عبر التاريخ، لم تسلم أية حضارة إنسانية شهدها العالم من الزوال والاندثار، مهما بلغت عظمتها وسيطرتها. عن ذلك يقول المؤرخ أرنولد توينبي في كتابه «دراسة التاريخ»، أن الحضارات الكبرى أسقطت ذاتها بذاتها. ويستشهد في ذلك بالحضارة الرومانية والتي سقطت نتيجة للتوغل المفرط في البلاد، وعوامل التغير البيئي والمناخي. قائلًا: «عادةً ما تحمل الحضارات في طياتها أسباب موتها وفنائها». فما الذي نشهده الآن في الحضارة الحالية قد يكون سببًا في زوالها؟

هل حضارتنا محصنة من الموت؟

«جميع الإمبراطوريات تعد حضارات، والحضارة تُعرف بأنها مجتمع له نفوذ سياسي وعسكري يشمل المنطقة الجغرافية التي يقع فيها، وانهيار الحضارة يشمل عدة مظاهر منها: التراجع الكبير في عدد السكان، وفقدان الهوية، وانتشار الفوضى والاضطرابات، وتداعي الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، إضافةً إلى تفشي العنف»، هكذا أشار تقرير وكالة «BBC» الإخبارية عن «موت الحضارة» في سيناريو يشبه إلى حدٍ كبير أفلام نهاية العالم، وما بعد وقوع الكارثة.

يشير التقرير إلى أن كل الحضارات الانسانية التي شهدها كوكب الأرض قد اندثرت، بداية من الإمبراطورية الرومانية مترامية الأطراف، وصولًا إلى الحضارة الصينية والمصرية القديمة. وهناك حضارات عرفناها مما خلفته وراءها من آثار وأطلال، كما هو الحال في حضارة المايا.

يرى البعض أن حضارتنا الإنسانية الحالية، والتي أصبح فيها العالم قرية صغيرة نظرًا للتقدم التكنولوجي الهائل، وتطور آليات البحث العلمي، «مُحصنة» ضد الزوال، ولا يمكن لها أن تندثر. دون أن يدروا أن حضارتنا قد تكون أكثر تطورًا من حضارات أسلافنا، لكن أسباب الانهيار قد تنبع أحيانًا من رحم هذا التطور، لنشهد خاتمة مختلفة للفناء.

Embed from Getty Images

(التدهور البيئي)

يشير التقرير كذلك إلى دراسة جامعة كامبردج عن المخاطر التي تهدد الوجود البشري، وكيف نستدل من ظهور الحضارات القديمة وزوالها على مصير مجتمعاتنا الحديثة، خاصةً مع النظام الاقتصادي العالمي الحالي، والذي قد يشهد انهيارًا أكثر انتشارًا من ذي قبل. ومن رحم العوامل التي قادت الأمم السابقة للانهيار، عكف المؤرخين وعلماء الإنسانيات على رصد بعض التكهنات التي قد تؤدي إلى زوال الحضارة الحالية.

كان التغير المناخي هو أحد هذه العوامل، والذي كان له دور هام في زوال أكثر من حضارة، منها الحضارة الأكدية وحضارة المايا، وذلك لما ينتج عنه من التصحر والجفاف، واختفاء بعض المحاصيل، ونذكر أن سقوط الإمبراطورية الرومانية قد تزامن مع تغيرات مناخية مفاجئة، تمثلت في موجات الجفاف.

كان العامل الثاني هو التدهور البيئي، الناتج عن تلوث مصادر المياه، وقطع الأشجار، وتدهور التربة؛ ويشير العلماء إلى أن النتيجة المحتومة لمثل هذه السلوكيات تتمثل في نقص الموارد الأساسية للحياة، وبالتالي يفوق الاستهلاك البشري أضعاف قدرة الكوكب على العطاء، مما قد يتسبب في المجاعات. أما عن العوامل الأخرى فقد تمثلت في التزايد السكاني وموجات العنف السياسي والبيروقراطية. هذا إلى جانب التحليلات التي شملت انهيار حضارات بسبب كثرة الحروب والنزاعات والكوارث الطبيعية والأوبئة.

عندما تعجز المجتمعات عن مواجهة التحديات والضغوط الكثيرة التي تحيط بها، تنهار الحضارات وتزول. يشير التقرير في نهايته إلى ما نواجهه اليوم من انتشار الأسلحة النووية والبيولوجية وتراجع عائدات الطاقة المستمرة، ونضوب الكثير من الحقول الغنية بالنفط والغاز الطبيعي، كل هذا يشكل في حد ذاته قنبلة موقوتة، قد تؤدي في النهاية إلى زوال البشرية، أو على أقل تقدير العودة إلى العصر الحجري.

«القيامة».. تكهنات زوال الحضارة عام 2050

في بدايات القرن التاسع عشر، أصبح هناك نوع جديد من الأدب، يتناول نهاية العالم وما بعدها، وقد تنبأ بشتى السيناريوهات التي قد تتناول «القيامة»، بدايةً من الحرب النووية، ووصولًا إلى وقوع كارثة أو مجاعات وأوبئة أو هجوم فضائي. وتشير الأبحاث والتقارير الأخيرة إلى أن هذه السيناريوهات الخيالية قد تتحقق اليوم.

«ينتهي العام كما نعرفه في غضون ثلاثة عقود»، هكذا حذر مركز الأبحاث الاسترالي المستقل «Breakthrough»، في ورقةٍ بحثية تناولت تطورات «التغير المناخي» وتأثيره على كوكب الأرض، مما قد يؤدي إلى زوال الحضارة الحالية. يشير التقرير إلى أن هناك حاجة ماسة لاتخاذ الإجراءات اللازمة، كما في حالات الحرب، وذلك لتجنب أسوأ العواقب. أن نشاهد «يوم القيامة» على حياة أعيننا.

Embed from Getty Images

(الاحتباس الحراري)

يعد الاحتباس الحراري الناجم عن الحرب النووية هو أكبر تهديد لحياة الإنسان على كوكب الأرض. يشير الباحثون إلى أنه بحلول عام 2050؛ سيواجه نصف سكان العالم درجات حرارة قاتلة، تستمر موجاتها أكثر من 20 يومًا، وينتج عنها انخفاض غلات المحاصيل إلى الخمس. وفي الصيف سنشهد قطبًا شماليًا خاليًا من الجليد. هذا التغير البيئي الذي سينتج عنه دمار هائل، «يتجاوز قدرتنا على التكيف»، بحسب الباحثين، وأبسط ما يمكن أن نواجهه، هو زوال الحضارة الإنسانية الحالية.

أن يكون هناك أكثر من مليار مهاجر بحلول عام 2050، بفعل التغيرات المناخية التي يواجهها كوكب الأرض. هذا هو الخطر الذي تحذر منه الورقة البحثية. وهو رقم مفزع، يتجاوز كل التقديرات التي أعدتها وكالات الأبحاث الحكومية الأخرى، والتي تكهنت بعدد 140 مليون مهاجر. يقول الباحث ديفيد سبرات، أحد المساهمين في الورقة: «ما لم نغير الطريقة التي يدار بها الكوكب في خلال 30 عامًا القادمة، قد نترك وراءنا أكثر من مليارِ فرد من الفقراء المستضعفين، ليس لديهم خيار سوى الفرار أو الموت».

(فيلم تسجيلي يوضح طريقة عمل البرنامج الحوسبي)

لم يكن تقرير «مركز الأبحاث الأسترالي» وحده ما تكهن بنهاية العالم الذي نعرفه، ففي عام 1973، قبل أن نشهد هذا الانفجار السكاني المهول، توقع أحد برامج الحوسبة ويدعى «World1»، انهيار الحضارة الإنسانية عام 2040. صمم البرنامج أحد علماء «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، جاي فورستر، وقد دعم برنامجه بالكثير من البيانات عن ماضي وحاضر كوكب الأرض مثل عدد السكان ونسبة التلوث ومقدار استهلاك الموارد الطبيعية لقرونٍ من الزمان، وذلك من أجل الوصول إلى بعض التكهنات الخاصة بمستقبل الكوكب، وما الذي سيحدث له خلال 150 عامًا قادمة.

قدمت التوقعات صورة قاتمة للإنسانية؛ إذ أشار البرنامج إلى أن الحضارة قد بلغت ذروتها عام 1940، وبحلول عام 2040، سنشهد زوالها. وقد بثت «هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC)» فيلمًا تسجيليًا، يشرح طريقة عمل البرنامج، ويعرض بعض التنبؤات للعقود القادمة، وقد شمل الأمر بعض الرسوم البيانية التي توضح انحدار مستوى المعيشة منذ عام 1940، وصولًا إلى 2040.

أوّلهم الرئيس الأمريكي ترامب.. لماذا يعتبر البعض تغير المناخ مؤامرةً؟

الانقراض السادس على الأبواب

يقول الشاعر لوران غاسبار: «هناك في نهاية العالم.. شموس»، إلا أن تلك النظرة الرومانسية لا تتفق مع الأبحاث العلمية الأخيرة، والتي تشير إلى أنه بيد الإنسان نفسه ستأتي الموجة الانقراضية السادسة، بلا شموس أو براكين أو نيازك. وإذا كانت الأبحاث التي تتكهن بزوال الحضارة الإنسانية خلال القرن الحالي مفزعة، فإنها تظل أقل سوداوية من تلك التي تشير إلى أن ربع الكائنات الحية الحالية مهددة بالاندثار.

في كتابها «الانقراض السادس: تاريخ لا طبيعي»، تحلل الكاتبة الأمريكية إليزابيث كولبرت، ظاهرة «التغير المناخي» والذي هو صنيعة الإنسان، وتأثيراته على موجة «الانقراض الجماعي السادسة»، بحسب علماء البيولوجيا. والذي يشمل ما نشهده الآن من تقلص أعداد النباتات والحيوانات، مما يهدد حياة الكائنات الحية على وجه الأرض.

تشير كولبرت إلى أن التلوث البشري والنفايات التي نطلقها في الغلاف الجوي، يصدر عنها كميات كبيرة من الطاقة الحرارية، كل 24 ساعة، تعادل تلك الناجمة عن انفجار القنابل النووية مثل هيروشيما. وينتج عن تلك الطاقة امتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، مما يخل بالتوازن البيئي لكوكب الأرض، «إننا نعرض وجودنا ذاته للخطر»، بحسب كولبرت، إن لم نكف عن تلك السلوكيات التي تدمر الكرة الأرضية.

Embed from Getty Images

(خطر الانقراض يحدق بالبشرية)

تضيف كولبرت أن المحاصيل الرئيسية مثل الذرة والقمح والأرز تتعرض إلى مخاطر جمة نتيجة إلى الامتصاص الزائد للطاقة الحرارية، هذا إضافةً إلى انهيار الغطاء الجليدي للكرة الأرضية، من خلال ذوبان الجليد في القطب الشمالي، ومنطقة جرينلاند، مما قد يؤدي في النهاية إلى ارتفاع منسوب البحار والمحيطات، وغرق مدن ساحلية بأكملها.

وفقًا للكثير من باحثين البيولوجيا، مرت الأرض بخمسة انقراضات كبرى سابقة، كانت تفصل بينهما ملايين السنوات، وقد محا أصغرها أكثر من 50% من الكائنات الحية. كان آخرها انقراض العصر الطباشيري الثلاثي، بحسب مجلة «Scientific American»، الذي ترك لنا أحافير أطلق عليها فيما بعد «الديناصورات». تشير المجلة إلى أن المستقبل قد يشمل انقراضًا كبيرًا سادسًا. لم يعرف العلماء على وجه الدقة أسباب الانقراضات الخمسة الفائتة، إلا أن الانقراض الأخير سببه معروف للجميع، وهي «انتهاكات» الإنسان للنظام البيئي.

تشير المجلة إلى دراسة «بلوس بيولوجي» التي نُشرت في مارس (آذار) من العام الحالي. إذ أرجعت تقلص المناطق التي تزدهر فيها الأنواع إلى ما يقوم به الإنسان من أعمال رعي وتجريف للأراضي، وغيرها من الأنشطة البشرية المدمرة التي أدت إلى فقدان التنوع البيولوجي. على سبيل المثال، كان للصيد والزراعة والأنشطة الصناعية تأثيرات بالغة السوء على حياة العديد من الأنواع الحية مثل الطيور والثدييات والبرمائيات، مما أثر على 5457 نوعًا، ربع تلك الأنواع تقريبًا أصبح يواجه خطر الانقراض، إن لم يحدث تدخل لإنقاذهم.

يقوم الإنسان تدريجيًا بالاستحواذ على أوطان تلك الكائنات الحية. يطردها من بيئتها الأصلية، ليكون هو مجتمعاته. غالبًا ما تكون النتيجة؛ هجرة تلك الأنواع إلى أراض أخرى. بعضهم يموت خلال موجات الهجرة الجماعية، والبعض الآخر يفشل في التأقلم مع البيئة الجديدة. في النهاية، تتدمر تلك الأنواع وتنخفض أعدادها بنسبٍ كبيرة. وكلما غزا الإنسان بيئات جديدة، انخفضت أعداد الكائنات الحية فيها، حتى واجهت العديد من الأنواع خطر الفناء.

تقول الدراسة إن هناك سبلًا يمكن اتباعها لحفظ تلك الأنواع المهددة بالانقراض، وذلك من خلال الكف عن الممارسات البشرية المدمرة، وتوسيع رقعة المحميات الطبيعية، لإعطاء تلك الكائنات فرصة العيش والتكاثر من جديد. كان من ضمن تلك السبل، التوقف عن الصيدِ من أجل المتعة الذاتية أو الطعام، وتوقف الغزو البشري للبيئات الطبيعية وتجريف الأراضي.

يشير العلماء في دراسةٍ أخرى، إلى أن هناك العديد من الأنواع قد أبيدت بيولوجيًا في العقود الأخيرة، وهو ما يشير إلى أن الأرض تشهد الآن موجة الانقراض الجماعي السادسة؛ إذ انقرضت الأنواع بوتيرة أسرع بكثير من ملايين السنوات السابقة، وفقد 80% منهم مواردهم الأصلية، وهو ما قد يؤثر بالسلب على حياة البشر أنفسهم، فالمستقبل قد يحمل لنا حياة مهددة بالانقراض، نتيجة للخلل البيئي، وتصبح نهايتنا على الأرض أشبه بالديناصورات.

الفيروسات المنقرضة قد تعود لتهاجمنا.. ماذا سيحدث لنا بعد ذوبان جليد القطب الشمالي؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد