يمكن القول إن عام 2019 هو أفضل الأعوام بالنسبة للجنيه المصري خلال سنوات عدة، فسعر العملة المصرية الآن هو الأقوى في أكثر من عامين ونصف، إذ يشهد الجنيه صعودًا مطردًا في 2019، وتقترب مكاسبه من 10% أمام الدولار، وسعر الدولار يتهاوى أمامه منذ أول يناير (كانون الثاني)، وهو ما يعد أحد المفاجآت الاقتصادية غير المتوقعة في مصر، وربما على مستوى معظم الأسواق الناشئة.

العملة المحلية المصرية تشهد انتعاشة كبيرة  خلال الأشهر الأخيرة جعلت وكالة «بلومبرج» تصنفها أفضل العملات أداءً حول العالم خلال 2019، بينما عملات غالبية الأسواق الناشئة – التي يمكن القول: إن حال اقتصاداتها أفضل كثيرًا من مصر – تشهد تراجعات ملحوظة، وهو الأمر الذي يجعل من صعود الجنيه المصري، أمرًا غامضًا أو غير مفهوم لدى الكثيرين، فإذا كان هذا الوضع بالنسبة إلى 2019، فيكف سيكون حال الجنيه في 2020؟

مفاجأة اقتصادية.. ماذا حدث للجنيه المصري في 2019؟

مع نهاية الشهر الأول من العام الجاري بدأ هبوط الدولار في مفاجأة جاءت على عكس أغلب توقعات المحللين والبنوك الاستثمارية التي كانت تتوقع استمرار صعود الدولار مقابل الجنيه المصري، وتزامن مع خروج محافظ البنك المركزي المصري، طارق عامر، بتصريحات مثيرة لـ«بلومبرج» في 22 يناير الماضي، قال فيها: «سنشهد المزيد من تقلبات العملة بعد إلغاء آلية تحويل أموال المستثمرين الأجانب».

ويمكن القول إن هذا التصريح كان نقطة تحول كبيرة في سوق الصرف؛ ففي الوقت الذي ظن فيه المحللون أن التقلبات التي يقصدها عامر هي تراجع الجنيه المصري، جاء اتجاه سعر الصرف على العكس تمامًا، ففي التاريخ نفسه الذي خرج فيه محافظ المركزي، كان سعر الدولار بحسب بيانات البنك نحو 17.97 جنيه للدولار للبيع، بينما كان اتجاه السعر نحو الصعود.

العالم والاقتصاد

منذ 10 شهور
بين المبالغة والمبررات.. حقيقة صعود الجنيه المصري منذ بداية 2019

بدأ الجنيه العام بحسب أرقام المركزي عند 17.97 جنيه للدولار للبيع، لكن بعد 22 يناير، تغير اتجاه الجنيه ليواصل قفزاته المفاجئة على مدار الأشهر الماضية، ليستقر قرب 16.10 جنيه للدولار. أي بهبوط الدولار نحو 1.87 جنيه منذ تصريحات عامر وحتى الآن.

هذا الصعود في بدايته أثار حيرة المتعاملين والمستثمرين، وتباينت آراء المصرفيين ومحللي الاقتصاد المصري بشأن أسبابه، بين من يرى أن هناك تدخلًا مباشرًا من المركزي لتحريك العملة بعد استقرارها لنحو عام وآخرين يرون أن الصعود نتيجة لتدفقات المستثمرين الأجانب على أدوات الدين. بينما كان الرأي المسيطر هو الذي جاء على لسان مسؤول مصرفي بأحد البنوك الخاصة العاملة في مصر الذي قال: «ارتفاع الجنيه المصري حركة مثيرة للقلق وموجهة، ليس لها أي علاقة بالعرض والطلب».

وفي حين يبرر البنك المركزي صعود الجنيه بزيادة «تدفقات النقد الأجنبي من مصادر متعددة»، وذلك بحسب ما ذكر المركزي في عدة مناسبات، قالت شركة «لايتهاوس» لأبحاث السوق في مذكرة بحثية: «إن الجنيه ما زال خاضعًا لإدارة محكمة، ولا يعمل وفقًا لنظام سعر صرف حر».

الشركة أضافت أن موجة صعود الجنيه تخالف اتجاه الهبوط العام في أصول الأسواق الناشئة العالمية، وبعيدًا عن مذكرة «لايتهاوس» فهذه الفكرة باتت رائجة بين الكثير من المصرفيين والمحللين، بل إن البعض مقتنع تمامًا أن البنك المركزي يتدخل بشكل مباشر في السوق لدعم الجنيه، بينما ينفى البنك ذلك، لكن بالرغم من النفي يظل المتابعون مصرين على أن هذا التدخل هو ربما السبب الأهم والأبرز في رحلة صعود الجنيه في 2019.

ما هي توقعات سعر الدولار مقابل الجنيه في 2020؟

السؤال الأهم الآن هو هل تستمر رحلة الصعود؟ يرى محمد عبد الحكيم، رئيس قسم البحوث بـ«شركة فيصل لتداول الأوراق المالية»، أنه وفقًا للتقديرات المعتمدة على البيانات الحالية والتاريخية، فالجنيه المصري لن يستمر في الصعود، إذ تشير دراسة صادرة عن الشركة ولدى «ساسة بوست» نسخة منها إلى أن سعر الصرف الحقيقي للجنيه سيتجاوز مستوى الـ20 جنيهًا للدولار خلال 2020.

وتعتمد الدراسة التي صدرت في يوليو (تموز) الماضي عن شركة «فيصل لتداول الأوراق المالية»، وهي إحدى شركات بنك فيصل الإسلامي المصري على تحديد سعر الصرف الحقيقي من خلال نتيجة فارق التضخم بين مصر وأمريكا.

ويقول عبد الحكيم خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «إن القيمة العادلة للجنيه مقابل الدولار لا تقل عن 19.5 جنيه، وذلك في حال وضعنا اتجاه التحويلات المصرين العاملين في خارج للتراجع، وهبوط استثمارات الأجانب في أدوات الدين في ظل انخفاض معدل الفائدة».

لكن تجدر الإشارة هنا إلى أن السعر الحقيقي التي تتحدث عنه الدراسة السابقة ليس بالضرورة أن يحدث على أرض الواقع، خاصًة في ظل الحديث عن تأثير البنك المركزي على سعر الصرف وعدم ترك السعر حرًا، إلا أنه نجد كثير من البنوك والشركات المالية تتوقع أيضًا عدم استمرار الجنيه في الصعود حتى مع خضوع الجنيه لإدارة المركزي.

ويتوقع تقرير لشركة «سي آي كابيتال» أن يبلغ متوسط سعر صرف الدولار مقابل الجنيه 17.11 جنيه، اعتبارًا من العام المالي المقبل، وهو ما يعني انخفاض الجنيه بواقع 1.00 جنيه للدولار مقارنة بالمستوى الحالي؛ إذ يرى التقرير أنه سيكون هناك انخفاض بسيط في العملة المحلية من خمسة إلى 8%، خلال 2020.

 

وفي المقابل ترجح «فيتش سوليوشنز» التابعة لمؤسسة «فيتش» العالمية للتصنيف الائتماني أن يبدأ الجنيه المصري الانخفاض مقابل الدولار ليصل إلى 17 جنيهًا قبل انتهاء عام 2020، حيث عزى التقرير الصادر عن المؤسسة صعود الجنيه في 2019 إلى الانخفاض السريع للتضخم، إضافة إلى التحسن الكبير في معدل سعر الصرف الفعال، إلا أن هذه العوامل من غير المرجح أن تستمر، مما سيسهم في إضعاف الجنيه في المستقبل، وفق التقرير.

وبحسب التقرير السنوي لبنك الاستثمار «بلتون» عن الاقتصاد المصري، فمن المتوقع تحسن الجنيه المصري ليصل إلى 15.90 جنيه للدولار بين الربعين الأول والثاني من 2020، وذلك على عكس أغلب التوقعات. يشار كذلك إلى أن سعر الصرف المستخدم في ميزانية 2019 – 2020 يبلغ 17.46 جنيه للدولار، بحسب وزارة المالية المصرية.

ما هي العوامل المؤثرة بسعر الصرف في مصر؟

بعد الحديث عن رحلة الجنيه المصري خلال 2019، والتوقعات الخاصة بـ2020، لا بد عن الحديث عن العوامل التي تؤثر بشكل مباشر، سواء إيجابًا أو سلبًا على قيمة الجنيه، وفي المقدمة من العوامل نجد التدفقات المالية، وهو المصطلح المنتشر إعلاميًا، وأهم مبرر لصعود الجنيه، فما هي تدفقات النقد الأجنبي المقصودة؟

المقصود بتدفقات النقد الأجنبي: المصادر التي يحصل يدخل من خلالها عملة صعبة، وهذه المصادر في مصر تتوزع ما بين إيرادات السياحة وقناة السويس والصادرات والاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى تحويلات المصريين العاملين في الخارج، وإجمالًا ترتفع قيمة الجنيه كلما زادت التدفقات النقدية من هذه المصادر، وتنخفض قيمته بتراجع التدفقات.

في الحالة المصرية نجد أن معظم الزيادة تأتي من خلال الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل، لكن هذه الاستثمارات تسمى بالأموال الساخنة؛ وذلك لأنها سرعان ما تعاود الخروج، وبحسب محمد معيط وزير المالية المصري، فإن صافي استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية بلغ 20 مليار دولار منذ تحرير سعر الصرف وحتى نهاية أغسطس (آب).

لكن هذا المستوى يقل كثيرًا عن مستويات سابقة، إذ سجلت الأموال الساخنة نحو 23.1 مليار دولار في نهاية مارس (آذار) 2018، وهذا يعني أننا لو تحدثنا عن أن الارتفاع في الجنيه جاء بسبب الأموال الساخنة، فهو أمر فيه مبالغة كبيرة، فمن باب أولى كان الجنيه قد ارتفع في يونيو (حزيران) أو مارس 2018، وهو ما لم يحدث، بالإضافة إلى أن خروج تلك الاستثمارات من البلاد في أي وقت قد يؤدي إلى تدهور وضع الجنيه.

بجانب الأموال الساخنة تشهد المصادر الأساسية مثل إيرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين في الخارج والصادرات نموًا ملحوظًا مؤخرًا، لكن هذا النمو لا يضاهي بأية حال من الأحوال خطوة تحرير سعر صرف الجنيه في أواخر 2016. إلا أنه الأرقام السياحية حققت مؤخرًا قفزة ملحوظة، فبحسب ما أوضحت، رانيا المشاط، وزيرة السياحة، لقناة «بلومبرج» العالمية فإن السياحة المصرية حققت 1206 مليار دولار في العام المالي 2018/ 2019 وهي أعلى إيرادات في تاريخ السياحة المصرية.

على الجانب الآخر وبحسب البنك المركزي فإن إجمالي تحويلات المصريين العاملين في الخارج زاد 3.1% في 2018 إلى 25.5 مليار دولار من 24.7 مليار دولار في 2017، وبحسب آخر البيانات الصادرة عن البنك المركزي فإن البلاد تلقت تحويلات من المصريين العاملين بالخارج بنحو 4.4 مليار دولار خلال شهري يوليو وأغسطس من هذا العام مقابل نحو 4.2 مليار دولار قبل عام، وهي زيادة طفيفة، وليست كبيرة لدرجة أن تنعش الجنيه.

على الجانب الآخر تعتبر العلاقة بين أسعار الفائدة وقيمة العملة من أشهر العلاقات الاقتصادية، فتراجع سعر الفائدة يضعف قيمة العملة بسبب تراجع جاذبية العملة، بينما زيادة الفائدة يعني جاذبية إضافية للعملة ما يعني ارتفاعها، وبالنظر إلى مصر فقد خفض البنك المركزي أسعار الفائدة الرئيسة في اجتماعه الثالث على التوالي بشأن السياسة النقدية منذ أغسطس، ومن المتوقع استمرار سياسة الخفض وهو الأمر الذي لا يجعل فرض الجنيه في الصعود خلال 2020 أقل كثيرًا من 2019.

مديري المشتريات وديون الخليج.. الجوانب المهملة عند تقييم الجنيه المصري

خلال السطور السابقة ناقشنا أهم العوامل التي تؤثر بشكل مباشر، سواء إيجابًا أو سلبًا على سعر الصرف، أو يمكن القول إنها العوامل المشهورة إعلاميًا، إلا هناك عوامل دائمًا ما يتم إهمالها عند الحديث حول سعر الجنيه، بالرغم من أهميتها البالغة، وسنتحدث هنا عن عاملين فقط، وهما مؤشر مديري المشتريات بالإضافة إلى جدول سداد ديون مصر وخاصة ديون دول الخليج.

تشير آخر نتائج لمؤشر «آي.إتش.إس» ماركت لمديري المشتريات بمصر، حول أنشطة القطاع الخاص غير النفطي بالبلاد، إلى انكماش في نوفمبر (تشرين الثاني) للشهر الرابع على التوالي، لتهبط لأقل مستوى منذ سبتمبر (أيلول) 2017؛ إذ سجل القطاع الخاص غير النفطي نموًا في ستة فقط من بين 36 شهرًا فائتًا، وفي شهرين فقط من العام الماضي.

وهذا المؤشر ببساطة يرصد حجم الأعمال الجديدة في البلاد، وبحسب البيانات فحجم الأعمال الجديدة في مصر تراجع للشهر الرابع على التوالي، بالإضافة إلى ركود طال معدل الطلب الأجنبي، وهو ما يعني أن صعود الجنيه المصري وسط هذه المعطيات أمر غير منطقي، ولا يتماشى مع انكماش القطاع الخاص على مدار 30 شهرًا من أصل 36 شهرًا.

على الجانب الآخر يجب وضع جدول سداد ديون مصر الخارجية نصب أعيننا دائمًا عند الحديث عن سعر الصرف، فمصر أمام جدول سداد صعب للعامين القادمين، فيما تحاول توسيع قاعدة مستثمريها وتمديد آجال استحقاق ديونها والاقتراض بفائدة أقل.

وأبرز جانب من هذه الديون هو المتعلق بودائع دول الخليج والتي تم تأجيل سدادها وتمديد الأجل الزمني، وهذا الأمر يعتبر عاملًا أساسيًا في عدم الضغط على احتياطي النقد الأجنبي خلال 2019، ففي حال سددت مصر هذه الودائع في المواعيد الأساسية لكانت أوضاع الجنيه مختلفة تمامًا في 2019.

وبحسب تقرير للبنك المركزي الودائع الخليجية تعد ضِمن مكون الديون الخارجية متوسطة وطويلة الأجل وتبلغ قيمتها نحو 17.269 مليار دولار، بواقع 7.5 مليار دولار للسعودية، و5.769 مليار دولار للإمارات، و4 مليارات دولار للكويت.

دليل تعافٍ أم مؤشر أزمة؟ ما لا تتحدث عنه البيانات الرسمية بشأن «الفائدة» في مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد