بالرغم من قوة التحشيد لها، لم تكن التظاهرة التي دعا إليها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر بالقوة والعدد اللذين كانا يُنتظر لهما أن يبهرا المجتمع العراقي على الأقل، فضلًا عن المجتمع الدولي، الذي يترقب منذ أسبوع تظاهرة «مليونية» تسير حشودها بالأكفان من أجل إخراج القوات الأمريكية من العراق، وعلى الجانب الآخر كانت هناك مظاهرات الفقراء، والعاطلين، والمحرومين، التي يطلق عليها تظاهرات «ولد الخايبة».

تظاهرة للطرف الثالث

من إيران التي يقيم فيها منذ أشهر، دعا مقتدى الصدر إلى تظاهرة مليونية لإخراج القوات الأمريكية، وتأتي دعوته هذه بعد اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني ونائب قائد الحشد الشعبي أبي مهدي المهندس في غارة أمريكية قرب مطار بغداد الدولي.

دعوة الصدر تلقفتها الأحزاب الإسلامية «الشيعية» وأذرعها المسلحة من المليشيات الموالية لطهران، وروجت لها عبر قنواتها الإعلامية (أكثر من 70 قناة فضائية) كما أنَّ قادة المليشيات المسلحة التي تُعرف بخصومتها مع مقتدى الصدر لبت دعوة الأخير ودعت أتباعها للمشاركة في المليونية المنتظرة.

التظاهرة التي دعا إليها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر

مع ساعات الصباح الأولى انطلقت القنوات المحسوبة على السلطة – التي بدورها محسوبة على المحور الإيراني – ببث تغطيات خاصة عن توافد المتظاهرين الذين يرتدون الأكفان في شوارع بغداد ويحملون صورًا ولافتات تندد بالوجود الأمريكي وتدعو إلى خروج الولايات المتحدة بأسرع وقت من العراق، وإلا فإنَّ «الجهاد» طريق وطريقة لاستعادة سيادة العراق بالنسبة للخارجين في مليونية الصدر.

«نعم نعم سيادة.. نعم نعم مقاومة.. كلا كلا أمريكا.. كلا كلا للمحتل»، شعارات رددها أتباع الصدر في منطقة الجادرية، بعيدًا عن ساحة التحرير التي تشهد تظاهرات أخرى منذ ثلاثة أشهر، والآخرون «الخصوم» في ظاهرة لم تحدث من قبل، فالصدر الذي طالما هاجم مليشيات بعينها أمثال عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وكان يصفها بالمليشيات الوقحة، وجد تأييدًا من تلك المليشيات التي زجت بأنصارها في مليونية الصدر، وكذلك مليشيا منظمة بدر وكتائب «حزب الله العراقية» و«حزب الدعوة» بزعامة نوري المالكي، وبقية المليشيات والأحزاب الإسلامية الشيعية، التي فرقتها السياسة وجمعها مقتل قاسم سليماني.

أتباع مقتدى الصدر والمليشيات يرفعون شعارات منددة بالولايات المتحدة الأمريكية

عمار الخزرجي، ناشط في تظاهرات ساحة التحرير، لم يشارك في مليونية الصدر، ولا يعترف بانتمائها للعراق، يقول: «من يريد استرجاع السيادة فليأت إلى ساحة التحرير، نحن نتظاهر ونقتل منذ ثلاثة أشهر، لماذا لم يشارك الذين لبسوا أكفانهم اليوم معنا؟ لماذا لم يجوعوا مثلما جعنا؟ ويعتصموا مثلنا؟ العراق الحقيقي هو في ساحة التحرير وساحة الخلاني وعلى طريق محمد القاسم وفي ساحة الحبوبي بالنصارية وفي كربلاء والنجف والبصرة والديوانية، من خرج في الجادرية اليوم خرج من أجل السيد، وليس من أجل العراق».

سياسة

منذ سنة واحدة
«جعجعة بغير طحين».. لماذا تفشل الأحزاب السياسية العراقية في كسب ثقة المواطن؟

الخزرجي يضيف لـ«ساسة بوست» متندرًا على مليونية الصدر: «تخيل أن تظاهرة يؤيدها هادي العامري، ونوري المالكي، وفالح الفياض، وقيس الخزعلي، هل ستكون من أجل العراق؟ الذيول كلهم تجمعوا اليوم ليؤكدوا على تبعيتهم لإيران، والحكومة التي تقتلنا منذ أكثر من 100 يوم توفر لهم الباصات والحماية ليهتفوا ساعتين، ثم يعودوا إلى بيوتهم».

مليونية مقتدى الصدر

لماذا لا يأتي مقتدى الصدر إلى بغداد ويشارك أنصاره واتباع الطرف الثالث في مليونيتهم المضحكة؟ يسأل عمار ثم يجيب: «لأنَّه تحت الإقامة الجبرية في الأرجنتين» ويضحك. في العراق صارت كلمة الأرجنتين دلالة ساخرة وكناية عن إيران، التي تنطلق منها عمليات تهريب المخدرات إلى العراق، لكنه وبالرغم من ذلك يقول رئيس الوزراء العراقي المستقيل عادل عبد المهدي: «إنَّ المخدرات تأتي من الأرجنتين».

سياسة

منذ 4 سنوات
ماذا نعرف عن نشاط إيران و«حزب الله» في أمريكا اللاتينية؟

تظاهرات «ولد الخايبة»

على ضفة العراق الأخرى، هنالك تظاهرات مستمرة وقد دخلت شهرها الرابع بحصيلة ثقيلة من الموت والصبر والحزن يطلق عليها تظاهرات «ولد الخايبة»، أكثر من 660 قتيلًا و24 ألف و488 جريحًا و2806 معتقلين، منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ولغاية 31 ديسمبر (كانون الأول) 2019، وما يزال القتل والاعتقال والقمع سمة هذه التظاهرات التي تطالب بإصلاحات حقيقية للنظام السياسي العراقي القائم على المحاصصة الطائفية والحزبية.

اعتصام ساحة التحرير المستمر منذ ثلاثة أشهر في بغداد

في الوقت الذي توفر قوات الأمن الحماية لمتظاهري مليونية الصدر، تقتل القوات نفسها المتظاهرين على طريق محمد القاسم الذي لا يبعد عن الجادرية (حيث تظاهرات الصدر) سوى بضع كيلومترات، وبحسب مصدر خاص في مكتب وزير الداخلية لـ«ساسة بوست» (رفض الكشف عن هويته) فإن يوم أمس وفي بغداد وحدها قتلت قوات الأمن أربعة متظاهرين في مناطق متفرقة من بغداد.

أما في مدن الجنوب: النجف وكربلاء والناصرية والمثنى والبصرة، فما تزال حملة القمع على أشدها ضد المتظاهرين الذين تتهمهم السلطة والمليشيات بتنفيذ أجندات أجنبية وتلقي أموالًا من سفارات الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الخليج.

متظاهرون يقطعون الطريق احتجاجًا على سياسات السلطة، النجف

وفي أقصى جنوب العراق، خرج المتظاهرون في حشود كبيرة لدعم تظاهرات ساحة التحرير في بغداد ردًا على خروج مليونية الصدر، وفي البصرة منح المحتجون المحافظ أسعد العيداني مهلة مدتها 48 ساعة لتقديم استقالته بعد موجة الاغتيالات ضد نشطاء التظاهرات، وجدير بالذكر أنَّ العيداني يعد أبزر المرشحين لرئاسة الوزراء خلفًا لعادل عبد المهدي، لكن المتظاهرون في جميع المدن العراقية أبدوا رفضهم القاطع له.

مرجعية النجف.. أي التظاهرات تؤيد؟

واضح منذ بداية التظاهرات موقف مرجعية النجف المتمثلة بالمرجع الديني الأعلى لدى الشيعة علي السيستاني، المتضامن والمؤيد للحراك الشعبي العراقي، وهذا الموقف جزء من ملامح الصراع الطويل مع مرجعية قم المتمثلة بالمرشد الإيراني علي خامنئي، ففي كل مرة تضغط فيها إيران على أتباعها (سلطةً ومليشيات) من أجل قمع وإخماد التظاهرات العراقية، تأتي النجف لضخ الغضب مرة أخرى في دماء المتظاهرين ضد السلطة والمليشيات الموالية لإيران، ومن يتتبع خطب الجمعة على لسان خطيبها أحمد الصافي النجفي يجد أن مرجعية النجف من أهم أسباب ديمومة الحراك الشعبي، بالرغم من القمع الكبير من قبل السلطة.

متظاهرون عراقيون يرفعون صور المرجع الديني علي السيستاني في مدينة الناصرية

النجف إذًا تقف مع تظاهرات «ولد الخايبة» على حساب مليونية الصدر التي استمرت لساعتين فقط ثم ألقى المشاركون فيها لافتاتهم في حاويات النفايات، إذ قالت المرجعية: إنَّ «للمواطنين كامل الحرية في التعبير عن توجهاتهم والمطالبة بما يجدونه ضروريًا لصيانة السيادة الوطنية بعيدًا عن الإملاءات الخارجية».

«تشكيل الحكومة الجديدة قد تأخر طويلًا عن المدة المحددة لها دستوريًا، فمن الضروري أن يتعاون مختلف الأطراف المعنية لإنهاء هذا الملف وفق الأسس التي أشير إليها من قبل، فإنّه خطوة مهمة في طريق حلّ الأزمة الراهنة».

كما أكدت على «ضرورة تنفيذ الإصلاحات الحقيقية التي طالما طالب بها الشعب وقدم في سبيل تحقيقها الكثير من التضحيات» وترى أن «المماطلة والتسويف في هذا الأمر لن يؤدي إلا الى مزيد من معاناة المواطنين وإطالة أمد عدم الاستقرار الأمني والسياسي في البلد».

عرض التعليقات
تحميل المزيد