يشبِّه علماء النفس «الشخصية المتعاطفة المظلمة» بالذئب الذي يرتدي مسوح الحملان!

أطلق الباحثان ديلروي إل بولهوس، وكيفن ويليام في عام 2000، على اضطراب الشخصية النرجسية، والشخصية الميكافيلِّية، والمعتل نفسيًّا مصطلح «ثالوث الظلام»، وذلك لما تتسم به هذه الشخصيات من تلاعب وخداع، وافتقار إلى التعاطف مع الغير، علاوة على سعيهم الدائم، إلى تحقيق مصالحهم الشخصية وإشباع رغباتهم، على حساب الآخرين، حتى لو وصل الأمر إلى حد الإيذاء.

تتسم الشخصية النرجسية بالتعالي والأنانية والتمحور حول الذات، بينما يصنف علماء النفس المعتل نفسيًّا ضمن الشخصيات المعادية للمجتمع، ويصفونه بالتبلد وحب الانعزال، بالإضافة إلى مهارت الشخصية النرجسية في التلاعب وخداع الآخرين، أما الشخصية الميكافيلية فهي شخصية متلاعبة وازدواجية، تهوي خرق القوانين.

لكن خلال الأشهر الماضية تقلقلت الأوساط العلمية بسبب الدراسة التي أجرتها الباحثة نادية هايم، ومساعدوها بجامعة نوتنجهام ترنت البريطانية على 991 مشتركًا، وأظهرت نتائجها اكتشافًا جديدًا يمثل الضلع المفقود لهذه الشخصيات المظلمة!

فقد تبين أن 13% من الخاضعين للدراسة انطبقت عليهم سمات الشخصيات المظلمة، و34.4% منهم بدت نتائجهم طبيعية، و33.3% منهم اتسمت شخصياتهم بالتعاطف، وأطلق على 19.3% من إجمالي المشاركين: «الشخصيات المتعاطفة المظلمة»، فما قصة هذا النوع من الشخصيات؟ وإلى أي مدى يصل أذاه؟

الشخصية المتعاطفة المظلمة.. حقيقة أم خرافة؟

يميل علماء النفس إلى تقسيم التعاطف إلى شقين؛ «التعاطف الفعال» أي القدرة على الإحساس بمشاعر الآخرين ومشاركتها مشاركة فعالة. فعندما يشارك صديق مقرب صديقه مشاعر الإحباط والغضب التي مر بها في يوم عصيب، ستتسرب مشاعر الإحباط والغضب إليه. ويعد مثل هذا التعاطف علامة فارقة في العلاقات الحميمية؛ لأنه يساعد على الاهتمام بشريك حياته وتلبية احتياجه.

وذلك على خلاف الشق الثاني، وهو «التعاطف الإدراكي»، الذي يعني إدراك مشاعر الآخرين وفهمها فهمًا جيدًا. ويشبه أن يخبرك صديق بيومه العصيب، فتتفهم مشاعره وتقدرها لكنك لا تستطيع الشعور بما يمر به، وهو ما يحتاجه الأطباء والجنود لتأدية عملهم على أكمل وجه.

وقد أكدت الدراسة أن الشخصيات المظلمة المتعاطفة، تتميز بمستويات منخفضة من التعاطف بينما تزداد رغبتها في إيذاء الآخرين، وترتفع مستويات التعاطف الإدراكي لديها، ما يجعل البعض يعد الشخصية المتعاطفة المظلمة خرافة؛ إذ كيف يمكن أن تجتمع هاتان الصفتان المتضادتان في شخص واحد؟ وكيف يمكن لإنسان أن يتسم بسمات الشخصيات المظلمة، وفي الوقت ذاته يتعاطف مع الغير ويشعر بمآسيهم؟

في هذ الصدد، انقسمت الآراء ما بين مؤيد ومعارض للدراسة. فمثلًا أكدت المختصة النفسية وأستاذة الطب النفسي بجامعة كاليفورنيا، راموني دور سافولا، أن الشخصية المتعاطفة المظلمة تشبه الذئب الذي يرتدي ثياب الحملان، ولهذا السبب يقع الضحايا في فخ النرجسيين.

بينما عارضت المدونة كيم سعيد – وهي مدونة تهتم بمساعدة ضحايا النرجسيين على التعافي – الفكرة، موضحة أن المزيد من الحديث عن «الشخصية المتعاطفة المظلمة» يدمر نظرة البشر إلى المتعاطفين، فبدلًا من التركيز على نوايا النرجسيين وتصرفاتهم المؤذية، ها نحن نجعل من التعاطف الإدراكي مادة للوم والنقد!

لا تنخدع.. هذه سمات الشخصية المتعاطفة المظلمة

على الرغم من تعدد الآراء، فإن نتائج الدراسة كانت حاسمة، فالشخصية المتعاطفة المظلمة ليست خرافة، إذ يمكن أن يجمع المرء بين التعاطف والرغبة في إيذاء الآخرين، مثلما يجمع سائر البشر بين الخير والشر، وإليك صفات هذه الشخصية:

1. يتصنعون الطيبة ويزيفون مشاعرهم

يساعد التعاطف الإدراكي التي تتميز به الشخصية المتعاطفة المظلمة على حَبْك أقوالها بما يناسب الموقف، فهي تجيد الرد بردود منمقة واستخدام الألفاظ اللطيفة والمؤثرة، لأنها تدرك ما الذي يجب قوله وما لا يجب قوله، ومتى وكيف ستؤثر في الآخرين.

بل يمكنها مدحك حتى وإن كانت تكن لك الحقد الدفين، ويمكنها ادعاء التعاطف مع مشاعرك السلبية والاهتمام بك، لكي تبدو شخصية ساحرة تظهر في مظهر شريك الحياة المثالي، لذا عادة ما يشعر الطرف الثاني بأن هناك خللًا ما، فهذه المشاعر ليست حقيقية ولا تتسق مع دواخلهم.

2. بارعون في الخداع والتلاعب

تستعين الشخصيات المتعاطفة المظلمة بحدسها على إدراك مشاعر الآخرين، ودراسة طريقة تفكيرهم، ثم استخدامها وسيلة لاستغلالك، وربما ينتهكون حدودك من أجل الوصول لغاياتهم، دون اكتراث لرغبات الآخرين واحتياجاتهم. إذا انتهي أي نقاش معهم بتلبية احتياجاتهم فهذه علامة بينة.

3. يلقون باللوم عليك

إذا فشلت هذه الشخصيات في الوصول لما تريده سواء بالكلام المعسول أو بالخداع، فإنها تتبع إستراتيجيات أكثر تأثيرًا، كإلقاء اللوم عليك؛ لتشعر بالذنب وتلبي رغباتهم رغمًا عنك. وهذه السمة بالأخص أهم السمات التي تميز الشخصيات المتعاطفة المظلمة.

4. يفضلون السخرية من الآخرين والاستهزاء بهم

تتسم هذه الشخصية برغبة مستميتة في إلقاء الدعابات المهينة للآخرين، والسخرية منهم بهدف إيذاء مشاعرهم والتقليل من شأنهم. هذا ما يمدهم بشعور من الفوقية والأفضلية.

5. يطلقون الشائعات والأخبار الكاذبة

تتعمد هذه الشخصيات إيذاء الآخرين عن طريق إطلاق الشائعات وتلفيق الأخبار الكاذبة؛ لتشويه سمعتهم أمام الآخرين، كما تظهر الود والحميمية أمامك ثم تتحدث عنك بسوء عندما تختفي عن الأنظار. بل يمكنها تحوير كلماتك وأفعالك إلى تصرفات مشينة ومؤذية لإبعاد الناس عنك. وجدير بالذكر أن هذه السمات الخمسة يجب أن تتجمع كافة في الشخصية المتعاطفة المظلمة، فواحدة منها أو اثنتين لا تكفي للحكم على أي شخصية بأنها شخصية متعاطفة مظلمة.

لكن.. ما الفرق بين الشخصية المتعاطفة المظلمة وثالوث الظلام؟

لفهم الفروق بين الشخصيات المظلمة والشخصية المتعاطفة المظلمة علينا المقارنة بينهم بناء على عدة محاور:

  • هوس العظمة وإيذاء الآخرين

أشارت الدراسة إلى عدم وجود فروق بين الشخصيات المظلمة والشخصية المتعاطفة المظلمة من حيث سمات الثالوث المظلم، بل سجلت الشخصية المتعاطفة المظلمة معدلًا أعلى بالنسبة لهوس العظمة من الشخصيات المظلمة ومعدلًا أقل منها بالنسبة لإيذاء الآخرين.

  • السلام النفسي

كانت معدلات السلام النفسي لدى الشخصية المتعاطفة المظلمة أعلى من الشخصيات المظلمة؛ مما يجعلهم أقل عرضة للإصابة بالأمراض العصابية كالاكتئاب والقلق. كما أنهم يشتركون في العجز عن إنشاء علاقات صحية وحميمية، إلا أن الشخصيات المتعاطفة المظلمة أكثر رضا عن حياتهم الاجتماعية.

  •  اللجوء للعنف

يميل المعتلون نفسيًّا لاستخدام العنف البدني والجنسي أحيانًا، أما النرجسيون والميكافيليون فيميلون للإيذاء النفسي والعاطفي، لكن الشخصيات المتعاطفة المظلمة تفضل إلقاء النكات المهينة وإطلاق الشائعات واللوم كما ورد سابقًا.

  • القبول الاجتماعي:

الشخصيات المظلمة المتعاطفة أكثر انفتاحًا واجتماعية من الشخصيات المظلمة، وأقل قبولًا من الأسوياء والمتعاطفين.

  • الشعور بالخزي:

ينتاب الشخصيات المتعاطفة المظلمة شعورًا دفينًا بالخزي والعار من أنفسهم، رغم محاولاتهم لإيذاء الآخرين.

هل تتعاطف الشخصيات المظلمة حقًّا مع ضحاياها؟

أجرت الباحثة هارما ميفيرت دراسة بمساعدة طبيبة الأعصاب فاليريا جازولا على الشخصيات المعتلة نفسيًّا العنيفة؛ إذ طلبوا من 20 مشاركًا مشاهدة أفلام عنيفة، يلجأ أبطالها للعنف والوحشية، ثم سجلت استجابة المخ بواسطة جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لرؤية المناطق الموجودة في الدماغ التي يتفاعل معها المشتركون.

أكدت الدراسة أن المعتلين نفسيًّا كان معدل التعاطف لديهم أقل بكثير مقارنة بالشخصيات العادية، وعندما طلب منهم إعادة التجربة بشرط أن يتعاطفوا مع المتألمين، كانت النتائج صادمة؛ إذ زاد معدل التعاطف لديهم زيادة بالغة مقارنة بالمعدل الطبيعي لدى الأسوياء.

لكن ماذا عن اضطراب الشخصية النرجسية؟ التعاطف لدى النرجسيين معادلة رياضية غامضة، فما يشاع عنهم هو افتقارهم إلى القدرة على التعاطف. لكن الدراسات تبين أن معدل التعاطف الإدراكي لدى النرجسيين أعلى من رفاقه في الثالوث المظلم؛ إذ إن النرجسي يمكن أن يتألم لمرض قطته أو رؤية صغير مريض، لكنهم يرفضون الإقرار بهذا الألم لأنه يرتبط بهشاشتهم النفسية.

إذن الإجابة عن هذا السؤال، أن التعاطف بالنسبة للأسوياء رد فعل لاإرادي يحدث بصورة طبيعية تجاه الآخرين، أما بالنسبة للشخصيات المظلمة فهو رد فعل إرادي يمكن التحكم به، وكأنهم يضغطون على زر داخلي يبرمج مشاعرهم وفقًا للموقف.

تأثير الشخصية المتعاطفة المظلمة في الآخرين؟

عندما يمتلك شخص هذه القدرة السحرية على إدراك مشاعر الآخرين وفهمها وكيفية التعامل معها بحرص وذكاء بما يتناسب مع الموقف، ومن ثم استخدامها سلاحًا لخداع الضحايا والتلاعب بهم من أجل تلبية شهواتهم الأنانية، فإلى أي مدى قد تكون هذه الشخصية خطيرة على أقرانها والمحيطين بها في المجتمع؟

مما سبق يمكن أن نحكم على هذه الشخصية بأنها أخطر الشخصيات التي عرفها علم النفس، لكن العجيب في الأمر أن كل الشخصيات المتعاطفة المظلمة لا تكنُّ الشر دومًا أو تسعى لإيذاء الآخرين، بل يمكن أن تكون شخصية عادية ذات هالة ساحرة. يشبه  بعض علماء النفس هذه الشخصية بالأبطال المخالفين للعرف، مثل شخصية سيفروس سناب في سلسلة هاري بوتر، أو بالبطل الذي يسرق من الأغنياء لأجل مساعدة الفقراء، فمن كان يدري أن هذا الساحر الغامض يحمل كل هذا الحب والوفاء؟

علاقات

منذ شهرين
نرجسي ومكيافيللي ومعتل نفسيا أيضًا.. إليك سمات الشخصية المظلمة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد