ليست القلاع البريطانية مجرد مبانٍ عظيمة، بل إنها حصون، وقصور، وبيوت، ورمز للقوة، والعظمة، والخوف. وعلى مدى ألف عام تقريبًا، زينت القلاع المناظر الطبيعية الشهيرة في بريطانيا، واحتضنت تلك المباني المهيبة بعضًا من أعظم الأبطال والأشرار في تاريخ البلاد. لكن أسوارها وزواياها تخفي جوانب مظلمة، تعج بقصص الحروب المروعة، والخيانة، والمؤامرة، وحتى القتل.

في السطور التالية، نسبر أغوار خمس قلاع بريطانية شامخة، ونكشف عن أسرارها وخباياها، وما وقع بها من أحداث مروعة عبر التاريخ. 

قلعة وارويك.. حكاية ألف عام «من لعنة» مالكيها

على جرف طبيعي في منحنى مجرى نهر «أيفون»، بنيت هذه القلعة في وسط إنجلترا تمامًا، حيث تبلغ مساحتها 52 مترًا مربعًا، وتحتوي على 24 غرفة طعام في الطابق السفلي، ويحيط بها سور ضخم يبلغ ارتفاعه 500 متر، وبوابة أمامية، وسبعة أبراج ضخمة.

تملك اليوم مروجًا أنيقة، وحدائق بديعة. لكنها لم تكن دومًا بهذا الجمال؛ إذ لم تكن حين بناها وليام الفاتح خلال الغزو النورماندي عام 1068م أكثر من حصن خشبي وقاعدة عسكرية مهمة. وكان لها أهمية إستراتيجية كبيرة؛ فمنها يمكن السيطرة على ويلز غربًا، وإسكتلندا شمالًا، وما حول إنجلترا من مقاطعات. 

Embed from Getty Images

ونظرًا إلى أهميتها تلك، كانت مسؤولية إدارتها أمرًا عظيمًا، لذلك لم يترك وليام مسؤوليتها سوى لأكثر رجاله ثقةً، وكافأهم على ولائهم بمنحهم لقب «إيرل»، الذي يعني رجلًا ذا مولد أو رتبة نبيلة من طبقة النبلاء. وفي نهاية القرن 13، منح الملك إدوارد الأول لقب «إيرل وارويك» لوليام بيتشمب، الذي احتفظت عائلته بهذا اللقب وبالقلعة لسبعة أجيال، خدمت خلالها تسعة من ملوك إنجلترا، وجنت من ذلك أموالًا طائلة.  

أحد أفراد تلك العائلة كان جاي بيتشمب الذي ساعد الملك إدوارد الأول في حروبه الوحشية ضد الإسكتلنديين. وبعد وفاة الملك، خلفه ابنه إدوارد الثاني الذي كان ضعيفًا وساذجًا وعلى علاقة قوية بفارس فرنسي يدعى بيرز جافستون، الذي كان يقدم للملك النصائح السيئة، ويجعله يختار وزراء سيئين، ويبدد أمواله، بدلًا من سحق الإسكتلنديين في المعارك. 

كذلك، كان جافستون شديد الكره لجاي بيتشمب وغيره من النبلاء؛ الأمر الذي دفع مجموعة منهم بقيادة جاي بيتشمب للتفكير في التخلص من جافستون الذي وصفوه بأنه أكثر مستشاري الملك شرًا. وبالفعل، اختطف جاي بيتشمب ورجاله جافستون وأخذوه إلى القلعة حيث سُجن للتحضير لمحاكمته في القاعة الكبيرة، التي جرى فيها محاكمة صورية له أُدين فيها بالخيانة، وحُكم عليه بالإعدام.

في القرن 14، بنت عائلة بيتشمب قبوًا في قاع القلعة يعد أحد أكثر الأقبية إخافة في أوروبا؛ حيث سُجن فيه المعتقلون خلال حرب إنجلترا مع فرنسا. وأطلق عليه الفرنسيون لقب «الزنزانة المنسية»؛ إذ كانت عبارة عن حفرة صغيرة جدًّا عفنة وقذرة، يُترك فيه السجين ويُنسى حيث يواجه الظلام والبرودة بلا طعام أو شراب، وحتى يبدأ بالتعرض لانهيار تام في الشخصية وعرضة للهلاوس العنيفة، والتقرح والنزيف، قبل أن يموت جوعًا أو نتيجة الفشل الكلوي أو توقف القلب.

في أربعينيات القرن 15، شهدت القلعة واحدًا من أكثر فصول «حرب الوردتين» مأساوية، حيث تمرد ريتشارد نيفل الحامل للقب «إيرل وارويك الـ16 وصانع الملوك» ضد الملك هنري السادس، ونجح في خلعه من العرش ووضع الملك إدوارد الرابع مكانه. وقد توقع نيفل أن يمنحه إدوارد الأملاك والألقاب والسلطة مكافأة له على ذلك، وأن يصبح الملك الجديد دمية في يده.

لكن سرعان ما ساءت العلاقة بينهما، وأخذ نيفل يخطط لتمرد جديد. وفي عام 1469، قاد نيفل جيشًا ضد إدوارد الرابع استطاع هزيمة قوات الملك وأسره في برج قيصر بالقلعة، وبدأ نيفل بحكم إنجلترا بنفسه. 

وعلى مدى تاريخها الذي يمتد لألف عام، انتقلت القلعة من مالك إلى آخر، وكانت رغم جمالها وضخامتها تملك عادة سيئة أشبه باللعنة، ألا وهي هزيمة مالكيها الذين دفعوا جميعًا ثمنًا باهظًا لامتلاكها، أدى بهم أحيانًا إلى الإفلاس، أو الأمرِّ من ذلك وهو ما دفع كثير منهم حياته ثمنًا لها. 

وفي نهاية المطاف، بيعت القلعة في عام 1978 لمجموعة «توسودس»، إحدى أشهر شركات التسلية في بريطانيا، وغدت مزارًا سياحيًّا يستقبل العامة من الناس على مدار العام. لكن ما بين التسلية العائلية والألعاب والمتعة التي تجري في القلعة اليوم، يبقى الإرث الأعظم هو القصص المخيفة والأحداث المروعة التي تكتنف جوانبها؛ لتبقى شاهدًا على وقائع ألفية من تاريخ إنجلترا.

قلعة كارنارفون.. التي قمعت الثوار وبُنيت على الغدر

بنيت هذه القلعة المخيفة على الغدر، ونجت من واحد من أكثر التمردات دموية، ولها أهمية كبيرة في قصة بريطانيا، حيث شهدت على الأساطير، والتمردات، والغزو، والصراع على حق لقب «أمير ويلز»، اللقب الذي مُنح للأمير تشارلز، أكبر أبناء الملكة إليزابيث الثانية، في عام 1969، والذي يعد اليوم رمزيًّا فقط، إلا أنه كان يملك نفوذًا كبيرًا في الماضي، وكان لقلعة كارنارفون دور محوري في ذلك. 

Embed from Getty Images

بنى الملك إدوارد الأول هذه القلعة التي تعد إحدى أعظم قلاع العصور الوسطى البريطانية في نهاية القرن 13، ليظهر السيادة الإنجليزية على ويلز. فبعد أن عاد من الحملات الصليبية لم يكن كافيًا بالنسبة له أن يتوج ملكًا على إنجلترا، وأراد أن تخضع له ويلز أيضًا. وليتمكن من ذلك كان عليه هزيمة الويلزيين، الذين كانوا بارعين في حرب العصابات.

من كارنارفون، شنَّ لويلين أب جرافيد، أمير ويلز، حروبًا متقطعة على الإنجليز لسنوات عدة. وفي عام 1277، جمع إدوارد جيشًا ضخمًا قوامه 15500 جندي، أكبر بعشر مرات من الجيش الذي أخذه للحروب الصليبية، وقاد غزوات فعالة على ويلز، أسر خلالها سبعة من أمراء ويلز الأصليين، واحتل عددًا من القلاع.

لم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل كانت لديه خطة تتضمن بناء سلاح جديد جذري لاحتلال ويلز بالكامل. كان ذلك السلاح سلسلة من القلاع تدعى «الحلقة الحديدية»، التي ستضمن له تثبيت نصره على الويلزيين؛ فأمر مهندسيه ببناء حلقة من القلاع حول شمال ويلز، حيث تمركزت مقاومة الويلزيين للإنجليز. وفي كل قلعة يترك حامية جنود دائمة، يخرجون لسحق أي محاولة تمرد من الويلزيين لحظة ظهورها.

كانت قلعة كارنارفون، في مركز التمرد الويلزي، وعمل على بنائها ألف عامل. وكان أحد مداخلها المسمى «بوابة الملك» أكثر مداخل القلاع البريطانية إثارة للرعب وأخطرها. في أعلاه، توجد فتحات القتل التي يُصب الرمل الساخن عبرها ويحرق المهاجم حيًّا. وعلى الجانبين، توجد شقوق لإطلاق السهام؛ ما جعل منها بوابة منيعة أثارت ذعر الويلزيين.

لكن الويلزيين لم يقبلوا ذلك ببساطة، ولم يرضوا باحتلال الإنجليز لهم ومعاملتهم سكانًا من الدرجة الثانية، وإخضاعهم للضرائب. وتحت قيادة مادوج أب لويلين ثار الويلزيون وحاصروا المعاقل الإنجليزية، وأحرقوا المدن، وشرعوا في تدمير الحلقة الحديدية وصولًا إلى قلعة كارنارفون، حيث أحرقوا بها كل ما أمكنهم إحراقه.

وردًّا على ذلك، قاد الملك إدوارد الأول جيشًا من 37 ألف جندي، وسحق ذلك التمرد الذي امتد لثمانية أشهر، سالت خلالها شلالات من الدماء. وخصص إدوارد الأول فيما بعد ماله ووقته لإعادة بناء القلعة. وخلال المائة عام اللاحقة، استمر الملوك الإنجليز في سحق المتمردين الويلزيين. 

ومع بداية القرن 15، خلال حكم الملك هنري الرابع، ظهر قائد جديد أصبح فيما بعد أعظم بطل متمرد في ويلز، يدعى أوين جلينداور، الذي سعى لتحطيم قلعة كارنارفون، وإنهاء الاحتلال الإنجليزي، واسترداد لقب أمير ويلز. وقد تحالف مع ملك فرنسا الذي أمده بأحدث التقنيات العسكرية حينها لاقتحام القلعة، ومع ذلك صمدت القلعة أمام القوات الويلزية والفرنسية، مع أن حاميتها حينها لم تزد على 28 جنديًّا!

وبحلول عام 1415، عادت ويلز لسيطرة الإنجليز، ومات بعض قادة التمرد وسجن البعض الآخر، في حين رفض جلينداور عروض الصفح عنه واختفى دون أثر، لتتحول قصته إلى أسطورة مثل أسطورة الملك آرثر، ويصبح بطلًا قوميًّا في عيون الويلزيين.

تاريخ

منذ سنة واحدة
«حروب القد».. كيف هزمت أيسلندا بريطانيا في ثلاث حروب دون أن تمتلك جيشًا؟

قلعة إدنبرة.. الأكثر محاصرة على الأرض

تعد هذه القلعة التي يتوافد عليها اليوم أكثر من 1.5 مليون سائح سنويًّا، موطنًا للحدث السنوي الشهير المعروف بـ«العرض الموسيقي العسكري»، أحد أكثر المواكب العسكرية شعبية. لكنها من ناحية أخرى تحمل تاريخًا دمويًّا يمتد إلى ألف عام، نالت خلاله لقب القلعة الأكثر محاصرة على الأرض. وكانت مسرحًا للخيانات، والمؤامرات، إلى جانب بعض من أكثر المعارك الملحمية المشهودة بين ملوك إنجلترا وإسكتلندا.

إنها أكثر قلعة شنت من أجلها الحروب في بريطانيا، حيث هوجمت 23 مرة من طوائف شتى ما بين العشائر الإسكتلندية المتناحرة، والملوك الإنجليز، إلى المناطيد الألمانية. ولحسن الحظ، نجت منهم جميعًا، وما تزال صامدة إلى اليوم مهيمنةً على الطبيعة المحيطة بها، وينطلق من جدارها صوت «مسدس الساعة الواحدة» منذ عام 1861 مدويًّا في أرجاء مدينة إدنبرة إلى اليوم؛ تذكيرًا بأن القلعة ما زالت تحتفظ بحاميتها العسكرية.

Embed from Getty Images

بُنيت القلعة لإيواء الأسر الملكية الإسكتلندية وحمايتهم ومقرًّا للسلطة، لكن القتال مع الملوك الإنجليز الطامحين في ضم الأراضي الإسكتلندية إلى حكمهم استمر لقرون. واشتعلت بين الجانبين حروب طاحنة عُرفت بـ«حروب استقلال الإسكتلنديين»، كان أكثرها فتكًا تلك التي جرت مع الملك إدوارد الأول، الذي لُقب بـ«مطرقة الإسكتلنديين». 

اجتاح جيش إدوارد إسكتلندا عام 1296، ووصل إلى إدنبرة وقصفها بأكبر المقاذيف التي صنعت حينها؛ ما دفع الإسكتلنديين للاستسلام وتسليم القلعة بعد ثلاثة أيام فقط من القصف. واحتل الإنجليز القلعة وأنشأوا حاميتهم الخاصة، ومكثوا بها لنحو 20 عامًا، حتى تمكن نبيل إسكتلندي يدعى توماس راندولف في عام 1314 من استعادة القلعة.

لاحقًا، اعتلت عائلة جديدة عرش إسكتلندا، عائلة ستيوارت، متخذين من القلعة مقرًّا لهم، لتشهد على مكائدهم وصراعاتهم حول العرش، ومنها حادثة «العشاء الأسود» أحد أسوأ الأحداث في التاريخ البريطاني، والتي دبر فيها حاكم القلعة وليام كريشتون، وحليفه ألكسندر ليفينجستون عام 1440 مكيدة لقتل أفراد من عائلة دوجلاس، وهي عائلة إسكتلندية أرستقراطية، كان أفرادها ذوي نفوذ، وذلك خوفًا من أن ينازعوه في الحكم.

وخلال حكم عائلة ستيوارت أصبحت قلعة إدنبرة أحد أكثر قلاع بريطانيا المدججة بالسلاح الثقيل، لكن ذلك لم يحمِها من هجمات الأعداء. وكان أكثر تلك الهجمات سفكًا للدماء، ذلك الهجوم الذي شنه الملك هنري الثامن، الذي ينحدر من العائلة المالكة الأكثر شهرة في بريطانيا، عائلة تيودور؛ ومحاولة خطف ماري ملكة إسكتلندا، من أجل تزويجها لابنه إدوارد السادس وتوحيد البلدين.

وخلال الحرب العالمية الأولى، حدثت آخر التهديدات التي تعرضت لها قلعة إدنبرة، هذه المرة من السماء؛ حيث قصفت المناطيد الألمانية بريطانيا من الجو في عام 1916، حين شنت أول غارة جوية على إسكتلندا. وفي أقل من ساعة، سقطت 24 قنبلة على مدينة إدنبرة، قُتل على إثرها 13 شخصًا وجُرح 24 آخرين، ودُمر كثير من المنازل. مع ذلك، نجت القلعة العتيقة ولا تزال إلى اليوم تطلق مدافعها؛ لتذكر العالم أنها كما كانت دومًا عصية على الكسر. 

قلعة يورك.. موقع المجازر الدينية والمحاكمات الصورية

تقع هذه القلعة في قلب إحدى أكبر المدن البريطانية القديمة، وشهد تاريخها الطويل على قصص مثيرة تعود لأكثر من ألفي سنة. إنها المكان الذي جعل فيه الملك هنري الثامن من أحد أعدائه عبرة دموية، ووقعت إحدى أبشع المجازر الدينية في بريطانيا، وكانت لها صلات بمحاربي الفايكنج وفرسان الهيكل.

بنيت قلعة يورك على رأس تلة شديدة الانحدار، وسط جدران مدينة يورك القديمة على شكل نبتة برسيم ذات أربع أوراق، وكانت مركزًا للسلطة الملكية في شمال إنجلترا على مدى ألف عام. في البداية، كان الرومان أول من حصَّن تلك المدينة عام 71م، حين حوَّل الإمبراطور الروماني كونستانتين العظيم الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية، وأُعلن إمبراطورًا في يورك. وبنى الرومان جدرانًا حول المدينة، وجعلوها العاصمة الرسمية لشمال إنجلترا. 

ومع انهيار إمبراطوريتهم في القرن الخامس الميلادي، غادر الرومان المدينة. وبعد أربعة قرون، وصل مجموعة من الغزاة الجدد عبر البحر هم الفايكينج، الذين اتخذوا من يورك عاصمة لهم وفرضوا قوانينهم على شمال إنجلترا على مدى قرنين من الزمان. ولكن الأمر لم يستتب لهم؛ إذ وصل إلى المدينة غزاة جدد في عام 1066 حين اقتحمها مجموعة من المحاربين الشرسين بقيادة وليام الفاتح، ونقلوا إلى المدينة فن بناء القلاع. وبنيت قلعة يورك في عام 1068؛ لقمع التمردات ضد حكم وليام الذي قاد حملة ضد الثوار عرفت بـ«خراب الشمال». 

Embed from Getty Images

وكان وليام قد أحضر معه مجموعة من اليهود إلى المدينة، التي أصبحت موطنًا لأحد أكبر المجتمعات اليهودية في إنجلترا. ولكن في عام 1190، اندلعت أعمال شغب ضد اليهود في لندن، وسرعان ما توسعت لتصل إلى يورك، حيث تجمع حشد كبير وبدأوا بإحراق منازل اليهود؛ بسبب أن كثيرًا من سكان يورك كانوا يدينون بأموال كبيرة لليهود، الذين كانوا يقرضونهم المال بفائدة، ومن ناحية أخرى تعصب الكنيسة في العصور الوسطى تجاه الديانات الأخرى معتبرة غير المسيحيين كفرة.

وهربًا من الحشود الغاضبة، لجأ اليهود إلى قلعة يورك التي كان من المفترض أن توفر لهم الحماية الملكية وفق القانون، لكن مع الأعداد الكبيرة من الثائرين حول القلعة خرج الأمر عن السيطرة، وتحولت القلعة إلى مسرح لمجزرة بشعة قُتل فيها جميع سكان المدينة من اليهود، في مذبحة تُعد الأسوأ في تاريخ البلاد.

لكن هذه ليست المرة الوحيدة التي كانت فيها القلعة مسرحًا للاضطهاد والتعذيب، ففي عام 1308 احتجز في القلعة مجموعة من الرجال يُدعون «فرسان الهيكل»، الذين كانوا عبارة عن تنظيم ديني من الفرسان تأسس في القرن 12 في القدس، ضمن الحملات الصليبية. واشتهروا في جميع أنحاء العالم المسيحي بقوتهم، ونفوذهم، وثروتهم الواسعة. لكن ذلك النفوذ والثراء جذب إليهم بعض الأعداء الأقوياء، من بينهم الملك الفرنسي فيليب الرابع، الذي أمر باعتقالهم عندما وجد نفسه يدين بالكثير لذلك التنظيم؛ وتعرضوا للتعذيب وأجبروا على الاعتراف بالفجور والزندقة.

وقد اتبع الملك الإنجليزي إدوارد الثاني النهج نفسه، فأمر بجمع جميع فرسان الهيكل واعتقالهم في سراديب قلعة يورك في عام 1308. وبعد عامين جرت محاكمتهم واتهامهم بجرائم دينية، وممارسة السحر الأسود، ورغم تبرئتهم من تلك التهم، فإن نتائج المحاكمة كانت كارثية على التنظيم الذي حُل وجُرد من ممتلكاته.

لكن أحدًا لم يستخدم القلعة في المحاكمات الصورية والتنكيل بأعدائه مثل الملك هنري الثامن، الذي اشتعل في عهده تمرد عنيف من الكاثوليك الغاضبين من إصلاحاته البروتستانتية التي تخللها اضطهاد وهجوم مباشر على عقيدتهم. وقد قاد ذلك التمرد الذي شارك فيه 35 ألف شخص، محامي وخطيب مفوه من عائلة ثرية يدعى روبرت آسك.

تمكن الملك من اعتقاله وأسره في برج لندن، حيث اتهم وأُدين بالخيانة العظمى، ثم أمر هنري بنقله إلى قلعة يورك والطواف به مكبلًا بالسلاسل في كل مدينة يمر بها. ولدى وصوله إلى القلعة تلقى حكمًا مروعًا بالإعدام جاء فيه: «سيجري جرك على سياج إلى موقع الإعدام، وهناك ستُشنق من عنقك، وتُقطع حيًّا، وتُنزع أعضاؤك الخاصة، وتُخرج أمعاؤك من بطنك ثم تُحرق..».

وبعد تنفيذ حكم الإعدام فيه، جرى تعليق ما تبقى من جثة آسك بسلاسل في جدران القلعة؛ ليرى سكان المدينة ما حدث لمن تمرد على الملك ويصبح عبرةً لهم. وقد لقى أكثر من 200 متمرد آخرين المصير نفسه خلال تلك الانتفاضة الأكثر دموية والأسوأ في عهد هنري الثامن.

تاريخ

منذ 4 شهور
أختان في بلاط الملك.. عندما عشق ملك إنجلترا واحدة وتزوج الأخرى!

قلعة لانكستر.. تاريخ قرن من الجريمة والعقاب الوحشي

في قلب شمال إنجلترا، تقع هذه القلعة التي احتضنت أحد أقدم السجون والمحاكم الجنائية في البلاد، ولقي فيها مئات الأفراد مصرعهم، ليس نتيجة القتال في المعارك أو الحصار، بل باسم العدالة البريطانية. إنها قلعة لانكستر التي أكسبت مقاطعة لانكستر في بريطانيا لقب «مدينة الشنق». 

يعود تاريخ هذه القلعة إلى نحو ألفي عام، حين غزا الرومان بريطانيا عام 43م، وبنوا شبكة واسعة من الحصون لتعزيز حكمهم، من بينها حصن في لانكستر. وفي عام 1066م حين غزا النورمان بريطانيا شيدوا بها القلاع رمزًا إلى سلطتهم، ومنها قلعة لانكستر الحجرية التي بنوها لبسط نفوذهم في الشمال.

وفي عهد الملك جون، بدأت القلعة ترتبط بالجريمة والعقاب وتحديدًا العقاب؛ إذ استخدمها الملك في احتجاز أعدائه وإنزال ألوان العذاب بهم. وبامتلاكها سجنًا وقاعة محكمة، أخذت قلعة لانكستر تُستخدم في فرض القانون والنظام على نحو متزايد عبر القرون. وأحيانًا لم يكن يجري محاكمة السجناء، بل يبقون في الحبس في انتظار محاكمتهم وحسب.

Embed from Getty Images

أما عن العقاب، فيُعرض اليوم في برج هادريان بالقلعة بعض أبشع أدوات التعذيب التي استخدمت في العصور الوسطى، ومنها «قيود الأطفال» التي صنعت خصيصًا لاعتقال الأطفال؛ إذ كان مسموحًا بسجن الأطفال من عمر تسع سنوات. هذا إلى جانب «لجام الجمجمة» الذي استخدم لمعاقبة النساء المذنبات، ويحتوي على لجام يُسكت المتهم ويمكن أن يشق لسانه، ويكسر أسنانه أو فكه عند جذبه للخلف. واستخدم ذلك اللجام أيضًا في إسكات المعارضين السياسيين والدينيين.

ويشكل إسكات الأصوات المعارضة جزءًا كبيرًا من تاريخ قلعة لانكستر، حيث كانت الجريمة الأساسية لمعظم سجنائها ممارسة الدين الخطأ، ويعني ذلك أن تكون كاثوليكيًّا في القرنين 16 و17. وقد جرى إعدام الكثيرين لمجرد رفضهم التخلي عن إيمانهم الكاثوليكي، خاصة في عهد هنري الثامن وابنته الملكة إليزابيث الأولى، اللذين حولا عقيدة البلاد للبروتستانتية.

ولأن بريطانيا كانت محاطة حينها بأعداء كاثوليك أقوياء مثل فرنسا وإسبانيا؛ فكان يُنظر إلى الأفراد الكاثوليك على أنهم حلفاء محتملين لأعداء يحاولون غزو البلاد؛ الأمر الذي عزز الاضطهاد الديني للكاثوليك، وجعل من كون المرء كاهنًا كاثوليكيًّا عملًا من أعمال الخيانة التي يُعاقب عليها بأبشع أنواع الموت. وكان أحد ضحايا ذلك الاضطهاد الأكثر مأساوية، الكاهن إدمون أروسميث الذي حوكم في قلعة لانكستر عام 1628، وأدين بالخيانة العظمى وحكم عليه بالشنق والتقطيع والحرق.  

العدالة القاسية، والعقوبات المروعة كانت السمة الغالبة على تاريخ هذه القلعة المظلم، وعلاوةً على المعارضة الدينية والسياسية، شهدت القلعة أيضًا محاكمة الساحرات خاصةً في القرن 17، حين سيطر على بريطانيا خوف وطني من الساحرات، وكانت قلعة لانكستر مسرحًا لأكبر وأعتى سلسلة من محاكمة الساحرات.

وفي التاريخ الحديث، شهدت القلعة واحدة من أشهر المحاكمات التي جرت في القرن 20، عقب نشوب واحد من أسوأ الهجمات الإرهابية التي استهدفت بريطانيا، في التفجير الذي طال حانتين في برمنجهام ليلة 21 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1974، والذي أسفر عن مقتل 21 شخصًا وإصابة أكثر من 200 آخرين.

وفي «محكمة العرش» في قلب قلعة لانكستر، وجهت أصابع الاتهام نحو مجموعة من الرجال الأيرلنديين، بعد أن جرى احتجازهم وانتزاع الاعترافات منهم بوحشية حسبما قالوا، ومع أنهم كانوا أبرياء ولا علاقة لهم بالحادث، فإنهم أُدينوا بالقتل وحُكم عليهم بالحبس مدى الحياة، في واحدة من أسوأ تطبيقات العدالة في التاريخ البريطاني الحديث. ولكن لاحقًا ألغيت إدانات أولئك الرجال، الذين أصبحوا يعرفون باسم «ستة برمنجهام» في الاستئناف، وأطلق سراحهم في عام 1991.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
التاريخ المرعب لحدائق الحيوان البشريّة.. موجودة إلى يومنا هذا!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد