في عالم الجمال وصناعة مستحضرات التجميل، تلمع كثير من الأسماء المعروفة من الماركات الشهيرة عالميًّا. ولكن مؤخرًا ظهر خط جديد سرعان ما انتشر، وحقق شعبية كبيرة في زمن قياسي في هذه الصناعة، ألا وهو عالم مستحضرات التجميل الكورية المعروف أيضًا بـ «كي بيوتي (K-beauty)».

قناع الباندا، وقناع الزومبي، وكريم الانتعاش الحلزوني، وغيرها من المستحضرات المعبأة في عبوات أنيقة ذات ألوان براقة، تعد جزءًا من صناعة وصلت قيمتها في العام الماضي إلى 10.3 مليارات دولار أمريكي؛ لتصبح بذلك واحدة من أكبر 10 أسواق لمنتجات التجميل في العالم، ويقول عنها الخبراء إنها ظاهرة ثقافية جاءت لتبقى.

ظاهرة تخطت حدود كوريا الجنوبية التي خرجت منها، وفرضت نفسها على العالم، وجلبت معها معايير جديدة للجمال. معايير تسببت في معاناة بعض النساء اللاتي أدمنَّها، وثورة بعض الأخريات اللاتي رفضنها. فما قصة هذه الظاهرة الجديدة في عالم الجمال، وماذا عن الوجه المظلم الذي تخفيه خلفها؟ وما موقف كوريا الشمالية من صنعة جارتها الجنوبية؟

«كي-بيوتي».. صيحة جديدة تحولت لصناعة تقدر بالمليارات

في السنوات الأخيرة، انتشرت كلمة «كي-بيوتي» انتشارًا واسعًا وخاصةً بعد ظهور منتجات كورية للتجميل والعناية بالبشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعية والتقليدية. وشاع اتجاه جديد يدعى «البشرة الزجاجية (glass skin)» الذي تردد كثيرًا على منصات التواصل، يصحبه وابل من صور السيلفي والفيديوهات لمدونات وعارضات يروجن لمنتجات كورية، ويسوقن للانطباع القائل بأن المرأة الكورية تتمتع ببشرة خالية من العيوب.

لا يروج لهذه الصورة الرومانسية عشاق الجمال الكوري أو مُدونو التجميل الذين يسوقون لها فقط، بل تدعمها الحملات الإعلانية لتلك الصناعة التي تخدم أحد أكبر 10 أسواق للتجميل في العالم، والتي قُدرت قيمتها في عام 2017 بأكثر من 13 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يقفز حجم سوق منتجات هذه الصناعة إلى نحو 31.6 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، وأن يسجل معدل نمو سنوي مركب قدره 12.0%.

Embed from Getty Images

لا عجب لهذا مع الكم الهائل من المحتوى الإلكتروني، والإعلانات التي تملأ الشوارع ومحطات المترو، والتي تحاوط النساء في كوريا الجنوبية من كل جانب. من دعايا روتين العناية بالبشرة المكون من عشر خطوات، إلى أقنعة الوجه الفقاعية، وغيرها من الصيحات التي تخرج تباعًا، وتعد النساء بتحقيق «البشرة الزجاجية» الخالية من العيوب. هذا بالإضافة إلى طرق التسويق الإلكتروني المبتكرة، والتغليف الجذاب والذكي للمنتجات، فضلًا عن استخدام الأعشاب الآسيوية وغيرها من المكونات الغريبة.

وهناك أيضًا منتجات وأنظمة عناية بالبشرة خاصة بالأطفال الصغار، ويقول خبراء التجميل إن مثل هذه الاتجاهات تجعل الأطفال يستوعبون الأعراف الاجتماعية ومعايير الجمال منذ الصغر. وقد شجع الانتشار الكبير لمنتجات التجميل الكورية بعض العلامات التجارية العالمية الرائدة في منتجات التجميل إلى تضمين المنتجات الكورية في خطوط إنتاجها. وباتت عديد من متاجر مستحضرات التجميل في جميع أنحاء العالم تملك قسمًا خاصًّا بالمنتجات الكورية.

هوس الكمال الجسدي

في شوارع تعج بإعلانات مستحضرات وعمليات التجميل التي تحث النساء على تغيير أجسادهن، ومجتمع يجري فيه الحكم على النساء من خلال مظهرهن، تقول مواطنة كورية في حديث مع موقع «ساوث تشاينا مورنينج بوست»: «إذا لم أضع المكياج، سيقول لي زملائي شيئًا مثل، لماذا وجهك متعب للغاية وباهت المظهر». وتضيف: «عندما أذهب إلى الاجتماعات لمراجعة حسابات العملاء، يدفعني زملائي إلى وضع المزيد من المكياج لأن عملاءنا سيكونون أكثر استعدادًا للتحدث مع وجه جميل».

ومن ناحية أخرى تقول ماري لي، التي درست في المملكة المتحدة قبل عودتها إلى سول «إن الناس هنا لا يمكنهم الخروج بدون وضع المكياج. النقطة المهمة أن كل امرأة يجب أن تضع بعض المكياج». هذا إلى جانب روتين العناية بالبشرة المكون من 10 خطوات تشمل غسول الوجه، والتونر، والمصل، والأقنعة، والمرطبات، وأكثر من ذلك مما لا يبدو أنه يمثل عادة أكثر من كونه ضرورة للعديد من النساء اللائي يعشن في بيئة عالية التنافسية.

Embed from Getty Images

كذلك، تؤثر شعبية موسيقى البوب الكورية (K-pop)، والدراما التلفزيونية الكورية (K-drama) في الناس، وتدفعهم لاتباع روتين الجمال الخاص بهم؛ أملًا في أن يشبهوا مشاهيرهم المفضلين. ليس هذا وحسب؛ بل تستقبل عيادات التجميل كثيرين ممن يذهبون إلى الأطباء وهم يحملون صورًا لفنانيهم المفضلين، ويرغبون في إجراء الجراحات حتى يبدوا مثلهم.

تملك كوريا الجنوبية أعلى معدل لجراحات التجميل للفرد في العالم، وتشير التقديرات إلى أن واحدة من كل ثلاث نساء تتراوح أعمارهن بين 19 و 29 عامًا قد خضعن لعملية تجميل. وتعد عمليات تبييض البشرة، وتجميل الأنف، وجراحات الجفن المزدوج الأكثر شعبية. علاوة على ذلك، يمنح كثير من الآباء والأمهات بناتهم عمليات جراحة الجفن المزدوج هدية تخرج من المرحلة الثانوية.

ولكن في بعض الأحيان يمكن أن تسوء الأمور، كما حدث مع كيم بوك سون التي خضعت لـ 15 عملية جراحية لوجهها في يوم واحد، وقد فشلت العمليات وتعرضت كيم في إثرها لمشكلات صحية متعددة. أيضًا تصدرت حالة عارضة الأزياء هانج ميوكو عناوين الأخبار العالمية، والتي أدمنت إجراء جراحات التجميل، وعندما رفض الأطباء إجراء المزيد من الجراحات لها، حقنت وجهها بالسيليكون المباع في السوق السوداء، وزيت الطهي؛ ما ألحق أضرارًا جسيمة بوجهها.

تعد الدولة أيضًا منتجًا ومصدرًا رئيسًا للفيلر والبوتوكس، وموقعًا جذابًا للسياحة الطبية التي يأتي معظم زوارها من الصين. وفي عام 2017، أنفق رجال كوريا الجنوبية أموالًا على العناية الشخصية أكثر من رجال أي دولة أخرى. كل هذا يعكس نفسية وطنية تُولي أهمية بالغة للكمال الجسدي.

منوعات

منذ 10 شهور
تاريخ تطور جراحة التجميل في العالم.. الأولى كانت عام 600 قبل الميلاد!

موجة التغيير المضادة

تقول كيم شونج كيونج، التي تعد أول فنانة مكياج في كوريا، والتي ابتكرت إطلالات للمشاهير لأكثر من 30 عامًا: «إن كي بيوتي يدور حول خلق الوهم بالحصول على بشرة خالية من العيوب. وفي كتابها «أسطورة الجمال»، تقول المؤلفة نعومي وولف: «الجمال نظام عملة مثل المعيار الذهبي، ومثل أي اقتصاد تحدده السياسة.. عند إعطاء قيمة للمرأة في التسلسل الهرمي العمودي وفقًا لمعيار مادي مفروض ثقافيًّا، فهو تعبير عن علاقات القوة التي يجب أن تتنافس فيها النساء تنافسًا غير طبيعي على الموارد التي خصصها الرجال لأنفسهم».

وفي كوريا الجنوبية، كما هو الحال في كثير من أنحاء العالم، ما تزال أسطورة الجمال حقيقة واقعة بالنسبة للنساء. وغالبًا ما يكون السعي وراء الجمال غاية؛ خاصةً لأولئك الذين يسعون إلى النجاح الاجتماعي والمهني. ويمكن ملاحظة هذا السعي عبر الطبقات الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ تنتشر ثقافة «المظهر» انتشارًا شاسعًا ومؤسسيًّا.

يقول بعض الناشطين إنه خلف كل هذه الضجة التي تثيرها صيحة مستحضرات التجميل الكورية، تقع الحقيقة القاسية للتمييز على أساس الجنس. تعد كوريا الجنوبية واحدة من أقل البلدان مرتبة من حيث الفجوة بين الجنسين؛ إذ تحتل عادةً مراتب متأخرة في القائمة العالمية للفجوة بين الجنسين التي يعدها المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي ينظر في عوامل مثل المساواة في الأجور، وإجازة الأمومة. وقد احتلت كوريا الجنوبية هذا العام المرتبة 124 من بين 149 دولة.

على الجانب الآخر، تشن بعض النساء موجة مضادة لثقافة الهوس بالكمال، وينشرن الفيديوهات لأنفسهن وهن يحطمن ويُفرِّغن مستحضرات التجميل الخاصة بهن، رمزًا للتمرد ضد معايير الجمال الصارمة. ولا يقتصر الأمر فقط على رفض وضع المكياج؛ بل ارتداء النظارات الطبية أيضًا، وهو ما فعلته مقدمة أخبار شهيرة اختارت أن ترتدي النظارات في أثناء إذاعتها نشرة الأخبار في مايو (أيار) عام 2018؛ لتصبح أول من يرتديها على شبكة تلفزيونية رئيسة.

من ناحية أخرى، تحاول الحكومة أيضًا بذل بعض الجهود؛ إذ أعلنت البلاد عزمها إزالة إعلانات جراحات التجميل من مترو العاصمة سول بحلول عام 2022.

لأهداف سياسية.. كوريا الشمالية تزاحم جارتها الجنوبية في صناعة الجمال

تحصل بعض شركات منتجات التجميل الكورية على دعم الحكومة لأنشطتها التسويقية العالمية، لتخرج إلى العالم وتنشر ثقافتها على المستوى الدولي. ويعد هذا جزءًا من استراتيجية الحكومة؛ لتصدير الثقافة الكورية، وبناء النفوذ الدولي فيما يعرف ببسط «القوة الناعمة». وفي إطار العلاقات الدولية، تعني القوة الناعمة استخدام قوة الجاذبية للحصول على سلوك مرغوب فيه. وقد كانت استراتيجية القوة الناعمة هذه حيوية لكوريا الجنوبية لتصبح قوة اقتصادية، عبر جني عشرات المليارات.

وعلى الجانب الآخر من شبه الجزيرة الكورية، حيث تقع جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية، أطول سلالة شيوعية حاكمة تحكم قبضتها على البلاد بقبضة من حديد. تختمر موجة جديدة من المقاومة، مقاومة من أجل استخدام أداة غير متوقعة للحرية، ألا وهي مستحضرات التجميل.

دانبي شابة نشأت تحت الحكم القمعي لكوريا الشمالية، حيث كان يجري منعها وغيرها من النساء من وضع المكياج، أو إطالة شعرهن، أو صبغه بلون مختلف، وعليهم الاختيار من بين مجموعة من تصفيفات الشعر التي تحددها الحكومة، والتي لا يجوز الخروج عنها.

بدأت دانبي في تهريب السلع الأساسية إلى كوريا الشمالية في عمر 14 عامًا، ثم سرعان ما أدركت أن منتجات الجمال والموضة هي الأكثر طلبًا، وكانت مستحضرات التجميل الكورية الجنوبية من بين العناصر الأكثر طلبًا بين نساء الجارة الشمالية.

تلقت دانبي مئات الطلبات من جميع أنحاء كوريا الشمالية، حيث ألقت الموجة الكورية الجنوبية بمياهها على جارتها الشمالية، بما تتضمنه تلك الموجة من الـ«كي-بوب» بما يشمله من فرق الأولاد والبنات الموسيقية، والدراما والأفلام الكورية، ومؤخرًا الـ«كي-بيوتي»، والذين يشكلون معًا الثقافة الشعبية الكورية الجنوبية.

جرى تهريب منتجات الـ«كي-بيوتي» إلى كوريا الشمالية، حيث بدأ الناس هناك يتساءلون لماذا لا نصنع هذه المنتجات بأنفسنا. وفي عام 2018، أعلن كيم جونج أون رئيس البلاد، أن كوريا الشمالية ستدخل عالم مستحضرات التجميل، وسوف تصنع، على حد قوله، أفضل المنتجات في العالم. ولكن لماذا؟

يرى البروفيسور نام سونج ووك، أستاذ الدراسات الكورية الشمالية بجامعة كوريا، أن منتجات الـ«كي-بيوتي» تمثل تهديدًا لنظام الملك جونج أون، وأنه من المهم لكوريا الشمالية أن تمنع دخول هذه المنتجات إلى أراضيها. وبالنسبة للدولتين، أصبح الجمال سلاحًا جديدًا في السباق على السلطة.

أما بالنسبة إلى دانبي وغيرها من بني جنسها، فإن هذه المنتجات تعد أداةً للتغيير. وتعد مثل هذه التغييرات الصغيرة التي يقودها الكوريون الشماليون بوابة أمل نحو تغيير أكبر؛ فقد لا يحرر الجمال كوريا الشمالية، ولكن الفضول حول وسائل التعبير عن الذات يخلق فضولًا حول العالم الخارجي.

لايف ستايل

منذ سنة واحدة
أحدث صيحات عالم التجميل.. تناولي الفيتامينات بدلًا من زيارة الطبيب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد