كانت بداية الاحتلال الإيطالي لليبيا عام 1911 «قمعًا وإرهابًا وسجنًا وشنقًا وإبعادًا»، أما مشهد النهاية في عام 1940 فكان «مدن أشباحٍ دمرتها القنابل»، وذلك وفق ما يرويه المؤرخ وهبي البوري في كتابه «بنغازي في فترة الاستعمار الإيطالي».

ما بين البداية والنهاية، مآسٍ لم تقف عند حدِّ حملات الإبادة والقتل والاغتصاب للبشر، بل وصلت إلى إعدام المواشي والأبقار والخيول والجمال، وتدمير آبار مياه الشرب، وتقطيع الشجر والزرع، وإحراق البيوت.

الأخطر من ذلك، كانت الممارسات الأعمق أثرًا التي ما تزال ندوبها بادية على جسد ليبيا حتى اليوم؛ ما بين محاولاتٍ مستميتة لإجهاضٍ المستقبل، من خلال تجريف المجتمع ثقافيًّا وإداريًّا بسحق النخبة المتعلمة والطبقة الوسطى، ومظالم اجتماعية خلَّفت شعورًا بالمرارة ما يزال يسيطر على العلاقة بين البلدين حتى اليوم.

ومثلما يُلقِي الاحتلال الإيطالي لليبيا بظلاله على علاقة البلاد مع الغرب كله إلى اليوم، فإن مخلفات الحرب التي زرعها المحتل في جوف هذا البلد ما تزال تهدد أبناءه حتى الآن، وعلى الرغم من ذلك تظل إيطاليا تحاول الحفاظ على موقعٍ لنفسها على الخارطة الليبية.

إجهاض المستقبل.. سحق النخبة المتعلمة والطبقة الوسطى

انخفض عدد سكان ليبيا في منتصف الثلاثينيات إلى النصف، فيما لقى ربع السكان حتفهم في أول أعوام الاحتلال الإيطالي لليبيا (ما بين 1911 و1914)، بسبب الهجرة والمجاعة وإصابات الحرب. هذه الخسارة لم تكن مؤقتة بحال، بل كان أثرها في الواقع بعيد المدى، وكانت عميقة الأثر في بنية المجتمع الليبي.

ولأن مخالب الاستعمار طالت «النخبة المتعلمة والطبقة الوسطى»، فقد كان ضربهم يعني محاولةً جادة لإجهاض المستقبل، أو على الأقل تأخير التعافي. فمَنْ غير هؤلاء يُعَوَّل عليه لإنقاذ البلاد والتخطيط لمستقبلها؟

عربي

منذ شهر
هل يمكن أن تعود ليبيا إلى الملكية حقًّا؟

وللوقوف على مدى خطورة ما فعله الاحتلال الإيطالي في تلك الآونة بـ«النخبة المتعلمة والطبقة الوسطى»، لا نحتاج إلى أكثر من تأمُّل التداعيات الراهنة لتآكل الطبقة الوسطى في المنطقة العربية، من تقويضٍ لقدرتها على مواجهة تحديات العصر، والخروج من مستنقع الصراعات العرقية والدينية، رغم ما تتمتع به من موارد وثروات وتراث.

من أجل ذلك، حين تأسس أول حزب سياسي ليبي (الحزب الوطني) في منتصف عام 1945، شدد في برنامجه على «إزالة آثار الاحتلال الإيطالي»؛ مطالبًا بإلغاء القوانين الإيطالية، ومواجهة أي محاولة لعودة الإيطاليين لحكم ليبيا.

وحين تطرَّق الحزب إلى هدف «إحلال موظفين ليبيين محل الإيطاليين»، كان يدرك مدى عمق هذا التجريف الثقافي والإداري الذي ارتكبه المحتلُّ بالمجتمع الليبي، ولذلك نصح في حال «لم يوجد من بين الليبيين من يصلح لتلك الوظائف» – وهي جملة عميقة الدلالة – باستقدام «موظفين مسلمين من دول الشرق الأوسط».

اللامبالاة وحق الانتقام.. أثر الاستعمار الإيطالي في الشعبين

من جملة المفارقات الاجتماعيَّة في زمن الاحتلال الإيطالي لليبيا، أنه بينما كانت الطبقة الوسطى الليبية مسحوقة تحت حوافر الاحتلال، كانت الطبقة الوسطى الإيطالية تتسم على أقل تقدير بـ«اللامبالاة»، على حد وصف الروائي الإيطالي ألبيرتو مورافيا.

طيلة عمره، ظل الإيطالي مورافيا ينتقد «أنانية (الإيطاليين) وقبولهم السلبي للحكم الفاشي»، معاديًا «البرجوازية الإيطالية» في كل أعماله الأدبية؛ منذ روايته الأولى «زمن اللامبالاة» الصادرة عام 1929، وحتى وفاته في 1990.

هل رحل الإيطاليون، وانقضى زمن اللامبالاة؟ ليس تمامًا، فما يزال الإيطاليون يعانون من «فقدان للذاكرة الاستعمارية الجماعية»، ولا يعرفون سوى النذر اليسير عن مغامرات بلادهم في أفريقيا، كما تعترف الباحثة الإيطالية كلوديا جازيني، محللة الشؤون الليبية في مجموعة الأزمات الدولية.

وما بين اللامبالاة الشعبية، وفقدان الذاكرة الجماعية؛ كيف يمكن إزالة الآثار الخطيرة التي خلفها المحتل، وما تزال أضرارها ماثلة حتى اليوم؟

Embed from Getty Images
رئيس الوزاء الإيطالي السابق، سيلفيو بيرلسكوني، مع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.

يقودنا الحديث عن الآثار الاجتماعية إلى الحديث عن الإرث الذي خلفه الاحتلال الإيطالي لليبيا من استياءٍ متبادل بين الشعبين؛ وهو ما رصدته دراسة بعنوان «الأضرار التي سببها الاستعمار الإيطالي الفاشي في ليبيا».

على الجانب الليبيِّ، يرتدي هذا الاستياء ثوب «الحق في الانتقام» – وقصائد المظلومية تحوي آلاف الأبيات – وعلى الجانب الإيطالي، يتجسَّد في الشعور بالذنب الذي يكلله الماضي العدواني بالخجل، مهما تقدمت إيطاليا بالاعتذار وتعهدت بمدفوعات على سبيل «التسوية» وليس «التعويض».

لكن إذا كان الليبيون يشعرون بالظلم، فهناك شريحة من الإيطاليين تعبر عن شعورها بالغُبْن، إذ تطالب «جمعية الإيطاليين العائدين من ليبيا» بالحصول على تعويضات عن ممتلكاتهم التي صادرها القذافي في السبعينيات، وذلك قبل الحديث عن أي «تعويض» لليبيين مقابل الأضرار التي خلفها الاحتلال الإيطالي لليبيا.

وبقدر عمق الجرح، سيظل الفشل هو مصير أي جهود تجميلية تُبذَل بهدف إخفاء ندوب الاحتلال على الجسد الليبيِّ، فضلًا عن دفنها في غياهب التجاهل، ولو صاحبتها مشروعات ومنح واستثمارات (برعاية القذافي وبرلسكوني)، ليس مقصودًا بها سوى دفع عجلة المصالح الاقتصادية إلى الأمام.

الاحتلال الإيطالي لليبيا يلقي بظلاله على علاقتها مع الغرب اليوم

لم تؤثر فقط سنوات الاحتلال الإيطالي في المشاعر الجماعية للمجتمعين الليبي والإيطالي، ولكنها باتت «تشكِّل علاقة ليبيا مع الغرب حتى اليوم»، كما يخلُص رونالد بروس سانت جون، الباحث والمحلل السياسي المهتم بالشأن الليبي.

حتى بعدما ظهرت ليبيا لفترةٍ فى ثوبٍ سياسيٍّ جديد، عقب خطواتٍ قذافيَّة لتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، ونالت على ذلك المديح والتقدير من العواصم الغربية، فإنها سرعان ما تحوَّلت مرة أخرى إلى ضحيةٍ للتدخل الغربي، الذي يزيد نيران السخط اشتعالًا.

صحيحٌ أن التدخل هذه المرة يختلف في مظهره عن الاحتلال الإيطالي لليبيا، لكن شبح الاستعمار ظل حاضرًا طيلة الوقت في كل خطوةٍ؛ سواء جاءت التحركات الغربية تحت ستارِ حماية الشعب من الطاغية – الذي كان بالأمس القريب يُستَقبَل بالورود في عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسل – أو تحوَّلت اليوم إلى ألف ذريعةٍ جديدة، أكثرها بريقًا «مكافحة الإرهاب».

Embed from Getty Images
مخلفات الحرب العالمية الثانية في طبرق.

مخلفات الحرب.. بذور القتل العشوائي التي زرعها الإيطاليون في جوف ليبيا

ومن ممارسات الاحتلال الإيطالي الملموسة التي تركت آثارًا طويلة المدى، هي بذور القتل العشوائي التي زرعت في جوف الأراضي الليبية، على شكل ألغامٍ ومخلفات حربية متفجرة، لا تفرِّق بين المقاتلين والمدنيين.

حتى بعدما وضعت الحرب أوزارها، ظلت هذه البذور القاتلة، التي هي بمثابة «جنود لا يحملون أسلحة ظاهرة في أياديهم، لكنهم لا يخطئون أهدافهم قط، بل يصيبون ضحاياهم دون تمييز، ويستمرون في ذلك إلى ما بعد انتهاء القتال بوقت طويل»، على حد وصف اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

رغم أن إيطاليا نفسها كانت إحدى أكثر الدول التي تضررت من الألغام في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، فإنها كانت أيضًا أحد أكبر منتجي ومصدري الألغام الأرضية في العالم، وهي السياسة التي لم تغيرها سوى في مطلع تسعينيات القرن الفائت.

المفارقة أن قوات الجنرال خليفة حفتر، التي تسمي نفسها «الجيش الوطني الليبي»، تزرع اليوم ألغامًا مشابهة في جوف المناطق التي ينسحبون منها، غير آبهين بالدمار الذي تخلفه على المدى الطويل على السكان المدنيين، وهو الأثر الذي يستغرق التخلص منه أعوامًا وربما استغرق عقودًا، ويتكلف ملايين الدولارات.

ولذلك، لم يتوقف انتشار هذه الألغام الأرضية المضادة للأفراد وبقية المخلفات الحربية المتفجرة في ليبيا، بل هناك مسؤولون آخرون ساهموا مع إيطاليا في مفاقمة الأزمة، سواء كانوا دولًا أو مجموعات مسلحة، منذ الحرب العالمية وحتى معارك الحاضر.

إيطاليا الحاضر.. أين موقعها اليوم على الخارطة الليبية؟

يرى الرئيس السابق لأركان الدفاع الإيطالي، فينتشنتسو كامبوريني، أن مكانة بلاده في ليبيا أصبحت تعادل الصفر. وباستعارة مصطلحات كرة القدم، يرى الجنرال أن إيطاليا تجلس الآن – في المباراة الدائرة على أرض ليبيا – «على دكة الاحتياط، بعد أن حظيت ببطاقة صفراء».

عربي

منذ شهر
خريطة القوى الدولية في ليبيا.. مصالح وأهداف كُل دولة في الصراع

لكن الانتصارات العسكرية التي حققتها القوات التابعة لحكومة الوفاق الليبية، «فتحت صفحة جديدة في العلاقات السياسية» بين طرابلس وروما، بحسب وصف صحيفة «لاريبوبليكا» الإيطالية.

ومهما كانت صعوبة الموقف الذي تواجهه إيطاليا في ليبيا، فهي لن تفرط بسهولة في مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ولن تتهاون في المساس بـ«سمعتها الدولية في هذا البلد بوصفها إحدى مستعمراتها السابقة»، حتى لو كلَّفها ذلك خوض صراعٍ مع دولة حليفة مثل فرنسا.

نقاط ضعفٍ عابرة للأزمنة.. «المظلومية» لا تعفي من تحمُّل «المسؤولية»

ربما كانت الهيمنة الإيطالية على ليبيا هي «أقسى التجارب الاستعمارية» التي عانت منها دولة عربية في العصر الحديث، لكن هل يعني هذا أن الاحتلال يتحمَّل وحده المسؤولية الكاملة عما تعيشه المستعمرات السابقة الآن؟ هذا ليس دقيقًا، حتى ولو كان الوضع اليوم يشبه إلى حد كبير ما كان عليه المشهد إبان الاحتلال الإيطالي لليبيا في عام 1911، كما ترصد المؤرخة فيديريكا سايني فاسانوتي.

مثلما لم يكن بمقدور الإيطاليين بالأمس كسب حرب العصابات ضد الليبيين إلا بفضل الانقسام الداخلي، فليس باستطاعة القوى الإقليمية والدولية أن تخوض حروبها بالوكالة اليوم على ثرى ليبيا إلا بفضل ظروف مشابهة. ولولا الانقسامات القبلية لما استطاع الإيطاليون بالأمس مواجهة مجموعة هائلة من الخصوم، كانت تمتلك جميع متطلبات الفوز، إلا أنها افتقرت إلى عامل واحد، هو: الوحدة. وبالمثل، تُستَدعَى ورقة القبائل نفسها اليوم في معركة سرت المرتقبة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد