كشف موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، في تقرير خاص وحصري، عن العرض الذي سيقدمه الرئيس الفلسطيني محمود عباس للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال لقائهما المتوقع الثلاثاء في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ونظرًا لأهمية التقرير، قامت عربي21، بترجمة خاصة له، ونشره كاملًا هنا:

بإمكان ميدل إيست آي الكشف عن أنه خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الضفة الغربية يوم الثلاثاء، سوف يعرض رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خطة تتضمن تخلي الفلسطينيين عن 6.5 بالمائة من أراضيهم لإسرائيل، أي ما مساحته ثلاثة أضعاف ما كان معروضا في السابق.

يستثني العرض القدس، إلا أنه فيما يبدو يكرس رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت لتسوية سلمية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وذلك بحسب ما صرح به لموقع ميدل إيست آي مسؤول فلسطيني مقرب من منظمة التحرير الفلسطينية.

وحسبما أخبر به المصدر موقع ميدل إيست آي، فإن «الجانب الفلسطيني سيعرض أثناء الاجتماع مع ترامب رؤية جديدة مخالفة لرؤية الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني. وهي رؤية تقوم على تبادل مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية».

وأضاف المصدر: «كانت النقاشات السابقة بشأن التسوية الفلسطينية الإسرائيلية تدور حول تبادل 1.9 بالمائة فقط من الأراضي، ولكننا الآن نتحدث عن ثلاثة أضعاف تلك المساحة».

يقال إن محمود عباس كان خلال محادثات السلام الفاشلة في عام 2008 قد رفض عرضًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بانسحاب شبه كامل من الضفة الغربية، وهو العرض الذي اقترح فيه أن تحتفظ إسرائيل بما يقرب من 6.3 بالمائة من الأراضي؛ حتى يتسنى لها التحكم في المستوطنات اليهودية الكبيرة، وذلك حسبما أوردته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في تقرير لها نشرته في عام 2015.

وكان عباس قد التقى ترامب في واشنطن في مطلع شهر مايو (أيار) في أول لقاء بينهما وجهًا لوجه. وحسبما نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، فقد حث عباس الرئيس ترامب حينها على إعادة بدء محادثات السلام انطلاقًا من العرض الذي تقدم به في عام 2008 رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك إيهود أولمرت.

تأتي هذه الأخبار، بينما يقوم ترامب بأول رحلة خارجية له من المقرر أن يتوقف خلالها في كل من إسرائيل وفلسطين، بعد زيارته إلى المملكة العربية السعودية. كما أنه من المقرر أن يجتمع له في الرياض زعماء العرب في دول المنطقة إلى جانب أعضاء من العائلة السعودية الحاكمة، ويتوقع أن يعرض للمرة الأولى تفاصيل عن رؤيته للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال مؤتمر صحفي يعقده في القدس.

وبحسب مصدر في وزارة الخارجية الفلسطينية، فقد كانت محادثات عام 2008 قد فشلت؛ لأن الوفد الفلسطيني المشارك فيها لم يوافق سوى على تبادل نسبة ضئيلة من الأراضي الفلسطينية مع الإسرائيليين.

يقول هذا المصدر في وزارة الخارجية الفلسطينية: «لم نلبث نناقش مسألة تبادل الأراضي هذه منذ المفاوضات التي أجريناها مع أولمرت. ولكن في محادثات السلام التي جرت في عام 2008، لم يوافق الفلسطينيون على تبادل أكثر من 1 إلى 2 في المائة من الأراضي الفلسطينية، بينما كان أولمرت يلح علينا بالموافقة على تبادل ما يقرب من 6.5 بالمائة من الأراضي».

وحسبما أوردته صحيفة تايمز أوف إسرائيل، فقد كان أولمرت قد عرض تعويض الفلسطينيين بأراض إسرائيلية تعادل ما مساحته 5.8 بالمائة من أراضي الضفة الغربية، بالإضافة إلى طريق يربط الضفة بقطاع غزة الذي كان من المفروض أن يشكل جزءا آخر من الدولة الفلسطينية. وتضمن العرض – الذي رفضه الفلسطينيون آنذاك – وضع المدينة القديمة في القدس تحت السيطرة الدولية.

إلا أن القدس – المسألة الأصعب والقضية التي كانت دومًا مثار خلاف في المحادثات السابقة – لا يرد ذكرها هذه المرة في العرض الذي ينوي عباس طرحه في محادثاته مع ترامب خلال زيارته إلى الضفة الغربية، حسبما صرح به لموقع ميدل إيست آي المسؤول الفلسطيني المقرب من منظمة التحرير الفلسطينية.

يريد الفلسطينيون أن تكون القدس الشرقية – التي احتلتها إسرائيل إلى جانب الضفة الغربية وقطاع غزة في عام 1967 – عاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة، إلا أن إسرائيل، التي ما لبثت بعد ذلك أن ضمت القدس الشرقية، أعلنت بشكل أحادي منذ عام 1980 أن القدس الموحدة هي عاصمتها، ولكن لم يعترف المجتمع الدولي بأي من الخطوات التي اتخذتها إسرائيل في هذا المجال.

وكان ترامب قد تعهد أثناء حملته الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، الأمر الذي زاد من تعقيد المباحثات حول وضع القدس فيما لو تم حل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. وبعد تنصيبه رسميًا، حذره عباس من أن نقل السفارة ستكون له «آثار كارثية على عملية السلام، وعلى حل الدولتين وعلى الاستقرار والأمن في المنطقة بأسرها».

عملية السلام



سعى الفلسطينيون إلى التوصل إلى تسوية عبر التفاوض من شأنها أن تحقق لهم الشروط التي نصت عليها مبادرة السلام العربية التي تبنتها جامعة الدولة العربية في عام 2002، والتي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية والقدس الشرقية.

إلا أن بعض أعضاء القيادة الفلسطينية يعتقدون بأن زيارة ترامب لن تحرك ساكنًا في هذا الشأن، ولن يتمخض عنها تحريك المياه الراكدة.

في تصريح لموقع ميدل إيست آي، يقول عوني المشني، وهو عضو في حركة فتح: «القضية لا تتعلق بترامب أو أوباما أو أبي مازن، وإنما تتعلق بكون إسرائيل لا ترغب في الانسحاب من الضفة الغربية، ولا من غزة، ولا تريد إنهاء الاحتلال».

ويبين المشني أنه بغض النظر عن التفاصيل التي يشتمل عليها هذا العرض الجديد، فإن أية مبادرة للانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة سوف تفشل في نهاية المطاف؛ لأن القيادة الإسرائيلية رفضت القيام بهذه الخطوة.

ويضيف المشني: «لن يسمح المناخ السياسي الحالي بالتوصل إلى أي حل. فالحكومة الإسرائيلية أكثر تطرفا من أي وقت مضى ولن تتجاوب مع أي مبادرة».

أثناء خطاب هام ألقاه في ديسمبر (كانون الأول) 2016 حول سياسة الإدارة الأمريكية، وجه وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري نقدًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ناعتًا حكومته الائتلافية بأنها «الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل».

فبالرغم من أن نتنياهو كان قد أعلن عن التزامه بحل الدولتين، إلا أن المراقبين الدوليين، بمن فيهم كيري، لاحظوا أن أجندة الحكومة الإسرائيلية تبدو متجهة نحو ترسيخ حل الدولة الواحدة بهدف إقامة «إسرائيل الكبرى».

وكانت تصريحات كيري قد صدرت عنه في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تنشئ تجمعات استيطانية جديدة داخل الضفة الغربية متحدية بذلك قرار مجلس الأمن الذي صدر في ديسمبر (كانن الأول) 2016.

وتعليقًا على زيارة ترامب إلى فلسطين، قال الصحفي والمحلل السياسي المقدسي راسم عبيدات، في تصريح لموقع ميدل إيست آي: إنه لا يعلق كبير أمل على زيارة ترامب، ولا يتوقع أن يتمكن من الدفع باتجاه تسوية ترضي الفلسطينيين، معربًا عن قناعته بأن المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة أصبحت أكثر تداخلًا الآن منها في أي وقت مضى.

وقال عبيدات: «إذا ما تأملنا في الاجتماع الذي جرى بين ترامب ونتنياهو في وقت مبكر من هذا العام، فلن نجد أي نقاش لحل الدولتين، وهذا بالضبط هو ما يهدف إلى تحقيقه نتنياهو، أي إنهاء الحديث عن هذا الموضوع تمامًا».

بات هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية مرتبكًا ويسوده الغموض بعد أن قال ترامب أثناء زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض في الخامس عشر من فبراير (شباط) إنه بينما يعرب عن التزامه بصفقة سلام عظيمة حقًا، إلا أنه لا يلزم نفسه بحل الدولتين، ولا بمعارضة الدولة الواحدة كحل للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

في الوقت ذاته، أعرب عدد من الزعماء الفلسطينيين عن قناعتهم بأن تبني عباس لمقاربة الرجل الواحد وتصرفه بشكل فردي قد نأت به عن الشعب الفلسطيني، ولم يعد بذلك ممثلًا للشعب الفلسطيني.

قال عبيدات في تصريحه لموقع ميدل إيست آي: «تخوض السلطة الفلسطينية أزمة داخلية، وتعاني من تدني مستويات الثقة بها في أوساط الشعب الفلسطيني، والشيء الوحيد الذي يبقيها على قيد الحياة هو أنها تدفع رواتب عشرات الآلاف من الموظفين».

وحسبما يرى عضو حركة فتح المشني، فإن تآكل الصفة التمثيلية ستفقد الأهمية لأي تحرك يقوم به عباس.

وقال في تصريح لموقع ميدل إيست آي: «أشك في أن أبا مازن سيوافق على تسوية، وحتى لو فعلها، فإن الشعب الفلسطيني لن يتخلى عن القدس، ولن يوافق على استمرار الاحتلال».

 

الائتلاف العربي

بدلًا عن التوصل إلى تسوية بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يعتقد كثير من المراقبين أن الموضوع الذي يتربع على رأس أولويات برنامج عمل زيارة ترامب إلى المنطقة هو تشكيل ائتلاف عربي للمساعدة في تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجيرانها.

يقول المسؤول الفلسطيني: «لقد جاء ترامب بخطة تتعلق بالمنطقة بأسرها، الهدف منها هو تطبيع العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين من جهة وبين الإسرائيليين وبقية العرب من جهة أخرى. إن الهدف الرئيس من الزيارة هو تشكيل ائتلاف عربي تقوده المملكة العربية السعودية لمحاربة إيران وسوريا وحزب الله».

وبحسب ما ورد في تقارير نشرت الأسبوع الماضي، تقدم عدد من دول الخليج بعروض لتطبيع العلاقات مع إسرائيل فيما لو اتخذت الأخيرة خطوات من شأنها استئناف محادثات السلام مع الفلسطينيين.

فقد ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن العديد من دول الخليج أعربت لإسرائيل عن استعدادها لإقامة خطوط اتصالات هاتفية معها، ولفتح الباب أمام المفاوضات التجارية معها، وللسماح لطائراتها بالتحليق في مجالها الجوي.

في المقابل يتوجب على إسرائيل تجميد بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وتخفيف القيود المفروضة على قطاع غزة.

وقالت الصحيفة: إن المقترحات المتعلقة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل وردت في ورقة نقاش غير منشورة جرى تبادلها بين عدد من الدول العربية، وحصلت الصحيفة على نسخة منها.

كان الهدف من هذه الورقة، حسبما بينت الصحيفة، هو إظهار التزام دول الخليج بتأييد ومساندة السياسة الخارجية للرئيس ترامب الذي كان قد أكد على رغبته في العمل مع الدول العربية لإبرام اتفاق سلام في الشرق الأوسط.

تواصل موقع ميدل إيست آي مع الوزير الفلسطيني المكلف بالمجلس الفلسطيني الاقتصادي للتنمية وإعادة الإعمار (بيكدار) وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمد شتية، لكنه رفض التعليق على الموضوع.

وفي هذا السياق يقول الصحفي والمحلل السياسي عبيدات: إن إسرائيل وترامب بإمكانهما استخدام هذا الائتلاف «للضغط على القيادة الفلسطينية حتى تقبل بتسوية لا تتضمن حل الدولتين».

يوافقه في ذلك المشني، الذي يقول: «تعتقد حكومات عربية عديدة بأن القضية الفلسطينية باتت عقبة في طريق تشكل مثل هذا الائتلاف، ولذلك تسعى الأقطار العربية جاهدة لإيجاد سبيل يمكنها من الالتفاف حول الموضوع».

إلا أن المشني مضى يقول، مؤكدًا في ذلك ما يمكن أن يعتبر موقف الأغلبية العظمى من الفلسطينيين: «حتى لو وافق عباس على التنازل عن القدس فلن يتمكن أحد من فرض أي شيء على الشعب الفلسطيني، ولن يسمح الشعب الفلسطيني بحصول ذلك».

وأما المسؤول الفلسطيني الذي تحدث لموقع ميدل إيست آي، فقد قال: «يخوض عباس معركة خاسرة. كل ما يأمله هو ألا يلتزم بشيء أمام ترامب».

هذا المحتوى منقول عن عربي 21.

عرض التعليقات
تحميل المزيد