لم يكن قد مر سوى عام واحد على تأسيسها، حين تعرضت شركة موانئ دبي العالمية لصفعة كبرى، كانت الشركة قد سيطرت لتوها على حق إدارة ستة موانئ في أمريكا الشمالية، وهو الأمر الذي أثار نوابًا في الكونغرس، اعتبروا أن سيطرة موانئ دبي على مرافق  حيوية كهذه، يعد من محظورات الأمن القومي الأمريكي، يبدو الأمر مفهومًا حين نلاحظ أننا نتحدث في العام 2006، حيث لا تزال أحداث 11سبتمبر (أيلول) حية في الذاكرة الأمريكية، بما استتبعها من توجس أمريكي تلقائي تجاه العرب عمومًا، ودول الخليج على  وجه الخصوص.

وبرغم مساندة إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن لموقف موانئ دبي، وتهديده باستخدام حق النقض (الفيتو) في مواجهة تصويت مجلس النواب الذي وافق بأغلبية كبيرة على منع الشركة الإماراتية من تملك الموانئ الستة، فإن الشركة قد قررت في النهاية أن تخطو إلى الوراء، وأن تؤثر السلامة، فقررت نقل تشغيل الموانئ إلى شركة أمريكية بطريق البيع الكامل «حفاظًا على العلاقة الوثيقة التي تربط الولايات المتحدة بالإمارات العربية المتحدة»، وفق ما جاء في نص البيان الذي قرئ في مجلس الشيوخ الأمريكي حينها.

Embed from Getty Images

جورج بوش مع محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي

تأسست شركة «موانئ دبي العالمية» عام 2005 باندماج «سلطة موانئ دبي»، و«موانئ دبي الدولية»، وبرغم الإخفاق المذكور الذي صاحب انطلاقتها، فإن ذلك لم يمنعها من التمدد والطموح لتصبح في سنوات قليلة واحدة من أكبر مشغلي الموانئ حول العالم. تشغل الشركة 37 ألف موظف من 110 بلدًا مختلفًا، وتمتد قائمة أعمالها لتشمل 78 محطة ملاحية في 40 دولة في قارات العالم الست.

وتشير إحصاءات الشركة إلى تحقيقها قفزات متتالية في مجال مناولة الحاويات – وهو النشاط الرئيسي للشركة والذي يساهم في أكثر من ثلاثة أرباح عائداتها -، فسجلت في العام 2008 نموًا وصل بعدد الحاويات التي تم مناولتها إلى 11.8 مليون حاوية، ليرتفع العدد في 2015 إلى 61 مليونًا، ووفق الموقع الرسمي للشركة، فالرقم يصل قد وصل الآن إلى 79.6 مليون حاوية، مع طموح للوصول إلى 100 مليون حاوية بحلول العام 2020.

ما أشبه الليلة بالبارحة

بعد عشر سنوات من «الصفعة» الأمريكية التي تلقتها موانئ دبي، كانت الشركة الإماراتية على موعد مع إشكاليات شبيهة، من الجنوب هذه المرة، ففي خلال أسابيع قليلة، تلقت الشركة ضربات متلاحقة، من جيبوتي، ثم الصومال فإندونيسيا، والحبل على الجرار، فيما بدا بداية لـ«خريف» سيشهده ذراع الإمارات الاقتصادي، بعد سنوات من التمدد والازدهار.

البداية كانت من جيبوتي، التي كانت قد وقعت عام 2006 عقد امتياز يمنح موانئ دبي حق استغلال محطة حاويات دوراليه مدة نصف قرن، لكن الصفقة لم تسر كما يجب، إذ بدأت منذ العام 2012 محاولات جيبوتية للتراجع عن الاتفاقية التي اعتبرت أنها «تنتهك سيادتها»، وبرغم أن الشركة الإماراتية قد ربحت النزاع القضائي أمام محكمة لندن للتحكيم الدولي، والتي برأتها من الادعاءات الموجهة لها بسوء السلوك، على خلفية عقد الامتياز، فإن جيبوتي قد قررت التحرك منفردة لإنهاء المسألة.

صفعة تلقتها الإمارات.. لماذا قررت جيبوتي فسخ تعاقدها مع «موانئ دبي»؟

في 22 فبراير(شباط) الماضي، قررت الدولة الأفريقية الصغيرة إلغاء الاتفاق من جانب واحد، في قرار أكدت أنه «لا رجعة فيه»، بعبارة أخرى، قررت جيبوتي «طرد» الإماراتيين من الميناء، غير عابئة بتهديدات الشركة أنها ستلجأ للتحكيم الدولية، وهو ما يعني أن كيل الجيبوتيين قد طفح من تصرفات موانئ دبي، وأن المجال لم يعد يتسع للاتفاق أو التسوية.

القرار الجيبوتي يبدو أنه شجع الجارة الصومال، التي كانت حتى أسابيع قليلة سابقة تتمتع بعلاقات جيدة مع الإماراتيين، لاتخاذ إجراءات مماثلة، لكن تلك العلاقات لم تمنع الشركة الإماراتية من تجاوز مقديشو، لتوقع – مطلع مارس (آذار) الجاري – اتفاقية مع إقليم أرض الصومال – وهو إقليم انفصالي يسعى إلى الاستقلال عن الصومال، لكنه فشل في حشد أي اعتراف دولي – تصبح موانئ دبي بموجبه مالكة لـ 51% من أسهم ميناء بربرة، أهم موانئ الإقليم.

Embed from Getty Images

الرئيس الصومالي محمد عبد الله -فرماجو

أثار ذلك الاتفاق رفض الحكومة المركزية في الصومال، التي صبت جام غضبها تجاه الشركة، فصوت مجلسا النواب والشيوخ بأغلبية كبيرة على منع شركة موانئ دبي من العمل في الصومال، ووصفوا الاتفاقية بأنها «تعد سافر على سيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه»، قبل أن يشن الرئيس الصومالي «محمد عبد الله فرماجو» هجومًا على الإمارات، محذرًا إياها من «التدخل في الصومال عبر استثمارات غير شرعية في البلاد».

وجه آخر للصراع الإماراتي التركي: الصومال باب جديد لحرب النفوذ

الصفعة الثالثة جاءت من إندونيسيا، حيث تدير موانئ دبي محطة بيتيكيماس سورابايا على الساحل الشرقي لجزيرة جاوا الإندونيسية منذ عام 1999، ويبدو أن جاكرتا قد قررت أن 20 عامًا هي مدة كافية، وأن عليها إنهاء التعاون – أو تعديل الشروط – مع الشركة الإماراتية، التي أعلنت أنه لن يتم تجديد التعاون مع الجانب الإندونيسي.

وقد عبر الرئيس التنفيذي لموانئ دبي سلطان أحمد بن سليم عن أسفه للموقف الإندونيسي قائلًا: «من المؤسف أن المساهمات الإيجابية البارزة من قبل مشغلي المحطات العالميين في أندونيسيا لم تقدر حق تقديرها، رغم سجلنا الحافل بالنجاحات والإنجازات المشهود لها على مستوى العالم. ومن المخيب للآمال أن شروط تجديد عقد التشغيل التي طرحتها السلطات الأندونيسية، لم تتوافق مع الحد الأدنى لمعايير مواصلة الاستثمار لدينا».

السياسة تطل برأسها من نافذة الاقتصاد

بالنسبة للمحيط العربي والإقليمي على الأقل، ففي كل أزمة كانت تواجهها موانئ دبي، وفي كل عقد امتياز تظفر به، كانت السياسة تطل برأسها سافرة الوجه، اعتبرت موانئ دبي «ذراعًا اقتصادية» للدولة الإماراتية، تتحرك حيث توجهها المصالح السياسية، بنفس القدر الذي تدير هي به دفة السياسات الإماراتية في المنطقة.

يعد ميناء جبل على وميناء راشد درة من درر الاقتصاد الإماراتي، واثنان من أكبر وأنشط الموانئ البحرية في العالم، وبمثل ما كان الميناءان نعمة على الإمارات عامة، وعلى إمارة دبي بشكل خاص، فقد كانا أحد أسباب معاناة العديد من شعوب المنطقة، إذ يبدو أن الإمارات تطبق حرفيًا المقولة التي استشهد بها يومًا أمير دبي محمد بن راشد آل مكتوم، بأن «نصف النجاح هو فشل منافسيك».

 

في النزاعات التي كانت موانئ دبي طرفًا فيها، يظهر اتهام متكرر للشركة بتعمد «إفشال» الموانئ التي تديرها، بما يعني ضمنًا أن بعض الاتفاقات تتضمن – من جملة أغراضها – محاولات إماراتية لبروز موانئ منافسة موانئها. في جيبوتي مثلاً، تحدث مسؤولون أن من بين الشروط المجحفة التي أدت إلى إلغاء الاتفاقية «منع توسعة مباني الميناء أو إقامة أي مبان جديدة، وأن حصص التملك المتفق عليها لم تكن هي نفسها في توزيع الأرباح، فضلًا عن جعل الإدارة المالية في يد شركة موانئ جبل علي بمجموعة موانئ دبي العالمية».

الاتهامات ذاتها كانت وراء قرار الحكومة اليمنية بإلغاء اتفاق أبرمه الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح عام 2008 مع الشركة الإماراتية، كان يقضي بمنح الشركة حق إدارة وتشغيل ميناء عدن – أكبر موانئ اليمن – لمائة عام قادمة، وحين نعلم أن ميناء عدن هو أحد أهم المنافسين المفترضين للموانئ الإماراتية، يصير من المفهوم لماذا لم تلتزم الشركة ببنود تعاقدها مع الحكومة اليمنية، فبدلًا من أن تزيد سعة الميناء من الحاويات إلى الضعف كما كان مفترضًا، انخفض تحت إدارة الشركة الإماراتية إلى أقل من النصف، فضلًا عن ذلك فقد رفعت الشركة تسعيرة المرور في الميناء بدلًا من خفضها كما هو متوقع، ما أدى إلى نفور السفن من المرور فيه.

لو نجحت الإمارات في خطتها.. ماذا ستخسر السعودية بانفصال اليمن؟

أدت تلك السياسة الإماراتية المغرضة، إلى احتجاجات شعبية اضطرت على إثرها الحكومة اليمنية إلى إلغاء اتفاقها مع الشركة، قبل أن تعود إليه الإمارات عبر القوة العسكرية هذه المرة، فحين قررت الإمارات الانخراط بكل قوتها في الحرب اليمنية، كانت السيطرة على عدن أولى أولوياتها، ما ينظر إلى أجندة  في اليمن، والتي تدعم انفصال الجنوب، بوصفها حيلة إماراتية معلومة الغرض، تهدف إلى تأمين سيطرتها على الموانئ اليمنية.

فيديو تعريفي بقوات الحزام الأمني الموالية للإمارات في اليمن

لا تبالي الإمارات إذًا، في سبيل سيطرتها على موانئ المنطقة عبر «موانئ دبي العالمية» باعتبارات السيادة الوطنية، وهو الأمر الذي يبدو جليًا في حالة الصومال الاتفاق الذي عقدته مباشرة مع إقليم أرض الصومال، متجاوزة الحكومة المركزية في مقديشو، برغم أن حكومته لا تحظى بأي اعتراف دولي، ورغم أن ذلك الأمر قد أدى إلى إثارة غضب الصوماليين الذين منعوا الشركة من العمل في بلادهم، فإن الإمارات قد قررت المضي قدمًا في سياسة الأمر الواقع، والاستمرار في اتفاقياتها المنفردة مع الإقليم، ضاربة باعتراضات البرلمان الفيدرالي عرض الحائط.

إلى جانب ذلك، يظهر ذلك الاشتباك الصومالي – الإماراتي جوانب أخرى عن طبيعة السياسة الإماراتية في المنطقة، ومناوراتها باللعب على كل الأحبال في الوقت ذاته، إذ إن الاتفاقية استبعدت الحكومة المركزية من أي أرباح للمشروع، فيما أدخلت إثيوبيا باعتبارها طرفًا في تلك مع أرض الصومال، بواقع 19% من الأرباح، علاوة على استثمارها في البنية التحتية لميناء مرمرة.

وقد كان ذلك أحد الأسباب التي دفعت جيبوتي إلى فض شراكتها مع الإماراتيين، بعدما رأت في محاولاتهم لمنح الإثيوبيين نسبة تملك في ميناء عصب الإريتري – تتولى موانئ دبي إدارته كذلك -، وميناء بربرة في أرض الصومال، محاولة لتقويض التعاون الإثيوبي مع ميناء جيبوتي، بهدف الإضرار به.

أمر آخر يبدو جليًا ومثيرًا في صفقات موانئ دبي في المنطقة، وهو أنه أينما وجدت موانئ دبي، وجدت القواعد العسكرية الإماراتية، فالتلازم بين النشاط السياسي والعسكري للإمارات يبدو واضحًا كالشمس، فقد صارت عدن اليمنية مرتعًا للقوات الإماراتية وميليشيا الحزام الأمني وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، كما ترجع بعض التفسيرات الخلاف الإماراتي – الجيبوتي في بعض جوانبه إلى رفض الأخيرة إقامة قواعد عسكرية إماراتية على أراضيها.

قواعد الإمارات العسكرية.. كيف يمكن لدولة صغيرة أن تتصرف كإمبراطورية عُظمى؟

كما أن إرتيريا التي وقعت مع الإمارات اتفاقًا يمنحها حق إدارة ميناء ومطار مدينة عصب الاستراتيجية على البحر الأحمر مدة 30 عامًا، تحتضن هي الأخرى قواعد عسكرية إماراتية تلعب دورًا هامًا في حرب اليمن، وغير بعيد في القرن الأفريقي، في أرض الصومال، ستدرب الإمارات – في إطار اتفاقها مع الإقليم – قوات عسكرية وأخرى تابعة للشرطة، في إطار اتفاق يقضي بإنشاء قاعدة عسكرية هناك، السياسة والاقتصاد إذًا هما وجهان لعملة واحدة بالنسبة لدولة الإمارات ومشروعها الطموح في المنطقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد