لم تكن هذه الزيارة الأولى لخادم الحرمين إلى تركيا، حيث سبقها لقاءات مع الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان« على مستويات أمنية عالية، أسفرت عن رؤية إستراتيجية مشتركة فيما يتعلق بقضايا وأزمات المنطقة.

انتهت زيارة العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، إلى تركيا، والتي استمرت بضعة أيام، ولم تنته تداعياتها السياسية بعد، لا سيما وأنها تأتي في ظل أزمات وتقلبات تعصف بالمنطقة العربية منذ بضع سنوات.

أخذت الزيارة زخمًا إعلاميًا، وأبعادًا مختلفة، ووضعت سيناريوهات لما ستفزره المباحثات الثنائية بين الدولتين اللتين عاشتا تطورات غير مسبوقة في العلاقات مؤخرًا، لا سيما في المجالين الاقتصادي والعسكري. لم يكن اللقاءُ الأولَ بين العاهل السعودي والرئيس التركي، إذ سبقه آخر، أسفر عن رؤية إستراتيجية مُشتركة بينهما، في ما يتعلق بقضايا وأزمات المنطقة.

توقيت الزيارة ودلالاتها، وأبعادها المقبلة، فضلًا عن حقيقة التحالف الإستراتيجي بينهما، هي أبرز التساؤلات التي عرضها «ساسة بوست« على أنور عشقي، ضابط المُخابرات السعودية السابق، والمُستشار السابق لمجلس الوزراء السعودي، وأسعد فرات، الباحث التركي في السياسة والعلاقات الدولية.

دلالات التوقيت

قبل الإجابة عن التساؤلات، لا بد من الإشارة إلى المباحثات بين تركيا والسعودية، أواخر العام الماضي، وما نتج عنه من تشكيل مجلس تعاون إستراتيجي، يضم 34 دولة، من شأنه التعامل مع القضايا الأمنية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة.

استهدف المجلس وقتها إيجادَ نقلة نوعية في العلاقات بين البلدين، وهو ما تم التأسيس له خلال الزيارة الأخيرة، حيث تم توقيع وثيقة تفاهم لتعزيز العلاقات الثنائية، بعد الجلسة الافتتاحية للقمّة الـ13 لمنظمة التعاون الإسلامي، التي انطلقت أعمالها الأسبوع الماضي في تركيا.

وفيما يتعلق بتوقيت الزيارة الأخيرة للعاهل السعودي إلى تركيا، اتفق كل من عشقي وفرات على أهميتها، وإن بدت مرهونة باجتماع قمة مجلس التعاون الإسلامي، بخاصة وأن سلمان بن عبد العزيز سبق المؤتمر بزيارة إلى أنقرة، خاصة للقاء أردوغان، لمناقشة العلاقات الثنائية.

وخلال حديثهما الخاص مع «ساسة بوست»، اتفق عشقي وفرات على أنّ الزيارة تأتي في سياق التأكيد على التقارب بين السعودية وتركيا، الذي مهّد له، ثُمّ عززه، وصول سلمان بن عبد العزيز إلى سدة الحكم، يُضاف إلى ذلك كون الزيارة جاءت عقب أخرى للعاهل السعودي إلى مصر، أسفرت عن إعادة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، لتتنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية.

رسالة الشراكة بين السعودية وتركيا، والثقل الاقتصادي والسياسي لكلتا الدولتين، كانت حاضرة في اللقاء، بحسب أنور عشقي، الذي أضاف أنهما رسالتان تستندان على الرؤية المشتركة للدولتين.

وفي النقطة هذه تحديدًا، تعاطت بعض وسائل الإعلام بشكل مختلف، مع توقيت الزيارة ودلالتها، مُشيرة إلى خفايا التقارب السياسي بين السعودية وتركيا، وتأثيره على التوازنات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط.

ورُبطت الزيارة بثلاثة محاور رئيسية، تمثل الرؤية المشتركة بين الدولتين، تعلقت الأولى بالصراع السوري؛ فمن المتعارف عليه أن كلًا من تركيا والسعودية، متمسكتان بخيار رحيل بشار الأسد، باعتباره حلًّا أوّليًّا للقضية السورية.

الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بصحبة العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز

النفوذ الإيراني في المنطقة هو المحور الثاني للزيارة؛ إذ بدأ يأخذ مسارات عدة، تراه السعودية تهديدًا حقيقًا لها، فيما تنظر إليه الأوساط التركية بقلق، بينما هو مرهون بالمرجعيات الأيديولوجية، التي شكلت الأرضية الملائمة للتقارب بينهما، والاتفاق على رؤية إستراتيجية واضحة إزاء قضايا المنطقة.

خطوات جريئة

وتعقيبًا على ذلك، قال عشقي إن «السعودية تعتبر أن العالم الإسلامي، بحاجة إلى وجود قوة كبيرة أمام مواجهة الإرهاب الذي يعصف بها، ومواجهة التحديات التي تحيط بها».

ويعتقد في الوقت نفسه، أن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات وصفها بـ«الجريئة»، متمثلة في الهدوء داخل الأراضي اليمنية والسورية، والمناطق التي تشهد صراعات سياسية وطائفية، وعليه يرى عشقي أنّ «هدف الدولتين ليس إسقاط نظام الأسد، وذلك فيما يتعلق بالملف السوري، وإنما تحقيق الأمن ودعم الشعب السوري»!

يُؤكد عشقي أن السعودية، «تسعى بكل جهدها إلى إزالة الشوائب التي تؤثر في العلاقة بين مصر والسعودية»، ومع ذلك لا يجزم الرجل بأن المصالحة بين تركيا ومصر حُسمت، إذ لا يزال الأمر مُتعلقًا بتقديم كل طرف لتنازلات كافية للتصالح. في المُقابل، يُؤكد الرجل على أن ما بات قريبًا بالفعل، هي المصالحة الرسمية بين مصر وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وقد بدت بالفعل بوادر ذلك في اللقاء الذي جمع قادة الحركة السياسيين بقادة المخابرات المصرية، في مارس (آذار) الماضي.

يختلف أسعد فرات مع عشقي في قضية التقارب المصري التركي، فالأوّل يُقلل من فرص حدوث مثل ذلك، على الأقل خلال المرحلة المُقبلة، معللًا ذلك بأنّ «السياسة التركية واضحة وصريحة مع مصر، ولن تقبل معها أي صلح ما لم يُخلَ سبيل كافة السجناء السياسيين، منذ الثالث من يوليو (تموز) 2013، وكذا وقف أساليب القمع المستمرة من قبل النظام الحاكم».

تقارب بين المعارضة السورية

تطرق الباحث التركي إلى الملف السوري، وما تناقلته بعض وسائل الإعلام، بأن التحالف التركي والسعودي جاء بغية الإطاحة بالأسد، قائلًا إن «كثيرًا من المحللين، اعتبروا أن التحالف بينهما، رسالة إلى الدور الإيراني في المنطقة، لكن تركيا دولة محايدة، ولا تتدخل في الصراعات الطائفية، وهذا ما صرح به علنًا أردوغان في خطابه الأخير».

«لذلك، فإن تركيا والسعودية، ستسعيان إلى دور مهم في التقارب بين صفوف المعارضة السورية المسلحة، حتى لا يكون هناك مجال للقوى الغربية في أرض المشرق العربي، والتي تعتبرها أراضيَ عربية وإسلامية»، أو كما قال فرات.

ما بدا غريبًا في طرح أسعد فرات، هو احتمالية حدوث تقارب بين كلٍّ من السعودية وإيران، تُسانده تُركيا، وتقارب آخر بين إيران وتُركيا، تُسانده السعودية، بخاصة في ملفي اليمن وسوريا، وذلك لكون الثلاثة يمثلون قوة اقتصادية وسياسية لا يُمكن تجاوزها في المنطقة.

رؤساء الدول المشاركون في القمة الإسلامية الأخيرة بتركيا

في سياقٍ آخر، يعتقد فرات أن جملة التفجيرات التي ضربت الأراضي التركية مُؤخرًا، ودون سابق إنذار، تقف وراءها «قوى غربية»، وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية، «التي استغلت قوى المعارضة لتحقيق أهدافها»، وعليه تعمل تركيا جاهدةً للتفاهم مع المعارضة، للسيطرة على أي انفلات قد يُؤدي إلى انقلاب على نظام الحُكم.

أنور عشقي لا يتفق مع الفرات في تلك النقطة، فالأوّل يرى أنّ التنسيق مع الغرب، لا سيما روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، من قبل السعودية وتركيا، ركيزة أساسية لإرساء الأمن والسلام في المنطقة، ذاهبًا إلى أنّ الغرب راضٍ عن الزيارة الأخيرة للعاهل السعودي إلى تُركيا.

من جهة أُخرى، ارتأت صحف غربية، أن كلًا من تركيا والسعودية تنصرفان عن حلفائهما التقليديين في الغرب، باتجاه إنشاء قوة عربية إسلامية في المنطقة، بخاصة بعد التفاهم بين إيران والدول الغربية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد