما جعلت التطهير في المؤسسة العسكرية واقعًا له امتداد خلال السنوات الماضية. وان كل التغييرات العسكرية والأمنية التي حدثت على مستوى الهياكل والمناصب، كانت تندرج ضمن خطط وتكتيكات ورؤى للمرحلة التي نعيش تجلياتها اليوم، والجيش كان المؤسسة الأقوى التي حضرت نفسها لمثل هذه الظروف التي تعيشها الجزائر اليوم».

وأضاف وناس: «عملية التطهير بدأت فعلًا باعتبارها مشروعًا وتصورًا لدى قيادة الأركان الحالية سنة 2015؛ لكن بداياته الميدانية تعود إلى سنة 2013، عندما أُدخلت محطات أمنية عديدة على الجهاز السابق للمخابرات وقيادة الأركان في مواجهة مباشرة، منها «عملية تيقنتورين»، لأن أبعاد القضية أصبحت إقليمية ودولية، وضباط كثر في الجيش على مستوى القيادة تأكدوا أنه لا تعايش مع دولة الجنرال توفيق وضباطه وكيانه الموازي، ومع مرض بوتفليقة، دخلت اللعبة تكتيكات سياسية معقدة، وأخرجت بعضًا من تركيبات النظام وزواياه المظلمة».

ويشير تقرير لـ«معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» إلى أنّ نجاح الجيش في حلّ «دائرة الاستعلام والأمن» كان بمثابة المحور الرئيسي في الصراع بين الفصيل الرئاسي والجهاز العسكري الأوسع، والذي أصبح من خلاله الجنرال أحمد قايد صالح، رجلًا قويًّا في الجزائر. إذ مارس نفوذًا كبيرًا على الحكومة أكثر من أي فصيل آخر في النظام.

وفي ضوء تدهور وضع الرئيس الصحي، أخافت سلطة القايد صالح المتزايدة الفصائل الأخرى، لا سيّما الفصيل الرئاسي ورجال الأعمال الموالين للنظام، بقيادة شقيق الرئيس السابق سعيد بوتفليقة، ما أدّى إلى نشوب صراع على السلطة بين هاتين المجموعتين. وبالرغم من أن الجنرال قايد صالح وبوتفليقة حليفان، تسبّب الخلاف حول اختيار الرئيس المقبل في حدوث تنافر وتنافس يهددان بإنهاء شراكتهما.

ومع نجاح الحراك الشعبي في إزاحة بوتفليقة بضغطٍ من الجيش، أخذت عمليات التطهير بعدًا آخرًا بفتح العدالة لملفات الفساد؛ واعتقال عشرات الوزراء والمسؤولين الحكوميين بتهم الفساد، وهو ما عبّر عنه الفريق أحمد قايد صالح في خطابه يوم 30 أبريل الماضي بالقول أنّ: «عملية التطهير لا تزال في بدايتها وأنّ القيادة الحالية للجيش لن تسكت عن فساد المفسدين، وانها – أي القيادة العسكرية الحالية – كانت سباقةً في التطهير من خلال إحالة القادة السابقين في النواحي العسكرية وضباط ساميين إلى المحكمة العسكرية».

في هذا الصدد يشير القائد العام للكشافة الإسلامية الجزائرية السابق، محمد بوعلاق، خلال حديثه لنا، إلى أنّ: «الجيش الوطني الشعبي مؤسسة دستورية وليست شخصًا أو مجموعة أشخاص تعمل على محاربة الفساد واستكمال الاستقلال الثقافي والاقتصادي للبلاد، وهذا يقلق بعض الأطراف الأجنبية التي ستفقد كثيرًا من المصالح والامتيازات غير المشروعة في الجزائر. لذلك نجدها تفعل كل شيء من أجل الإبقاء على نفوذها، لكن وعي الشعب الجزائري والتلاحم الموجود بينه وبين الجيش سيفوت الفرصة على جميع المتربصين».

«الضباط والجنود».. انقسام بين تأييد القيادة العسكرية والشعب

في دراسة استقصائية أجرتها «مؤسسة بروكينجز» البحثية تحت عنوان «احتجاجات الجزائر دراسة استقصائية للمتظاهرين والجيش» في الفترة ما بين أول أبريل وأول يوليو (تموز) الماضيين، استطلعت من خلالها آراء أكثر من 9 آلاف جزائري، حول موقفهم تجاه الاحتجاجات ومطالبها؛ كما شملت الدراسة أيضًا استطلاع رأي 1700 عسكري لقياس مدى رضاهم بمسار القيادة العسكرية الحالية. أعلن غالبية الجزائريين (متظاهرين وعسكريين) في ذلك الاستطلاع عن دعمهم للحراك الشعبي؛ متمنين التغيير الكامل للنظام السياسي، ومعبرين في الوقت نفسه عن سأمهم من الفساد وتفضيلهم للانتقال الديمقراطي المرجو في الجزائر.

ورأت الدراسة أن الجيش – الجنود والضباط الصغار- يتفقون إلى حدٍ كبيرٍ مع المتظاهرين في مطالبهم بالتغيير ومحاربة الفساد، لكن كبار الضباط أكثر دعمًا للإجراءات التي تقوم بها المؤسسة العسكرية، وهي الإجراءات التي يتحفّظ عليها الكثير من الجزائريين، بينما كان الحذر سمة كبار الضباط العسكريين في التعبير عن مدى تشكيكهم في المسار الذي تنسجه القيادة العسكرية، وذكرت الدراسة أنّ هذه الفجوة بين كبار الضباط وأقل رتبة منهم هي التي كانت عائقًا في قمع الجيش لحركة الاحتجاج حتى الآن.

وهي النقطة التي أكّدها مصدر عسكري في حديثه مع «ساسة بوست» بالقول إنّ: « القيادة العسكرية تعمل دوريًّا على مُساءلةٍ «ودية» للجنود الجزائريين حول آرائهم في الحراك الشعبي ومدى رضاهم عن المسار الذي تنتهجه القيادة العسكرية»، مؤكدًا: «رضى ودعم طائفة كبيرة من العسكريين للإجراءات التي تعتمدها العدالة الجزائرية ضد رموز النظام السابق».

وخلصت دراسة «بروكينجز» إلى أنّ العلاقات المدنية العسكرية ستكون العقبة الرئيسية أمام تحقيق الديمقراطية في الجزائر، إذ إنها لمحت اختلافات كبيرة بين المتظاهرين والعسكريين – من جميع الرتب- حول ما إذا كان يجب أن يحكم الجيش على الساحة السياسية، وإذا ما كان يجب التحقيق في الجيش عن الانتهاكات التي ارتكبت في التسعينيات، وما إذا كان ينبغي زيادة ميزانية الجيش.

ومع ذلك، هناك أيضًا بعض مجالات الاتفاق، إذ يتفق المحتجون إلى حد كبير مع الجيش على منحها حق النقض (الفيتو) على قرارات الأمن القومي، ووجود وزير دفاع ذي خلفية عسكرية. والأكثر إثارة للدهشة، في هذه المرحلة، أن هناك القليل من الدعم حتى بين المتظاهرين لإقالة قائد الجيش جيد صلاح، على الرغم من أن هناك أيضًا القليل من الدعم له للعب دور سياسي.

وأشارت تقارير إعلامية إلى وجود انقسام حادٍ في صفوف القيادة العسكرية حول مصير الجنرال محمد مدين المعتقل منذ أربعة أشهر، وتشير التقارير ذاتها إلى أنّ ثلث الضباط العشرين المشكلين للقيادة العسكرية الجزائرية يظلون معاديين للطريقة المستخدمة ضد الجنرال توفيق.

لماذا أصرّ الفريق قايد صالح على حماية بوتفليقة حتى اللحظة الأخيرة؟

«مدنية ما شي عسكرية».. الحراك منقسم حول مصير القيادة العسكرية

تعالت الأصوات الغاضبة من المسار الذي تنتهجه المؤسسة العسكرية في سبيل حلّ الأزمة السياسية، التي تعصف بالبلاد منذ استقالة بوتفليقة؛ والإعلان عن تنظيم رئاسيات في الرابع من يوليو الماضي، والتي رفضها الحراك واضطرت السلطة إلى إلغائها، ويردّد المحتجون منذ أزيد من 10 أسابيع شعارات مناوئة لقائد الأركان بسبب ما يقول عنه المتظاهرون تواطؤًا من القايد صالح مع جزءِ من نظام بوتفليقة وتصفية حسابه مع جزءٍ آخر، واتهامه باستخدام العدالة للنيل من خصومه بعد أن قرّرت المحكمة العسكرية وضع كلٍ من الجنرال توفيق والسعيد بوتفليقة وآخرين في السجن.

وكانت شعارات من قبيل «قايد صالح ارحل»، و«جمهورية ماشي كازيرنة» (جمهورية وليست ثكنة عسكرية)، و«الجيش ديالنا والقايد خانا» (الجيش جيشنا وقايد صالح خاننا) و«الجيش والشعب خاوة خاوة والقايد صالح مع الخونة» أبرز الشعارات المناوئة للقيادة العسكرية، والتي أبرزت حجم الرفض الذي يتلقاه الفريق أحمد القايد صالح وسط قطاعٍ واسعٍ من الحراك الشعبي.

وكان الفريق أحمد قايد صالح قد اتهم جهاتٍ أجنبية بالتنسيق مع عملاء من الداخل لضرب سلمية المسيرات والتشويش على جهود الجيش لحلحلة الأزمة، كما أعرب القايد صالح عن غضبه من بعض الشعارات التي تتردّد في الحراك بقوله إن شعار «دولة مدنية ماشي عسكرية» الذي يرفع كل جمعة مجرد «أفكار مسمومة أملتها دوائر معادية الجزائر».

وزاد غضب المتظاهرين في الأسابيع الأخيرة من الإجراءات التي تفرضها السلطات الأمنية؛ فبعد أن أعطى القائد صالح الضوء الأخضر لمنع رفع أي راية غير الراية الوطنية، حدثت مصادمات عديدة بين المحتجين وقوات الأمن، وتضاعف عدد المعتقلين السياسيين في الفترة ذاتها، ما جعل المحتجين يحمّلون قائد الأركان مسؤوليتها.

«دعوات لإطاحة القايد صالح».. هل هي بوادر انقلاب داخل الجيش الجزائري؟

أثارت تغريدات على موقع«تويتر»، منسوبة لوزير الدفاع الأسبق الجنرال خالد نزار جدلًا واسعًا، إذ صرّح نزار من خلالها عن التطورات المتسارعة التي تشهدها الجزائر منذُ إقالة الجيش الجزائري لبوتفليقة في أبريل الماضي، وقال الجنرال نزار الشهير بخرجاته المثيرة والمتهم من طرف الحراك باقتراف جرائم خلال التسعينيات، في تغريدة على التويتر باللغة الفرنسية «الحراك السلمي الذي تشهده البلاد مُنذُ خمسة أشهر تقريبًا أجبر بوتفليقة على التنحي، غير أن السُلطة تم الاستحواذ عليها بالقوة العسكرية، والدستور (القانون الأعلى في البلاد) تم خرقه بوساطة تدخلات غير شرعية، الجزائر حاليًا رهينة شخص فظ فرض الولاية الرئاسية الرابعة، وهو من ألهم الولاية الخامسة، وينبغي أن يوضع له حد، البلاد في خطر».

وأضاف في تغريدة ثانية أنه «من أجل مصلحة الوطن قام في سنة 2015، بمراسلة الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة وطالبه بحكم تجربته ومعرفته وخبرته بضرورة تغيير قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح بضابط أصغر سنًّا»، قبل أن يختم سلسلة تغريداته بالقول: «من المؤسف أن الضباط رفيعي المستوى، بعد أن التحقوا بالمدارس الكبرى، تحت رحمة هذا الشخص المحزن، وبدون الخدمات العامة، لم تكن العصابة لتنجو بهذه الطريقة. لقد ضلّل الجيش الشعبي الوطني الذي لم يكن لديه نية للتدخل في أخطائه».

وعد الكثير من المراقبين تصريحات خالد نزار الأخيرة؛ دعوة إلى الانقلاب على القيادة الحالية. وهو ما أبرزه الصحافي نجيب بلحمر بالقول إنّ خرجة الجنرال خالد نزار: «تهدد استقرار الجيش لأنها تحمل دعوة صريحة إلى إطاحة رئيس الأركان، وهذا يمس بعامل الانضباط في الجيش الجزائري، والذي يعتبر الأساس الذي تقوم عليه المؤسسة العسكرية، بصرف النظر عن الجدل الذي أثارتها قراراتها في مراحل مختلفة، ثم إنها تعيدنا إلى صراع العصب الذي ثار الجزائريون سلميًّا من أجل طيه نهائيًّا ببناء جزائر جديدة بنظام مفتوح يقوم على أساس من القانون».

وبدوره أكد الناشط السياسي سمير بلعربي في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «تغريدات خالد نزار تعبر عن جناح كان في الحكم سابقًا، يخشى أن يفتح ملف العشرية السوداء فيتعرض للمتابعة والمحاكمة، فاستبقوا الأمر بالتحريض على قيادة الأركان»، مضيفًا أنّ: «خالد نزار وجناحه متهم بقتل وإبادة وتشريد واختطاف عشرات الآلاف من الجزائريين الذين يطالبون بمحاكمته اليوم».

بدوره أعرب الصحافي والمحلل السياسي حسان الزهر عن قلقه من خرجة الجنرال خالد نزار الأخيرة، مؤكدًا أنّ «دعوة الانقلاب على القيادة الحالية، انتقلت من بعض القوى العرقية والإسلامية المتطرفة والمتحالفة، إلى قيادات عسكرية من داخل الجيش موالية بالكامل لفرنسا، وهذا يعني بصورة واضحة، أن فرنسا حركت أذنابها رسميًّا بعد أن يئست من الوضع، وانتقلت إلى تفعيل مخططات إطاحة القيادة العسكرية الحالية لاستعادة الجزائر من جديد».

أمّا أمين وناس فقال لـ«ساسة بوست» إنّ: «الخرجة الأخيرة للجنرال خالد نزار تندرج ضمن بقايا الكيان الموازي المعروف عنه أنه امتداد للمصالح الفرنسية داخل الجزائر، ولا يمكن قراءتها بعيدًا عن تصريحات المجاهد بورقعة، الذي جرى استغلاله في تكتيك إعلامي مضاد للجيش، وهذا أمر واقع إن قلنا إنه منذ إطلاق ماكنة الجيش في صراعها ضد الدولة العميقة ونظام بوتفليقة، حاول هذان الطرفان بشتى الطرق خلق انقسام داخل القيادة العسكرية العليا أو إحداث انقلاب».

وعن احتمال نجاح دعوات خالد نزار للانقلاب على قيادة الأركان؛ أجاب وناس بالقول: «لا أظن أنه يمكن اليوم إحداث انقلاب داخل الجيش؛ لأن نواته الصلبة قد تشكلت منذ سنوات، ولو تابعنا جميع أسماء القيادات لوجدناها بدون ولاءات سياسية، بل هي كوادر عسكرية تقنية تكنوقراطية تقدم ولاءها التام للمؤسسة العسكرية، وهنا يصعب الاختراق بشكل بالغ أمام المناورات القادمة من الخصم».

كيف يفسر الاقتصاد صعود عملة الجزائر رغم التوترات السياسية؟

المصادر

عرض التعليقات
s