نشر موقع هفنجتون بوست مقال لعالم الفضاء د. ستن أودنوالد يتناول فيه مستقبل السفر بين النجوم، بين الواقعِ والخيالِ، وبين إمكانات البشر وما يمكنهم تنفيذه واقعيًّا، فيبدأ مقاله قائلاً “لطالما كنتُ قارئًا متعطشًا للخيال العلمي، لكن كعالم فضاء لأكثر من نصف عمري، لا يمكنني الاستمرار بادعاء إمكانية تحقيق المفارقة الأساسية التي يعتمد عليها الخيال العلمي”. مبدئيًّا، العلم يقول إن الوصول لسرعةٍ كافيةٍ تجعل من السفر بين النجوم ممكنًا يتطلب الكثير من الأموال بل “أكثر من قدرة العالَم أجمع على الاستثمار في محاولةٍ كهذه”. فضلاً عن منغصات أُخرى كالكتلة والوزن والسرعة والعمر البشري. فهل من الممكن وصول البشر إلى مجموعات نجمية، وبناء مستعمرات هناك كما هو في الخيال العلمي، أم سنظل محصورين في الاستكشاف الافتراضي لمجرتنا؟!

الكاتب د.ستن أودنوالد هو عالم فضاء حاصل على الدكتوراه في الفيزياء الفلكية (دراسة بنية وتركيب الأجرام السماوية من الناحية الفيزيائية والكيميائية) من جامعة هارفارد. وعمل بعدد من البرامج التعليمية التابعة للوكالة الوطنية للملاحة الجوية والطيران (ناسا)، وله عدة كتب أولها “Astronomy Café“، وهو نفس اسم الموقع الذي أسسه ويديره منذ 1995 “astronomycafe.net“. ووفقًا لموسوعة ويكيبيديا يعتبر الموقع من أهم المواقع للأبحاث في علوم الفضاء، لدرجة استعانة وكالة ناسا به أحيانًا.

GPB circling earth.jpg

(رسم يوضح انحناء الزمكان وفقًا للنظرية النسبية العامة

السفر بين النجوم نظريًّا

يقول الكاتب إن النظرية النسبية الخاصة لأينشتاين تنطبق بشكل هائل على مجال السفر للفضاء، وبدون أي أخطاء واضحة، فضلاً عن النظرية النسبية العامة التي تعتبر أكثر شمولاً، تنطبق هي الأخرى عليه جيدًا، فهي تضمن الوصول لتقنيات تمكننا من السفر لمجموعات نجمية أُخرى بدون التسبب في “تشويه” الفضاء نتيجة لعدم مراعاة الزمكان ، حيث إن التعرض لضغوط بعينها أو حتى مجرد احتكاك مسبار فضائي ينطلق بسرعة الضوء بجسم ما يبلغ الـ 10 جرامات قد يتسبب في انفجار هائل إن لم يكن “سوبر نوفا” آخر. ويضيف أن السفر بين النجوم سيظل مقيدًا بالنظرية النسبية الخاصة والعامة، وأنه لا مجال للعبثِ مع الطبيعة أو خِداعِها لنجعل من الخيالِ العلمي حقيقةً وواقع نعيشه.

Position Alpha Cen.png

(صورة توضح موقع رجل القنطور “ألفا سنتوري” بين كوكبة القنطور)

وبالتالي، فإن الطريقة الوحيدة للوصول إلى ألفا سنتوري “Alpha Centauri” أو “رجل القنطور” – وهوأقرب نظام نجمي إلى الشمس على بعد 4.33سنة ضوئيّة
– هي عن طريق الدفع الحركي أو الإشعاعي، والتي تعتبر طريقة بطيئة نسبيًّا. هناك العديد من الأفكارالأخرى القابلة للتطبيق مثل المحرك الأيوني ومحركات الاندماج النووي والأشرعة الشمسية. في الحقيقة تعتبر أفضل الطرق جاهزية للانطلاق والتطبيق هي طريقة المحرك الأيوني، وهي تقنية استُخدِمَت بالفعل في العديد من الأقمار الأصطناعية والمركبات الفضائية حتى الآن. ومع تطبيق دفعة صغيرة لكن بصورة ثابتة على مر الشهور والسنوات والعقود، تستطيع نسخ أكثر تطورًا من تلك الأنظمة أن تدفع حمولات صغيرة – أي الحمل الذي يحمله الصاروخ- إلى سرعة تتجاوز 10% من سرعة الضوء في غضون سنوات قليلة، وهكذا تجعل من مدة الرحلة إلى ألفا سينتوري والنجوم القريبة الأخرى تبلغ القرن أو أقل بقليل.

منغصات الحلم

Daedalusschip1.png

(صورة توضح نموذج سفينة الفضاء لمشروع ديدالوس (1973–1978

عائق التكلفة المالية

يحاول د. أودنوالد توضيح العقبات التي تواجه تنفيذ الرؤية النظرية على أرض الواقع، فيذكر أن آندريا سهاين وهو مهندس في مشروع إيكاروس Icarus Interstellar Project ، وهو مشروع لدراسة تصميم هندسي يهدف لبناء مسبار فضائي غير مأهول بالبشر تسافر بين النجوم وتعتمد على محرك اندماج نووي، طَوَّرَ أسلوبًا دقيقًا للتنبؤ باقتصاديات السفر بين النجوم، ليجد أن أكثر السيناريوهات احتمالاً من الناحية الاقتصادية لبعثة من نوع ” ديدالوس” Daedalus  ستتكلف على الأقل 174 ترليون دولار أمريكي، وتتطلب ما يقرب من 40 عامًا من التطوير، و0.4 % من الناتج الإجمالي العالمي، وكل ذلك فقط من أجل القيام برحلة غير مأهولة تستغرق 50 عامًا إلى النجم بارنارد باستخدام قوة الاندماج النووي، وتتكون من 50,000 طن من الوقود، و500 طن من المعدات العلمية، وتبلغ سرعتها القصوى 12% من سرعة الضوء. علمًا بأن مشروع ديدالوس هو دراسة أُجريَت في السبيعينيات من القرن الماضي لتصميم مركبة فضائية غير مأهولة تسافر بين النجوم، باستخدام محرك الاندماج النووي للقيام برحلة إلى النجم بارنارد في فترة لا تتجاوز العمر البشري حيث إنه يبعد 5.9 سنة ضوئية عن الأرض. ولكن مشاكل التصميم والكتلة تعوق تحقيقه.

عائق الزمن

بحسابات العقل، جميع البعثات للنجوم تتطلب عقودًا أو قرونًا، أي أن التكنولوجيا المعقدة المستخدمة في ذلك يجب أن تكون جديرة بالاعتماد عليها طوال تلك المدة، بل وتكون قادرة على إصلاح نفسها ذاتيًّا دون الحاجة للبشر. ولا يجوز بأي حال من الأحوال وجود أي أجزاء متحركة، لأن ذلك سيولد احتكاكًا، من شأنه إحداث تآكل وتهتك على مدى العقود والقرون من الاستخدام.

Voyager probes with the outer worlds.jpg

(صورة توضح المسبار الفضائي 1 و2 غير المأهول اللذين أطلقتهما ناسا ضمن برنامج فوياجر – 1977)

عائق الكتلة

من المعقول والطبيعي جدًّا التفكير في المركبات الفضائية ذات الحمولات الصغيرة الكيلوجرامية كحل، حيث يمكن دفعها لسرعات شبه نسبية وبطريقة اقتصادية، وذلك فقط إذا بلغ وزنها بعض عشرات الكيلوجرامات، لكن هذا ليس حلاً عمليًّا، لأنه عند الوصول لأقرب نجم تصبح المركبة على مسافة بعيدة جدًّا تحتاج فيها لأجهزة إرسال ضخمة وقوية تستطيع نقل البيانات وإرسالها للأرض، وإلا فما الفائدة من رحلة كهذه؟ ويضرب الكاتب المثل بمركبات فوياجر voyager، وهو برنامج لوكالة ناسا أطلقت فيه المركبة فوياجر 2 ثم فوياجر1 منذ حوالى 37 سنة، إلا أن الأخيرة استطاعت تجاوز الأولى نظرًا لكونها أسرع؛ على الرغم من أن وزن كليهما 722 كيلوجرامًا، وهي مركبات مدعمة بجهاز إرسال قدرته 470 واط. فيقول د. أودنوالد أنه حتى لو زودنا تلك المركبات بجهاز إرسال قدرته ميجاواط، وأرسلناه إلى ألفا سنتوري Alpha Centauri  لن يتمكن أي جهاز استقبال على الأرض أو أي تليسكوب أرضي – مهما بلغ حجمه- من التقاط إشارة من مركبة على كل هذا البعد. حتى لو كان جهاز بمعدل نقل بيانات 1 بيت لكل عام، فلن ينجح. ويضيف “لعل في المستقبل، تستطيع البشرية اختراع نظام بأشعة الليزر ذي قدرة عالية على التوجيه يفي بالغرض، لكن سيبلغ وزنه أطنان لا مجرد كيلوجرامات”.

ربما تكون أحد الخيارات المتاحة أمامنا هو نظام دقيق بتقنية النانو، تبلغ كتلته بضع عشرات الكيلوجرامات، والذي يتم إرساله لوجهة بعينها، ويستقر على كويكب ما، ثم يبدأ من الصفر في بناء أنظمة أكثر ضخامة، لها القدرة على إجراء التحقيقات العلمية، ومن ثم إرسال البيانات للأرض.

“لكن مفهوم إرسال البشر إلى النجوم لا معنى له، سواء على المستوى التقني أو الاقتصادي” هكذا وصفها د. أودنوالد. فهو مفهوم لا يرقى – بوضعه الحالي- لدرجة تجذب اهتمام البشر. حتى ولو كنا على شفا الانقراض، والسفر للنجوم الأخرى هو الملاذ الوحيد. ويتساءل “هل تعتقد حقًّا أن 7 أو 10 مليارات من الناس ستتحمل تغطية تكاليف رحلة كهذه؟” أو حتى أن تبذل جهد لعشرات من السنين، فقط لإرسال عدد قليل جدًّا من البشر المحظوظين في رحلة في اتجاه واحد – أي ذهابٌ فقط- إلى كوكبٍ بعيدٍ، والذي ربما لا يصلح أصلاً للسكن؟

فماذا نحن فاعلون؟

نظامنا الشمسي شاسع، وبمثابة ملعب كبير بما يكفي للاستكشافات البشرية لقرونٍ عدة، وكفيل بإنهاكنا في البحث لقرون دون أن ننتهي تمامًا من استكشافه. ومن الناحية التقنية هو متاح لنا لاستكشافه الآن، ويظهر ذلك بوضوح حيث الأعداد الهائلة من الأنظمة الروبوتية، والمركبات الفضائية غير المأهولة بالبشر. هناك العديد من السيناريوهات التي يمكن التخطيط لها بجداول زمنية على مدى العقود أو القرون، والتي من شأنها إنشاء بؤر ومستعمرات بشرية على كل جسم في النظام الشمسي يثير اهتمام البشرية، بدايةً من أسطح الكواكب وأقمارها، وصولاً للكويكبات والمذنبات. ويتساءل مجددًا هل الاستكشاف المأهول هو السبيل الوحيد الآن؟ ويجيب في تعجب “قطعًا لا!”.

PIA16239 High-Resolution Self-Portrait by Curiosity Rover Arm Camera.jpg

(صورة ذاتية لمسبار كيوريوستى روفر Curiosity Rover في رحلته للمريخ)

البديل

يقول د.أودنوالد أنه عندما نستبعد الاستكشاف المأهول بالبشر، المكلف اقتصاديًّا بشكلٍ كبيرٍ، ونقوم باستبداله بطوافٍ آليRover بإمكانه إرسال صور عالية الجودة ِلما قام باستكشافه للأرض، حينها تستطيع البشرية كلها الاستكشاف الافتراضي للفضاء، وكلٌ يشارك بطريقته الخاصة، وليس فقط قلة من رواد الفضاء أو المستعمرين. قدم برنامج أبوللو التابع لناسا 12 رائد فضاء يمشي على سطح القمر، وهو بمثابة إنجاز ضخم للبشرية، لكن اليوم بإمكاننا إعادة تنفيذ برنامج أبوللو وتحسينه وتعزيزه بتلك الخبرات الافتراضية التي ساهم بها مليارات من البشر. ويرى أن تلك هي الموجة المستقبلية في استكشاف الفضاء، لأنها تقنيًّا قابلة للتنفيذ اليوم. إضافةً إلى التكلفة المتدنية جدًّا – لدرجة لا تذكر- لكل بشري يقوم بالاستكشاف الافتراضي. فعلى سبيل المثال، طوافة كيوريوسيتي “Curiosity” التابعة لناسا ليست إلا نموذجًا لهذا النهج الجديد للاستكشاف البشري. هي عبارة عن طوافة بحجم سيارة تجري على عجلاتٍ، وتحتوي على أجهزة علمية لتحليل العينات من التربة والصخور، وأُطلِقَت للمريخ كجزء من بعثة ناسا لاستكشاف الكوكب الأحمر. وبمرور الوقت سوف يكون هناك إصدارات أكثر تطورًا، تستكشف أعماق محيط قمر أوروبا “Europa” وأنظمة الأنهار على قمر تيتان “Titan” الشبيه بكوكب الأرض، وربما يتم ذلك بحلول نهاية هذا القرن.

ويضيف الكاتب أنه على دراية تامة بأن استكشاف البشر للفضاء افتراضيًّا عن طريق بيانات ترسلها الربوتات للأرض، لا يتطابق مع الصورة التي رسمتها إصدارات سلسلة ستار تريك أو بابليون 5 للمستقبل، حيث يستكشف البشر بأنفسهم المجرة في سفن فضائية. وأنه كقارئ متعطش للخيال العلمي يضايقه أننا نعيش في عالم حيث السفر بين النجوم يبدو بعيد المنال بشكل أساسي ودائم، أيًّا كان مستقبل البشرية العلمي أو الاقتصادي. لكن للأسف تلك هي كل الاحتمالات المتاحة الآن. يمكننا أن ننهك أنفسنا في تخيل مستقبل أُسطوري من تمكن البشر من بناء مستعمرات على النجوم، ويضيف أن ذلك المستقبل الخيالي سيكون واقع البشرية ذات يوم، لكنها بشرية لا تشبهنا بالمرة. لا تشبه عالمنا ولا حضارتنا؛ وربما تكون حضارة يقودها انقراض البشر حتى تستطيع تركيز الموارد باتجاه تحقيق ذلك الهدف.

ويختتم مقاله متعجبًا ما الخطأ في أن يكون استكشاف الفضاء روبوتيًّا افتراضيًّا ويشمل المليارات من البشر، وليس فقط عدد قليلٌ من رواد الفضاء المحظوظين؟! إذا كان ذلك هو السبيل الوحيد المتاح الآن.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد