رحلة «المنشق».. أبرز ما جاء في وثائقي اغتيال جمال خاشقجي

قُمُ فَاِشدُدِ العِيسَ لِلترحالِ مُعتَزِمًا
وَاِرمِ الفِجاجَ بِها فَالخَطبُ قَد فَقِما
وَلا تَلَفَّت إِلى أَهلٍ وَلا وَطَنٍ
فَالحرُّ يَرحَلُ عَن دارِ الأَذى كَرَما

* أبيات شعرية لابن المقرب العيوني، في افتتاحية وثائقي «المنشق» عن الصحفي السعودي جمال خاشقجي

افتتح المخرج برايان فوجل وثائقي «المنشق» عن الصحافي السعودي جمال خاشقجي وعملية اغتياله في القنصلية السعودية بإسطنبول في 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، وهي للشاعر ابن المقرب العيوني، من شعراء مدينة الأحساء في القرن السادس للهجرة.

تبدأ قصة الفيلم، ومدّته حوالي ساعتيْن، مع عمر عبد العزيز الزهراني، المعارض السعودي المقيم في كندا وأحد المقربين من خاشقجي الذي كان على تواصل دائم معه حتى اغتياله، ويكشف الفيلم استغلال السلطات السعودية لعلاقة المُعارضين للتخطيط لاغتيال خاشقجي، وذلك باختراق هاتف عمر عبد العزيز، باستخدام تقنيات إسرائيلية.

إعلان وثائقي «المنشق» عن اغتيال جمال خاشقجي (الترجمة باللغة العربية غير دقيقة بالكامل).

ويعرض الفيلم مداخلات مع عدة مسؤوليين أتراك على احتكاك مباشر بتحقيقات قضية اغتيال خاشقجي، من بينهم عرفان فيدان، المدعي العام بإسنطبول، والذي قال: «خلال 20 سنة من عملي في التحقيق، يمكنني القول بكل ثقة إن جمال خاشقجي قتل عمدًا».

ويعطي مسؤول بالشرطة العلمية التركية تفاصيل حول الجريمة ويقول إن جمال خاشقجي وخطيبته توجهوا إلى القنصلية السعودية بإسطنبول للحصول على أوراق لإتمام زواجهما، ولم تمض 10 دقائق حتى كان «فمه مغطى بيد أحدهم»، وراح خاشقجي قبل موته يردد عبارته «أنت تخنقني سوف تقتلني».

زيارة المنشق الأخيرة للقنصلية

يتنقل الفيلم بين حيثيات اغتيال خاشقجي وتداعياتها وتفاصيلها والضجة العالمية التي أحدثتها، ويربطها بصراع الحكم داخل الأسرة الحاكمة السعودية، آل سعود، والصعود الجموح لولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

ويعرض الفيلم لقاءات مع أصدقاء لخاشقجي ممن عرفوه من سياسيين وإعلاميين قريبين منه، ويتطرّق الفيلم لتأثير أحداث الربيع العربي والثورة المصرية بالتحديد على خاشقجي، وكيف أثّر فيه دعم السعودية للثورة المضادة ضد الربيع العربي، وتمويل الانقلاب العسكري في مصر، وهو ما دفعه للتحرك شيئًا فشيئًا نحو المعارضة، بعد أن عمل لسنوات طويلة في دوائر الحكم السعودية.

ويتحدث الفيلم عن تحوّل موقع «تويتر» لملجأ للنقاش والحوار بين السعوديين هربًا من الفضاء العام المغلق في البلاد والذي تسيطر عليه الحكومة بالكامل، فشدّدت السلطة قبضتها على وسائل التواصل الاجتماعي للتحكم فيها أكثر، وسعت لاعتقال المؤثرين فيها وإدخالهم السجن إذا لم تتوافق آراؤهم مع خطّ الحكومة، وتزامن هذا التوجه مع صعود الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض، ورأى ابن سلمان فرصةً للصعود للعرش من خلال علاقته مع صهر ترامب ومستشاره جاريد كوشنر.

Embed from Getty Images

حفل شواء لحم للتستر على حرق جثة خاشقجي

ثم يعود ضابط الشرطة التركي ليحكي تفاصيل صادمة عن التخلص من جثّة خاشقجي، فيقول: «حسب تقديراتنا فإن جثة جمال خاشقجي نقلت لمنزل القنصل السعودي، وجدنا في المرآب بئرًا مسوّرًا، أردنا فحصه فرفض السعوديون، وفي منطقة حوض السباحة وجدنا فُرنًا للشواء على شكل بئر بعمق متر ونصف أو مترين، وفي نفس ليلة اغتيال خاشقجي طُلب حوالي 30 كيلوجرامًا من اللحم لمنزل القنصل من مطعم شهير، وأُحرق الجسد هناك، واختفى معها أي أثر للشفرة الوراثية لخاشقجي، وكان طلب اللحم من المطعم للتمويه عن رائحة إحراق الجسد».

لم تكن هذه الزيارة الأولى لخاشقجي للقنصلية السعودية، فقد سبقتها زيارة أخرى كانت مريحة بحسب خاشقجي، واستقبل باحترام وحفاوة وطلب منه الانتظار لأيام لتحضير الأوراق، وفورًا تواصلت القنصلية مع المسؤولين في السعودية فأرسلوا «فرقة الموت» المكونة من 15 شخصًا كشفت أسماؤهم لاحقًا.

يقول المدعي العام التركي في الوثائقي: «نعرف جميع من شاركوا في اغتيال خاشقجي وحتى أدق التفاصيل، الـ15 شخصًا الذين جاؤوا لتركيا، والمسؤولون الثلاثة في القنصلية الذين شاركوا في القتل، وأصدرنا مذكرة باعتقالهم جميعًا»، ويضيف وزير العدل التركي: «من جاؤوا من السعودية هم مسؤولون سعوديون رفيعو المستوى، ويأتون من تخصصات مختلفة».

 

بوستر الوثائقي، مصدر الصورة: ويكي.

ويذكر أن «أهمهم على الإطلاق ماهر مطرب، لأنه عضو في المجموعة الأمنية لابن سلمان وهو من أدار وأعطى الأوامر. الشخص الثاني هو صلاح الطبيقي، وهو المسؤول عن الطب الشرعي وتشريح الجثث. ولكن جميعهم كانوا مجرد جنود ينفذون أوامر» بحسب المدعي العام.

ويتتبع الوثائقي حياة خديجة جنكيز، خطيبة خاشقجي وكيف غيّرت هذه الحادثة حياتها، ويتحدث عن علاقتها بخاشقجي وكيف تطوّرت من مجرّد لقاء في إطار بحث علمي إلى التخطيط للزواج ثم حادثة اغتيال، ونشاطها لتطبّق العدالة في قضية خطيبها المغدور به.

ويكشف الوثائقي أيضًا أساليب النظام السعودي لاستدراج المعارضين للعودة للبلاد، من بينها الاتصال بالناشط عمر عبد العزيز وإخباره من طرف أحد الشخصيات التابعة للحكومة بأن: «محمد بن سلمان معجب بك ويشاهد فيديوهاتك ويطلب منك العودة للبلاد»، وكيف التقى بمسؤولين سعوديين في كندا وأصروا على عودته للبلاد أو على الأقل زيارة القنصلية «لتجديد جواز سفره».

ويتحدث عمر عبدالعزيز عن «الذباب الإلكتروني» أو اللجان الإلكترونية التابعة للحكومة السعودية، والموجودة في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تهاجم المعارضين وتغرقهم بالتهم والشتائم، وتنشر تغريدات مؤيدة للحكومة وترفع الوسوم المؤيدة للحكومة لتتصدر تويتر، ويقود هذه الجيوش من الذباب الإلكتروني مقرّبون من ابن سلمان، أهمهم مستشاره السابق سعود القحطاني، بحسب الوثائقي.

النحل الإلكتروني.. هل هو المشروع الذي عجّل باغتيال خاشقجي؟

لمقاومة الذباب الإلكتروني وغزوه لمواقع التواصل الاجتماعي، اقترح المعارض السعودي عمر عبد العزيز على خاشقجي فكرة إنشاء «جيش إلكتروني مضاد» وأن يسمى بـ«النحل الإلكتروني»، ليكون من مجموعة متطوّعين من العالم العربي لمجابهة دعاية السلطة، ونقل الحقيقة بافتتاح حسابات على منصة تويتر والرد على حسابات «الذباب الإلكتروني» حسب قوله. وقد تجاوب خاشقجي مع الفكرة بصورة إيجابية، وسعى لتوفير التمويل المادي لها، ثم خطط خاشقجي للقاء عمر في كندا للانطلاق في خطة «النحل الإلكتروني».

Embed from Getty Images

خديجة جنكيز (وسط الصورة)، خطيبة خاشقجي، وجيف بيزوس (يسار)، رجل الأعمال الأمريكي ومالك صحيفة «واشنطن بوست» التي نشرت مقالات خاشقجي في آخر أيامه، في حفل تأبيني لخاشقجي.

يقول عمر عبدالعزيز إنه يشعر أنه مسؤول شخصيًا عن اغتيال خاشقجي، خاصةً بعد اتصال من خاشقجي أخبره فيه بوقوع اختراق إلكتروني لمعارضين سعوديين في كندا، واستهدفت الاختراقات عمر نفسه.

ويظهر في الوثائقي جون سكوت رايلتون، الباحث المتخصص في الأمن السيبراني في المؤسسة الكندية «سيتزن لاب – Citizen Lab»، ويقول جون «إنها معجزة أنّا وجدنا عمر، وأنه استطاع أن يحيا حتى الآن»، ويقول رايلتون أن الأنظمة عجزت عن التجسس على هواتف المعارضين الموجودين في الخارج، لأن معلوماتهم لا تمرّ عبر الشبكات المحلية في بلدانهم، فالحلّ هو اختراق أجهزتهم.

ولكن من أين حصلت السعودية على هذه القدرات التكنولوجية للتجسس على هواتف المعارضين؟

«لا يمكننا نفي ذلك ولا تأكيده»، هكذا يجيب جون برينان، الرئيس السابق لـ«وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)»، عن سؤال إن كانت مؤسسته تعلم بأن السعوديين حصلوا على برامج تجسس من عند الإسرائيليين، وأضاف بأن السعوديين استطاعوا الوصول لمعلومات في أجهزة مواطنيهم.

ويشير الوثائقي إلى استخدام السعودية لخدمات الشركة الإسرائيلية الشهيرة «NSO»، وحصلوا منها على أفضل تقنيات الاختراق المتاحة اليوم، ويأتي الحديث على برنامج «بيجاسوس Pegasus» التجسسي الذي يستطيع اختراق الرسائل والصور وحتى تشغيل الكاميرا والميكروفون.

ويقول رايلتون أنهم وجدوا شبكة مرتبطة بالسعودية تتجسس على جهاز في كندا باستخدام بيجاسوس، ما دفعهم للاتصال بعمر عبد العزيز والوصول إليه ومن ثم اكتشفوا اختراق هاتفه، وتمّ الاختراق برسالة نصية مموّهة تشبه التي ترسلها شركات التوصيل (الشحن) وتحوي في داخلها رابطًا يخترق الجهاز لو تم الضغط عليه، ومؤخرًا كشف المركز الكندي أنّ الشركة طوّرت تقنيات لاختراق الأجهزة دون الحاجة لهذه الرسائل.

وبالتجسس على عمر عبد العزيز، اكتشفت الرسائل بينه وبين جمال خاشقجي، وقبض على 23 من أصدقاء عمر.

ولكن أشهر ضحايا الاختراقات السعودية هو الملياردير الأمريكي جيف بيزوس، أغنى رجل في العالم حينها ومالك جريدة «واشنطن بوست» التي انتقدت السعودية بشراسة بعد اغتيال خاشقجي الذي كان كاتبًا فيها، وقد ألغى بيزوس زيارة له للسعودية خطّط أن يعلن فيها عن صفقة ضخمة تتعلق برؤية «2030» التي دشّنها ولي العهد السعودي.

أغضب إلغاء الزيارة ابن سلمان ما دفعه لاختراق هاتف بيزوس باستخدام برنامج «بيجاسوس»، ولكن الرسالة وصلت هذه المرة لهاتف بيزوس من حساب ابن سلمان شخصيًا على واتساب.

وينتهي الوثائقي بالتذكير باثنين من إخوان عمر عبد العزيز مسجونين دون محاكمة في السعودية، ومثلهم 23 من أصدقائه.

سياسة  منذ سنتين

جمال خاشقجي.. من مستشار يهاتفه الملك سلمان إلى صحافي «مطرود من رحمة» ولي عهده إلى قتيل في قنصلية بلاده

السعوديةتركياجمال خاشقجيجيف بيزوسمحمد بن سلمانمعارض

المصادر