تشوب عدد من الأرقام والإحصاءات التي يصدرها نظام ما بعد بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو(تموز) 2013، سواء من مصادر رسمية أو وسائل الإعلام المؤيدة له، التضارب والتناقض، بسبب تباينها من مصدر لآخر

عدد من الأرقام والإحصاءات، التي يصدرها نظام ما بعد الثالث من يوليو (تموز) 2013 في مصر، سواء من مصادر رسمية أو وسائل الإعلام المؤيدة له؛ يشوبها التناقض والتباين من مصدر لآخر.

ويأتي هذا التضارب، في عدد من الملفات الهامة،كالحرب على «الإرهاب»، وحجم المساعدات الأجنبية لمصر، وأرباح قناة السويس، والتفريعة الجديدة، واستثمارات المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في شرم الشيخ العام الماضي.

كذلك فإن وسائل الإعلام، وخلال تغطيتها لاستطلاعات «مركز بصيرة» عن شعبية الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي»، تتجاهل الحديث عن جوانب محورية فيها قد تُقلص نسب التأييد المعلنة للسيسي.

أرقام «الحرب على الإرهاب»

يشن النظام المصري ما يسميه «حربًا على الإرهاب»،تقع أحداثها بشكل أساسي في سيناء، وتتضارب أرقام المسؤولين حول نتائج الحرب، بشكل مُثير للجدل.

في 28 أبريل (نيسان) 2014، وقبل أسابيع قليلة من فوز السيسي رسميًا بمنصب رئيس الجمهورية، قال وزير الداخلية السابق «محمد إبراهيم»، إن الأجهزة الأمنية نجحت «في القضاء على 99% من البؤر الإرهابية على مستوى الجمهورية»، وتقلصت نسبة القضاء على البؤر الإرهابية في سيناء إلى 95% ، بحسب ما أفاد به رئيس الوزراء السابق «إبراهيم محلب»، في السابع من يوليو (تموز) 2014.

وفي السابع من سبتمبر (أيلول) 2014، وبعد شهرين من إعلان الحرب على «الإرهاب» في سيناء منذ تصريح محلب، صرح اللواء «مدحت المنشاوي»، مساعد وزير الداخلية للعمليات الخاصة،بنفس النسبة التي تحدث عنها محلب التي تبلغ 95%. وبعد أقل من أسبوع من تصريحات المنشاوي، جدد محمد إبراهيم تأكيده على قضاء الأجهزة الأمنية على 99% من «الإرهاب» على مستوى الجمهورية.

لكن هذه النسبة تقلصت مرة أخرى بعد ثلاثة شهور من الحرب على «الإرهاب» منذ تصريح محمد إبراهيم ، في 15 ديسمبر (كانون الأول) 2014، بحسب ما جاء على لسان  المتحدث السابق باسم وزارة الداخلية ومساعد الوزير الحالي، اللواء «هاني عبد اللطيف»، عندما قال «قضينا على الإرهاب بنسبة 75 % ». وفي الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، قال السيسي «قضينا على 90% من الإرهاب في سيناء»،

وبتحليل نسب القضاء على «الإرهاب» المتناقضة، التي أفصح عنها المسؤولون، فقد تبين أن نسبة القضاء على «الإرهاب» تقل مع استمرار «الحرب على الإرهاب»، بدلًا من أن تزداد؛ إذ تقلصت نسبة القضاء على «الإرهاب» على مستوى الجمهورية من 99% إلى 75%، فيما تقلصت نسبة القضاء على «الإرهاب» في سيناء من 95% إلى 90%.

المساعدات الأجنبية لمصر

في الثالث من أغسطس (آب) الجاري، خرج للنور تقرير البنك المركزي المصري، الذي قدمه محافظ البنك، «طارق عامر»، إلى مجلس الوزراء المصري، في 20 يوليو (تموز) الماضي، وتحدث التقرير بشكل أساسي عن حركة النقد الأجنبي في مصر، منذ عام 2011.

وتُعد إحدى أهم الإحصاءات العامة، الذي كشفها تقرير البنك، هو وصول إجمالي حجم المساعدات المالية التي حصلت عليها مصر منذ 2011، وحتى 2016 إلى 30 مليار دولار، من دول المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وقطر، وتركيا، وليبيا، مُقسمة بين 7.5 مليار دولار في عامي 2011، و2012، و22.5 مليار دولار في الأعوام من 2013 وحتى 2016.

جدول أورده تقرير البنك المركزي عن إجمالي المساعدات المالية من 2011 إلى 2016

وبتحليل الأرقام الواردة في الجدول، بناءً على مواقف الدول الممولة لمصر تجاه جماعة «الإخوان المسلمين»، وقيادات القوات المسلحة في مصر، تبيّن أن حجم المساعدات المالية التي حصلت عليها مصر، عقب بيان القوات المسلحة، في الثالث من يوليو (تموز) 2013، يبلغ حوالي 17مليار دولار، من كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، على النحو التالي: سبعة مليار دولار في عام 2013، وثلاثة مليار دولار في عام 2014، وستة مليار دولار في عام 2015، ومليار دولار في عام 2016. وتوزعت المليارات الخليجية على الدول كالآتي: ستة مليار دولار من السعودية، وستة مليار دولار من الإمارات، وخمسة مليارات دولار من الكويت.

لكن يبدو أن حجم المساعدات الخليجية لمصر، بعد الثالث من يوليو (تموز)2013، أكبر من تلك التي أعلنها تقرير البنك المركزي، وفقًا لعدد من التصريحات الرسمية والتسريبات والتقارير الصحافية.

في13 فبراير (شباط) 2015،أذاعت قناة «مكملين» المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، والتي تبث من تُركيا، تسريبًا منسوبًا لمكتب السيسي، أثناء عمله وزيرًا للدفاع، عقب بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013، قدّر فيه مدير مكتبه، «عباس كامل»، حجم المساعدات المالية من الخليج العربي، بعد 30 يونيو (حزيران) 2013، بأكثر من 30 مليار دولار.

وفي الخامس من مايو (أيار) 2014، قال «طارق الملا»، رئيس الهيئة العامة للبترول، «إن حصيلة المعونات الخليجية البترولية لمصر، بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، بلغت ستة مليار دولار». وفي السابع من مايو (أيار) 2014، قال السيسي في مقابلة تلفزيونية بعد ترشحه للرئاسة، «إن حجم المساعدات الخليجية، المالية فقط، التي حصلت عليها مصر يتعدى 20 مليار دولار». وبجمع المساعدات الخليجية المالية والبترولية، فإن حصيلة المساعدات الخليجية لمصر، بعد أقل من عام من عزل مرسي، بلغ أكثر 26 مليار دولار.

وفي الثاني من مارس (آذار) 2015، وقبل أقل من أسبوعين من «المؤتمر الاقتصادي»، قال «أشرف سلمان»، وزير الاستثمار المصري آنذاك،إن المساعدات الخليجية بلغت قيمتها 23 مليار دولار على مدى 18 شهرًا الماضية، تنوعت بين منح، ومساعدات بترولية، وودائع بالبنك المركزي من الكويت والسعودية والإمارات.

وخلال المؤتمر الاقتصادي، الذي عُقد في منتصف مارس (آذار)قال «محمد بن راشد آل المكتوم»، حاكم دبي، ونائب رئيس دولة الإمارات، «إن إجمالي ما قدمته الإمارات لمصر خلال العامين الماضيين، بلغ أكثر من 14 مليار دولار»، كما أعلن خلال كلمته عن دعم إماراتي إضافي لمصر يبلغ أربعة مليار دولار.

وبذلك فإن حجم الدعم الإماراتي المعلن لمصر، بعد عزل «مرسي»، وحتى منتصف مارس (آذار) 2015، يبلغ أكثر من 18 مليار دولار؛ وفقًا لحاكم دبي، وهو رقم أقل من نصف ما أعلنه تقرير البنك المركزي، الذي أفاد بأن الدعم الإماراتي لمصر من 2011 حتى عام 2016 يبلغ ستة مليار دولار.

وبذلك فإن الفارق بين الرقمين يبلغ 12 مليار ، أي أن الحجم الإجمالي للمساعدات الخليجية التي حصلت عليها مصر، بعد عزل مرسي، وفقًا للتصريحات الرسمية، لا تقل عن 29 مليار دولار بحد أدنى، في الوقت الذي أفاد فيه تقرير لشبكة «دويتش فيلله» الألمانية، نُشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن الحجم الإجمالي لتلك المساعدات يتعدى 33 مليار دولار.


حصيلة المؤتمر الاقتصادي بشرم الشيخ

تباينت الأرقام وتضاربت بشكل لافت، حول حصيلة مؤتمر شرم الشيخ، الذي استمر لثلاثة أيام، منذ 13 إلى 15 مارس (آذار) 2015، وحجم الاستثمارات الناتجة عنه، فأكثر المُتشائمين كان وزير الاستثمار المصري السابق، «أشرف سلمان»، الذي ذهب إلى أن الحصيلة تصل إلى  38.2 مليار دولار، فيما ذهبت أكثر الأنباء تفاؤلًا، إلى أن الحصيلة تصل إلى 194 مليار دولار ، وفقًا لموقع «مصراوي».

وبين الرقمين ظهرت أرقام متناقضة، تُفيد بأن الحصيلة 60 مليار دولار، بحسب رئيس الوزراء المصري السابق إبراهيم محلب، وأخرى ذهبت إلى 158 مليار دولار حصيلة اليوم الثاني للمؤتمر بحسب صحيفة «اليوم السابع» الداعمة للنظام. أما صحيفة «الأهرام» الحكومية، فوصل رقمها إلى 175.2 مليار دولار، لترفع صحيفة الوطن المُؤيدة للنظام ذلك الرقم ليصل إلى182 مليار دولار.

مشروع تطوير قناة السويس

في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، قال «الفريق مهاب مميش»، رئيس هيئة قناة السويس، إن دخل مصر من مشروع تطوير قناة السويس سيصل إلى 100 مليار دولار سنويًا، وبعد 10 أيام من افتتاح مشروع تطوير القناة، في السادس من أغسطس (آب) 2015، قال السيسي «إذا كان على العشرين مليار جنيه اللي إحنا دفعناهم، إحنا جبناهم تاني»، في الإشارة إلى العشرين مليار جنيه التي قال السيسي: إنها تكلفة حفر التفريعة الجديدة.


ولكن في الذكرى السنوية الأولى لافتتاح المشروع، عاد السيسي ليقول إن «جنى ثمار قناة السويس الجديدة كحد أقصى للرسوم، سيكون في عام 2021»، قبل أن يُقاطعه مميش ويقول «لا؛ في 2023». وتأتي هذه التصريحات بعد ثلاثة أشهر من نفي السيسي تراجع إيرادات قناة السويس، دون التطرق لأرقام محددة تؤكد نفيه، في الوقت الذي كشفت فيه الأرقام الرسمية، التي أعلنتها هيئة قناة السويس، انخفاض إيرادات القناة السنوية، بحوالي  290 مليون دولار خلال العام الماضي.

استطلاعات «بصيرة» عن شعبية السيسي

في 15 أغسطس (آب) الجاري، أصدر مركز «بصيرة لبحوث الرأي العام المصري»، استطلاعه الأحدث عن مدى رضا المواطنين عن أداء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بعد 26 شهرًا من حكمه. وأظهر الاستطلاع رضا عامًا عن أداء السيسي، في ظل تقلص واضح في نسبة المستجيبين له، عما كانت عليه في عهد الرئيس المعزول «محمد مرسي».

وبحسب الاستطلاع الأخير، فإن 82% من العينة محل الدراسة موافقون على أداء السيسي، بعد 26 شهرًا من حكمه، وهي نسبة رضا أقل مما كانت عليه، بعد مرور عامين من حكمه؛ إذ وصلت نسبة الرضا آنذاك إلى 91% بحسب استطلاع المركز، وبلغت نسبة غير الراضين عن أداء السيسي 12%، في الوقت الذي لم يحدد 6% مدى رضاهم عن أداء السيسي، عندما اختاروا إجابة «لا أعرف».

وقال 66% من العينة محل الدراسة، إنهم سينتخبون السيسي إذا ما أجريت انتخابات رئاسية غدًا، مقارنة بـ81% في نهاية العام الثاني من حكمه، فيما قال 13%، بأنهم لن ينتخبوه، وأجاب 21% بأن ذلك يتوقف على المرشحين أمامه.

ودائمًا ما تكتفي تغطية وسائل الإعلام المصرية لتلك الاستطلاعات على الأرقام سالفة الذكر، متجاهلين منهجية الاستطلاع ونسبة الاستجابة إليه، وهي عوامل شديدة الأهمية، وتؤثر على قيمة النتائج النهائية للاستطلاع.

وفي هذا الصدد، أفاد المركز أنه أجرى الاستطلاع عن طريق الهاتف المحمول، والهاتف المنزلي، على عينة احتمالية، قدرها 1533 فردًا، فوق سن 18 عامًا، غطت كل محافظات مصر، في يومي الثامن والتاسع من أغسطس (آب) الجاري.

وبلغت نسبة الاستجابة 49%. وبذلك فإن نسبة الراضين عن أداء السيسي تبلغ 40.18% من إجمالي العينة، التي تواصل معها المركز، من المستجيبين وغير المستجيبين. في حين تبلغ نسبة الذين سينتخبون السيسي إذا ما أجريت انتخابات رئاسية غدًا، 32.34%، من إجمالي العينة التي تواصل معها المركز من المستجيبين وغير المستجيبين.

وتظهر أهمية نسبة الاستجابة، عند مقارنتها بين عهدي السيسي ومرسي، إذ يظهر الفارق جليًا، في نسبة الاستجابة للاستطلاع؛ فغالبًا ما تبلغ نسبة الاستجابة للاستطلاعات التي أجراها المركز في عهد الرئيس المعزول «محمد مرسي» 90 % تقريبًا، في حين تنخفض تلك النسبة لتصل إلى 50% في المتوسط، في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وبسؤاله عن أسباب تلك الفجوة، أقر «ماجد عثمان»، رئيس مركز بصيرة، بفارق النسبة، مُشيرًا إلى أن المواطنين، كانوا أكثر استعدادًا للمشاركة في استطلاعات المركز في عهد مرسي عنها في عهد السيسي، دون توضيح أسباب تلك الفجوة.

وفي ندوة جاءت تحت عنوان «الصحافة الآن»، قال عُثمان، إن المركز يتواصل مع المبحوث تليفونيًا، ويسأله في البداية عن مدى استعداده للمشاركة في استطلاع رأي للمركز، قبل طرح أسئلة الاستطلاع، فإذا أبدى المبحوث عدم استعداده للمشاركة، احتسب ضمن العينة، ولكن تحت فئة «غير المستجيبين»، مُقلصًا بذلك نسبة الاستجابة في الاستطلاع ككل، وفسر محللون تقلص نسبة الاستجابة في عهد السيسي باعتباره صمتًا يعبر عن رفض لأداء السيسي، لا رضا عنه؛ نتيجة الخوف من القبضة الأمنية التي قد تطال المخالفين للسيسي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد