منذ ثورة 2011، تعتمد تونس الديمقراطية التوافقية في النظام السياسي للبلاد، وفي عام 2014، تشكل الدستور التونسي على المبدأ نفسه، إلا أن حكومة تونس اليوم تمر بأزمة ربما يكون سببها المبدأ نفسه، في ظل خلاف بين المكونات الرئيسة في حكومة الفخفاخ؛ وأبرزها حركة النهضة وحركة الشعب.

ظهرت هشاشة الائتلاف الحاكم منذ البداية، فحركة النهضة لم تصوت للحكومة إلا في اللحظات الأخيرة. وتعود الخلافات إلى أسباب أيديولوجية في الأساس، إذ إن حركة النهضة إسلامية، على عكس الأحزاب الأخرى في الائتلاف، التي تتنوع بين اليسارية والقومية والليبرالية، وبالتالي تختلف الرؤى حول السياسة الداخلية، بل والسياسة الخارجية للبلاد، ولا سيما في ليبيا وسوريا.

يشرح هذا التقرير، من خلال خمسة أسئلة وإجاباتها، الأزمة التي تواجهها حكومة الفخفاخ والائتلاف الحاكم حاليًا ومآلاتها المتوقعة.

1. ما هي أسباب الخلاف بين حركة الشعب وحركة النهضة؟

صوتت حركة الشعب لصالح مبادرة، قدمها الحزب الدستوري الحر، ترفض التدخل الخارجي في ليبيا وتناهض تشكيل قاعدة لوجيستية داخل التراب التونسي، قصد تسهيل تنفيذ هذا التدخل.

إلا أن هذه المبادرة، التي رفضتها حركة النهضة، لم تمرر، بعد اعتراض غالبية أعضاء البرلمان لها. واعتبرها البعض محل تجاذبات واصطفافات وتصفية حسابات، وأن هذا هو ما عمدت إليه عبير موسى، رئيسة الحزب الدستوري الحر.

يرى نور الدين البحيري، رئيس كتلة النهضة في البرلمان، أن هذه المبادرة مدفوعة مسبقًا وتخدم مصالح خارجية لا داخلية، وأنها ليست في مصالح كل من ليبيا وتونس على حد سواء، وأن هذه المبادرة تهدد الانتقال الديمقراطي في تونس واستقرارها.

وأضاف أن ذلك يجعل التحالف مع حركة الشعب ضمن حكومة الفخفاخ «لا مبرر له البتة»، وأن حركة الشعب التي من المفترض أنها تتموقع حليفًا لحركة النهضة وبقية مكونات الائتلاف الحكومي، رغم الاختلافات التي تشق مختلف مكوناته، «تموقعت في الصف المغاير وتحالفت مع الحزب الدستوري الحر».

مصلحة #تونس وشعبها أغلى علينا من كل شيئ وصاحبة اللائحة وجماعتها مصطفين في محاور معادية ل #ليبيا و لتونس 🇹🇳

Geplaatst door ‎Noureddine BHIRI نور الدين البحيري‎ op Woensdag 3 juni 2020

على الجانب الآخر، علق الأمين العام لحركة الشعب، زهير المغزاوي، لـ«الميادين نت» بأن «حركة الشعب لن تنسحب من الحكومة»، مشيرًا إلى أنهم شاركوا في حكومة الفخفاخ وهم «مختلفون مع حركة النهضة في العديد من المواضيع والنقاط». وقال إن حركة النهضة «تقوم بهرسلة حركة الشعب».

هذا الخلاف لم ينته عند مبادرة التدخل الأجنبي التي اختلفت فيها حركة النهضة وحزب الشعب، بل تطور إلى رفض حركة النهضة وثيقة «الاستقرار والتضامن الحكومي» المقدمة من رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، التي كانت محاولة لتهدئة الأجواء المتوترة في الائتلاف الحكومي.

الربيع العربي

منذ 4 شهور
«ميدل إيست آي»: انقلابات وأحزاب بالوكالة.. ماذا تفعل الإمارات في تونس؟

بحسب مراقبين، كان هذا الرفض ردة فعل، بعد أن استطاعت رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي توحيد قوى معارضة لحركة النهضة شملت أطرافًا تشاركها الحكم، مما يضيق الخناق على أجندات الحركة، ويقلص هامش المناورة لديها.

إلا أن حركة النهضة لها تبرير مغاير، إذ قالت النائبة البرلمانية عن حركة النهضة يمينة الزغلامي، في تصريح لـ«شمس أف أم»، أنه «لا معنى للاستقرار الحكومي بدون استقرار برلماني».

لا تريد حركة النهضة الاستقرار والتضامن الحكومي وحده، ولذلك تقود حملة ضغوط لتفعيل التوافق بين أطراف الائتلاف الحاكم، انطلاقًا من تضامن الكتل البرلمانية الممثلة في الائتلاف الحكومي معها داخل البرلمان.

وبحسب موقع «تونيفجنز» فإن حركة النهضة «تشترط إعادة النظر في تركيبة الائتلاف الحكومي وأن يتم تضمين الحكومة في الوثيقة مبدأ التضامن الحكومي والبرلماني وسط حديث في الكواليس عن أنها اشترطت إخراج حركة الشعب من الحكومة للبقاء فيها».

هذا أيضًا ما ألمح إليه خالد الكريشي، القيادي بحزب حركة الشعب، بالقول إن حركة الشعب لم ولن تغادر حكومة الفخفاخ وأنها متمسكة بالتواجد فيها، وهو ما أكده زميله النائب عن حركة الشعب، سالم الأبيض، على صفحته على «فيسبوك» فقال: «حكومة الفخفاخ لا تسقط بقرار من رئيس حركة النهضة الانسحاب منها أو سحب تأييد نوابه لها، حكومة الرئيس تسقط في حالة واحدة هي أن تسحب منها الثقة من قبل عدد 109 من النواب».

حكومة الفخفاخ لا تسقط بقرار من رئيس حركة النهضة الانسحاب منها أو سحب تأييد نوابه لها ; حكومة الرئيس تسقط في حالة…

Geplaatst door Salem Labiadh op Zondag 7 juni 2020

عن الأسباب الأخرى للخلاف بين حركة الشعب وحركة النهضة، يقول الصحفي زياد المزغني في حديث لـ «ساسة بوست»: «بالإضافة إلى الخلاف الأيديولوجي ما بين الحزبين (أحدهما قومي والآخر إسلامي)، فإن حركة الشعب سارعت بالإعلان عن رفضها لترأس النهضة للحكومة رغم فوزها، ودعت لما أسمته حكومة الرئيس».

هذا الاختلاف الأيديولوجي أكده الناشط الحقوقي رضا رادية في حديثه لـ«ساسة بوست»، فقال إن «الخلاف بين حركتي الشعب والنهضة أيديولوجي مستورد من الخارج، وله مصادر تاريخية قديمة تحيل إلى صراع الإخوان والتيار القومي بزعامة جمال عبد الناصر.

وأضاف: «هنالك ذاكرة خلاف بين الجانبين .هذه الذاكرة القديمة، يتم استدعاؤها الآن وتعزيزها بالخلاف الجديد بين الطرفيْن حول الأوضاع الراهنة في المنطقة منذ بداية الثورة التونسية، بما فيها الأوضاع في سوريا والعراق واليمن وليبيا».

وانتقد رادية حركة الشعب بدعوى أنها «إلى اليوم، لم تحدد بعد معركتها الواضحة، وبقيت حبيسة معركتها الأساسية وهي العودة إلى الماضي»، كما أشار إلى تقلباتها السياسية الكثيرة، مدللًا على ذلك بأن سالم الأبيض، أحد أعضاء حركة الشعب، «ارتمى في أحضان النهضة بعد الثورة وتقلد منصب وزير تربية حينها، ونجده اليوم من أشد خصومها»، وكذلك خالد الكريشي، الذي دخل هيئة الحقيقة والكرامة بتزكية من النهضة.

2. ماذا حدث في جلسة مساءلة الغنوشي؟

عقدت جلسة برلمانية يوم الأربعاء، الثالث من الشهر الجاري، لمساءلة رئيس البرلمان السيد راشد الغنوشي حول علاقة الأخير بتركيا وحكومة الوفاق في ليبيا، بعد أن أجرى الغنوشي زيارة لتركيا ومكالمة هنأ فيها رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فائز السراج، بالسيطرة على قاعدة الوطية الجوية.

Embed from Getty Images

ويرى عضو المكتب السياسي لائتلاف الكرامة، السيد نجيب الدغماني، في حديث أجراه مع «ساسة بوست» أن جلسة المساءلة هذه «كانت المنعرج الفاصل في أحداث الخلاف بين حركة النهضة وحركة الشعب، وهما مكونان أساسيان في الائتلاف الحكومي، وزادت من خلافها مع التيار الديمقراطي وأيضًا الكتلة الديمقراطية، بشكل أقل. وبالتالي ظهر للعلن بأنه ليس هناك تكامل وتماسك بين أعضاء الائتلاف الحاكم».

وأضاف: «النهضة تخاف كل الخوف من تحالف القوى الثلاثة في الائتلاف الحاكم للعمل ضدها، حتى وإن كانوا جميعًا ضمن الائتلاف الحاكم، ففي حال فشل حكومة الفخفاخ، ستحمّل المسؤولية للنهضة».

يذكر أن في هذه الجلسة جرت مناقشة الدبلوماسية النشطة للسيد للغنوشي، والتي اعتبرها البعض تعدّيًا على صلاحيات رئيس الدولة قيس سعيد، في مؤشر على تجدد التوترات السياسية.

3. لماذا ترغب حركة النهضة في توسيع الائتلاف الحاكم؟

كان تردد النهضة في قبول حكومة الرئيس راجعًا لرغبة النهضة ضم حزب قلب تونس لائتلاف الحكومة، الأمر الذي رفضه رئيسها إلياس الفخفاخ، مشكلًا بذلك بداية الأزمة داخل الائتلاف الحاكم، في حين اتضح أن قبول النهضة للحكومة في آخر اللحظات كان تكتيكيًّا، وذلك لأن القانون يسمح للرئيس بحل البرلمان في حال عدم تمرير الحكومة.

سبق لحركة النهضة أن طالبت، من خلال رئيسها راشد الغنوشي، بإجراء تعديل وزاري لتوسعة الائتلاف الحاكم، لتحقيق التنمية في البلاد ضمن توافق وطني واسع.

لا تزال حركة النهضة ترغب في إضافة حزب قلب تونس للائتلاف الحاكم، وهذا ما أكده السيد نجيب الدغماني لـ«ساسة بوست» قائلًا إن «السر وراء الرغبة الملحة لحركة النهضة في إضافة قلب تونس صاحب الكتلة الثانية الأكبر في البرلمان، وأيضًا ائتلاف الكرامة صاحب المرتبة الرابعة، للائتلاف الحكومي هو أن حركة النهضة تريد أن تصنع نوعًا من التوازن في هذا الائتلاف، ولكن رئيس الحكومة وبقية أعضاء الائتلاف يرفضون ذلك».

ويتوقع الدغماني أن «حركة النهضة لن تكمل بقية الفترة البرلمانية بتحالف مع نفس الائتلاف الحاكم ولا بد من إضافة حزب قلب تونس و ائتلاف الكرامة».

Embed from Getty Images

4. ما تأثير مظاهرات «الكامور» في أزمة الائتلاف الحاكم؟

يوم الاثنين الماضي، 22 يونيو (حزيران)، تجددت الاشتباكات بين قوات الأمن التونسية ومتظاهرين في ولاية تطاوين جنوب البلاد، في احتجاجات متواصلة منذ شهر، يعبرون فيها عن رفضهم التهميش الذي تعاني منه المنطقة، مطالبين بفرص عمل وتنمية. وأطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع بشكل كثيف لتفريق المئات من المحتجين.

في اليوم السابق للاحتجاجات، أكدت وزارة الداخلية، في بيان لها، أن مجموعة من الأشخاص عمدوا إلى «محاولة الاعتداء على المقرات الأمنية بالجهة بواسطة الزجاجات الحارقة (مولوتوف).. مما أجبر الوحدات الأمنية على اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية هذه المقرات واستعمال الوسائل المتاحة قانونًا في مثل هذه الوضعيات».

تأتي هذه الاشتباكات بالتزامن مع إضراب عام في ولاية تطاوين دعا له فرع الاتحاد العام التونسي للشغل بالمدينة.

نددت حركة الشعب بطريقة مواجهة الاحتجاجات، وحملت المسؤولية لنظام الحكم إلى ما آلت إليه البلاد من تردّ في الأوضاع، وطالبت الشعب التونسي التزام النهج السلمي في الاحتجاجات.

بينما اتهم النائب عن حركة الشعب، هيكل المكي، حركة النهضة بتأجيج الأوضاع، لمهاجمة رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، رغم أن النهضة جزء من الائتلاف الحاكم، وهنا المفارقة، حسب وصفه.

على الجانب الآخر، اتهم رئيس كتلة النهضة في البرلمان، نور الدين البحيري، حزبًا من الائتلاف الحاكم، دون أن يسميه، بالتورط في الاحتجاجات.

في السياق نفسه، يرى الناشط السياسي حمزة بن محمد، في حديثه مع «ساسة بوست»، أن النائب البرلماني عن كتلة حركة الشعب، هيكل المكي، نسب حالة الاحتقان في تطاوين لحركة النهضة والغنوشي، لأنه يعتقد أنه سوف يجري إخراجه من الائتلاف الحاكم، ولذلك قام بهجمة استباقية، حسب رأيه.

بذلك، أصبحت الاحتجاجات التي شهدتها ولاية تطاوين ساحة أخرى للخلاف وتبادل التهم بين حركة الشعب وحركة النهضة.

Embed from Getty Images

5. ما الذي ينتظر حكومة الفخفاخ؟

يتوقع الصحفي زياد المزغني في حديثه لـ«ساسة بوست»، أن يتصاعد الخلاف في الائتلاف، وهو ما قد يصل إما إلى تحجيم دور حركة الشعب في الحكومة، في صورة الاستجابة لمطلب النهضة بتوسيع الائتلاف الحكومي، وربما حتى باشتراط حركة النهضة انسحاب حركة الشعب من الحكومة لتستمر النهضة في مساندتها».

أما عضو ائتلاف الكرامة السيد نجيب الدغماني قال لـ«ساسة بوست» إنه «لا يوجد إلا خيارين في ظل هذه الأزمة»، الأول هو أن يقبل رئيس الحكومة بتوسعة الائتلاف الحكومي بإضافة حزب قلب تونس، وأيضًا إمكانية كبرى لإضافة ائتلاف الكرامة، وبذلك تحل المشكلة، وبالتالي يمكن أن تنسحب حركة الشعب من هذا الائتلاف.

وأما الخيار الثاني، فهو أن تتمسك الحكومة بعدم توسيع الائتلاف الحاكم، وتتمسك حركة النهضة بمطلبها في توسيع الائتلاف الحاكم، وبذلك يكون السيناريو الأقرب في هذه الحالة هو استقالة وزراء النهضة، وبالتالي تسقط الحكومة وتشكَّل حكومة جديدة بائتلاف جديد، بحسب توقعه.

لكن الناشط السياسي حمزة بن محمد يرى أن حل الحكومة مستبعد جدًا في الوقت الحالي، وذلك لأن الأمر سوف يعود لحركة النهضة مجددًا في اختيار رئيس الحكومة وتقديمها للبرلمان، وفي حال فشلها، يقدم الرئيس شخصًا آخر لرئاسة الحكومة وبدوره يقدمها إلى البرلمان، مثلما حدث قبل خمسة أشهر، وفي حال فشله يحل البرلمان وتعاد الانتخابات.

وأضاف ابن محمد في حديثه مع «ساسة بوست»: «ذلك مستبعد لأن الكثير من الكتل تعرف قدرها ووزنها السياسي، وكذلك وزنها لدى الشعب، وبالتالي لو دخلوا إلى الانتخابات فلن يفوزوا بنفس المقاعد، ولنكن واقعيين بأن أولهم سوف يكون النهضة».

عربي

منذ 5 شهور
5 أسئلة تشرح لك قصة الخلاف بين «مجلس نواب الشعب» والرئاسة التونسية

حول مآلات الصراع، يرى الناشط الحقوقي، رضا رادية، أن فك الارتباط بين حركة النهضة وحركة الشعب «أصبح أمرًا محتومًا لدى حركة النهضة»، خاصة بعد ما حدث في الأيام الأخيرة، إذ يرى رادية أن «عدة معطيات تفيد بأن ما يحدث في تطاوين وفي عدة ولايات أخرى من توتير الأجواء والدفع إلى التمرد على الدولة تقف وراءه حركة الشعب وتحيا تونس».

على جانب آخر، قاضى النائب المستقل، ياسين العياري، رئيس الحكومة تحت دعوى «تضارب المصالح»، وذلك لأن رئيس الحكومة يملك إحدى شركات مجمع ناشط في مجال البيئة، بنسبة 66 بالمئة قد تحصل على عقود من الدولة بقيمة 43 مليون دينار (15.3 مليون دولار)، حسب وصفه.

ومثَل العياري، يوم الأربعاء الماضي، أمام القضائي المالي للاستماع له بخصوص الشكاوى التي رفعها ضدّ السيد رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ.

ويرى نجيب الدغماني أن حركة النهضة سوف تستغل هذه القضية لطلب توسيع الائتلاف الحكومي، وذلك لتكوين حزام سياسي قوي للحكومة، بينما يرى رضا رادية أن الصراع قد يتطور عن ذلك، ويقول «ربما تشهد الأيام المقبلة صراعًا آخر بين حركة النهضة وقيس سعيد، إذ تفيد بعض المعطيات المؤكدة أن قيس سعيد طلب منذ يومين من الفخفاخ الاستقالة، وذلك خشية محاكمته، وأن قيس سعيد سيكلف لبنى الجريبي برئاسة الحكومة، وإن رفض البرلمان تزكيتها فسيحله».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد