تسببت العبوات الناسفة بحوالي 60% من إصابات القتال التي عاناها الجنود الأمريكيون خلال الحربين على العراق وأفغانستان ويظهر العديد من هذه الجروح للعين بسهولة، فبإمكان دروع الجسم أن تصد شظايا المتفجرات لكن لا شيء يقف في طريق موجات التفجير التي لا ترى.

5.. 4.. 3.. 2.. 1 ثم صوت الانفجار، دوي منخفض تشعر جراءه برجة خفيفة تسري وسط صدرك وتعد هذه الرجة إحساسًا خاصًّا لدى الأشخاص القريبين من مواقع التفجيرات، إحساس لن تعود بعده كما كنت أبدًا.

مرض غريب وأعراض غير مبررة طبيًّا عانى منها مئات الآلاف من الجنود المشاركين في الحروب التي خاضتها أمريكا في الشرق الاوسط حتى قيل إنها بسبب “السحر”، بداية من حرب الخليج الأولى والثانية ثم أفغانستان والعراق، ويصاحب الأعراض اختلالات نفسية زادت من عدد حالات الانتحار وارتكاب جرائم قتل بين المحاربين القدامى وصلت 200 منتحر في العام بين من شاركوا في حرب العراق، نشرت عنهم مجلة “ناشيونال جيوغرافيك” تحقيقًا بعد مقابلة بعضهم، وهم يتساءلون كل صباح كيف سيكملون يومهم؟ وهل تعترف أمريكا بما اقترفته في حقهم من خطأ؟

“6200 جندي أمريكي وضعوا حدًّا لحياتهم عام 2005 بعد عودتهم من حرب العراق وأفغانستان”

بدأ الاهتمام الشديد بآثار الحرب على الدماغ خلال الحرب العالمية الأولى عندما كان يعود السبب الرئيسي للإصابات كما حربي العراق وأفغانستان “إلى قوة التفجير” وكان الظن في بادئ الأمر أن معاناة الجنود من فقدان حاستي الشم والتذوق وفقدان الذاكرة يعود إلى “ارتجاج” ويعني حدوث خض في الدماغ بسبب موجة صدمية ناتجة عن التفجير، ومع تواصل الحرب نسبت أسباب هذه الحالات لضعف الأعصاب من الناحية النفسية وليس الفسيولوجية، وخلال العقود التالية بدأ تعبير “الجندي المصاب بصدمة القذيفة” يعبر عن الضرر العاطفي الذي يعد النتيجة الفظيعة للحرب وهو ما استساغته الحكومة الأمريكية.

لعنة الحرب تصيب الدماغ ولا تبرحها

راندي لم تصبه المتفجرات خلال حرب العراق لكن أصابته لعنة الحرب، “لم أعد هذا الرجل الموجود بصوري قبل الحرب بعام”.


حسب وزارة الدفاع الأمريكية فقد أصيب نحو 230 ألف فرد من الجنود والمحاربين القدامى خلال الفترة ما بين 2001 و2014 بما يدعى “الإصابة الدماغية الخفيفة” التي تعود أسبابها غالبًا إلى التعرض لقوة التفجيرات، وتظهر الدراسات أن العوامل الميكانيكية الرئيسية المرتبطة بإصابات الدماغ تتمثل في ارتفاع الضغط وحركة الدماغ في علاقتها مع عظم الجمجمة وتؤثر موجة التفجير أو الضغط المفرط على الدماغ لمجرد اصطدامه بالجمجمة ويعود ضغط الدماغ إلى مستواه الطبيعي بعد مرور بضعة أجزاء من الألف من الثانية لكن الدماغ لا يعود إلى حركته إلا بعد مرور مئات الأجزاء من الثانية على حدوث الاصطدام دون الرجوع أبدًا إلى حركته “الطبيعية”.

فقد أظهرت نتائج دراسة أنجزها الجيش الأمريكي في عام 2008 على الجنود المكلفين بزراعة المتفجرات أنهم شعروا على مدى أيام عقب عمليات التفجير الكبيرة بآلام في الظهر والصدر “كأن أحد لكمهم” وحالات صداع في الرأس بدأت بآلام حادة في الجبهة ونزلت تدريجيا إلى الصدغين وخلف الأذنين لتصل إلى الذقن مع نوبات صرع واضطرابات حركية واضطرابات في النوم ودوار وتقلبات في المزاج وصعوبة في الرؤية والإدراك والتذكر واعتبار الكلام أكثر عملية محرجة لمن تعرضوا للقذائف.

“تنطوي زوايا الغرفة التي يهب إليها الجندي بالغريزة من أجل الاحتماء على جانب كبير من الخطورة كما هو حال من يقف خلف الاشخاص الذين يحملون دروعا واقية إذ تبين أنها تعكس الموجات الصدمية بل أن الانفجار يرتد كذلك من داخل خوذة الجندي لتصل آثاره إلى رأسه من اللحظة الأولى للتفجير الأول”.

الكولونيل ديفيد وسط مجموعته بحرب الخليج 1991 قبل إصابته بالتلف الدماغي


الجندي المصاب لم يكن بالضرورة زارع قنابل بل ربما يكون المكلف بإبطال مفعولها، ومع أن آثار التفجير تنطوي على جانب من التعقيد إلا أن إحداثه لا يتطلب سوى كلفة رخيصة ولا يتطلب خبرة كبيرة إذ يمكن جمع العبوات الناسفة لقاء بضعة دولارات تنصهر حراريا عند رميها فتخترق أي مصفحة بسهولة بالغة.

ويمثل الانفجار مزيجًا من العناصر المتباينة التي تحدث آثارها في وقت واحد، يتفرد كل عنصر منها في نوع الضرر الذي يتسبب به، فالاشتعال يحدث تفاعلا كيميائيا إذ تنتشر فورًا تلك الغازات التي تصدر جدارًا كرويًّا من الغاز والهواء يفوق في سرعته سرعة الصوت وتغلف هذه الموجة الصادمة كل جسم تصادفه داخل دائرة الضغط المستقر. وخلال التأثير الأولي للانفجار لا يتحرك الفرد المعرض لتأثير الانفجار ويعقب ذلك هبوط فجائي لمستوى ضغط الهواء ينشأ عنه فراغ تام من أي مادة ثم يأتي التأثير الثاني للانفجار وهو اندفاع للريح بوتيرة أسرع من الصوت إذ يكتسح ذلك الفراغ ويقذف الأجسام التي يصادفها ويحيلها إلى شظايا ثم يحول الحطام إلى أسلحة قاتلة تتسم بالسرعة العالية والقدرة على الاختراق.

“متلازمة حرب الخليج” مرض ترك بصمته على دماغ الجندي الأمريكي

كانت كارولين كاروت أكثر الجنود الأمريكيين في الخليج حيوية وطموحًا في عامي 1990 و 1991، عملت في وحدة الصيانة للجيش لمدة ستة أسابيع من أجل إخراج العراق من الكويت، لم تتصدر كارولين الخطوط الأمامية ولم تعان من أية إصابة جسدية ولكن بعدما عادت لولايتها بدأت معاناتها مع صداع نصفي شديد تكافح معه من أجل التركيز لدرجة أنها رفضت ترقيتها وطلبت التقاعد، “كنت أناضل كل يوم من أجل البقاء”، أصبحت حياة كارولين مخيفة ومخيبة للآمال بسبب الإجهاد العقلي وتعاطي مضادات الاكتئاب وهي في عامها الثالث والثلاثين.

كارولين أثناء خدمتها بالمملكة السعودية عام 1990 ولم تفكر في التقاعد بعد


أبلغ عشرات الآلاف من الجنود الذين شاركوا في حرب الخليج الثانية عن إصابتهم باعتلالات صحية ألزمتهم الفراش وأشعرتهم بالوهن بعد أن كانوا في السابق في أوج لياقتهم، ومنذ الإعلان أول مرة عن مرض حرب الخليج في نهاية عام 1991 فإنه حوالي 700 ألف من المحاربين القدامى ما يصل لثلث القوات المنتشرة يخوضون معركة أخرى لكي يتم الاعتراف بأن الأعراض التي يعيشونها ترتبت على مشاركتهم في الحرب.
أبرز الأعراض بين الجنود كانت الإرهاق المزمن والصداع وعدم التركيز وآلام العضلات والمفاصل والغثيان وتضخم الغدد والحمى ومشاكل في الذاكرة واضطرابات في الجهاز التنفسي.
لم تشر الإحصاءات إلى أن هؤلاء المحاربين يعانون من ارتفاع نسبة الإصابة بالمرض أو أنهم مصابون بأعراض التوتر التي تعقب التعرض لصدمات أو أزمات، وتقول وزارة الدفاع البريطانية إنه في بعض الحالات كانت هناك علاقة واضحة بين الإصابة بهذه الأعراض وتأدية الخدمة العسكرية في منطقة الخليج إلا أنها لا تعترف بوجود حالة صحية منفصلة يمكن أن تعرف بأعراض حرب الخليج، أما وزارة الدفاع الأمريكية فتقول إن الأبحاث لم تكتشف سببًا معينا لهذه الأعراض ما اعتبره المعارضون رغبة منها في التهرب.

بعد أكثر من عشرين عامًا من حرب الخليج اقتربت الولايات المتحدة من الاعتراف بمرض “متلازمة حرب الخليج” والاعتبار لاحتمال أن شيئًا ما حدث لأدمغة المحاربين دون تحديد المسببات، خاصة أن الأعراض ظهرت على المحاربين بقوات المملكة المتحدة والدنمارك وكندا وأستراليا، وقتئذ أكد رئيس جمعية المحاربين القدماء أن حرب الخليج الثانية لم تكن الوحيدة التي عاد منها الجنود الأمريكيون بأعراض غريبة، فحتى اليوم ما يزال قدامى الجنود ممن شاركوا في حرب فيتنام وكوريا يعانون من الانطواء والخرف المبكر.

25% من الجيش الإسرائيلي معتل نفسيًّا


أنهت إسرائيل خدمة الآلاف من مجنديها سنويا كونهم يعانون من أمراض نفسية، 25% من الجنود يتلقون العلاج النفسي خلال خدمتهم الأمر الذي حوله من ترف إلى “ظاهرة متفشية” داخل الجيش، ففي عام 2013 بلغت نسبة الجنود الذين تقدموا بطلبات لتلقي العلاج النفسي 67.28%، مقارنة بـ 32.72% من المجندات بخلاف من يخفي مرضه عن الجيش خشية الطرد.

الجنود الإسرائيليون المتضررون معظمهم بين سن 18 – 25 سنة يتم منعهم من حمل السلاح ويصنفون كخطر على أنفسهم، ورغم زيادة الأعداد إلا أن الجيش الإسرائيلي لم يلجأ لدراسة هذه الظاهرة.


المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد