خلال أحداث فيلم Annie Hall للمخرج الأمريكي وودي آلان، يسأل فيه البطل رجلًا وامرأة يبدو عليهما أنهما سعداء في الحب عن سبب قدرتهم على هذه السعادة، فيرد الاثنان أن السبب الرئيسي لسعادتهم في علاقة حبهما أنهما سطحيين وغبيين، وتلك ليست المرة الأولى التي يشير فيها أحد الأفلام أن الذكاء يقف ضد السعادة في الحب.

وفي فيلم Beautiful Mind للنجم راسل كرو، والذي جسد فيه قصة حياة عالم رياضيات عبقري حقيقية؛ استطعنا أن نرى المعاناة التي قد تأتي مع العبقرية خاصة لو كانت معدل ذكاء الشخص يفوق الطبيعي، وقتها يشعر بالعزلة وعدم القدرة على التواصل مع المجتمع، وقد يجد صعوبة في العثور على شريكة حياة تتحمل عقليته الفريدة.

والحقيقة أن هناك الكثير من الدراسات النفسية والاجتماعية التي تتساءل عن سبب تعاسة أو حزن ووحدة الشخصيات العبقرية، وفي هذا التقرير نحاول أن ننقل لك الصورة التي قد لا تراها من حياة الشخص العبقري خاصة الذين تظهر عليهم العبقرية من سن صغيرة، ونطلعك من خلال كواليس حياتهم عن الجانب الحزين من العبقرية.

الوحدة والعبقرية وجهان لعملة واحدة؟

عندما رزقت ماجدة بطفلها مينا؛ كانت سعيدة كأي أم شابة تهدف لبناء أسرة مع شريك حياتها مثل أي أسرة مصرية، ولكن بمجرد أن وصل مينا لعامه الأول أدركت والدته أن أسرتها لن تكون مثل أي أسرة تعرفها، فمنذ عامه الأول أظهر مينا علامات ذكاء تفوق سنه بمراحل، مثل تمييزه للألوان والأشكال من قبل قدرته على السير، وقبل التحاقه بالمدرسة كان مينا عبقريًا بالفعل في الحساب والكتابة، ولذلك عندما انضم إلى المدرسة شعر بالغربة تجاه زملائه وتجاه شكل الحياة التي يعيشها الأطفال في هذه السن.

شاهد لقاء مع مينا يوضح لك قدراته الذهنية.

تقول ماجدة لـ«ساسة بوست»: «لم أختبر مع مينا ما تخبره أي أم مع طفلها بعد ذهابه للمدرسة للمرة الأولى، مثل الشجارات مع الأطفال على الأدوات المدرسية أو حتى الطعام، فدائمًا ما كان يشغل بال مينا ما هو أهم من ذلك» والذي كان يؤرق مينا حين ذهابه إلى المدرسة بمحافظة سوهاج التي يعيش بها؛ هو شعوره بالملل أثناء الحصص الدراسية، وهذا لأن كل ما يشرحه المعلمون هو على علم به من قبل التحاقه بالمدرسة بالفعل. ولذلك – تخبرنا ماجدة- مينا هو الطفل الوحيد في المدرسة الذي يُسمح له بترك الفصل والتجول في المدرسة، وممارسة هوايته المفضلة في الأحاديث الجانبية الثقافية مع المعلمين المتفرغين أو مدير المدرسة نفسه.

تؤكد ماجدة لـ«ساسة بوست» أنها لم تر لمينا صديقًا من نفس عمره منذ أن رزقت به، فهو دائمًا يختار من يكبرونه في السن حتى يجد مواضيع مشتركة للمناقشة، كما أنه لا يلعب الألعاب المعتادة للأطفال في هذا السن، ولعبته المفضلة هي الشطرنج، ولذلك لا يستطيع مشاركة اللعب مع الأطفال أيضًا، ولذلك تخشى عليه والدته من الوحدة التي تنتظره في المستقبل إذا لم يستطع تقوية علاقته الاجتماعية.

في الحقيقة إن المخاوف التي تواجه والدة الطفل العبقري مينا مايكل هي مخاوف في محلها، وهذا لأنه لطالما ارتبطت العبقرية بالوحدة، بناءً على شهادات أشخاص عباقرة، وشهادات علم النفس أيضًا، ويؤكد على هذا الأمر العبقري الأسترالي بيتر رودجرز والذي يتمتع بواحد من أعلى معدلات الذكاء في العالم، وصرح لبيزنس إنسايدر ذات مرة أن الأشخاص العباقرة هم الأكثر وحدة في العالم لأن لا أحد تقريبًا يفهمهم.

وفي دراسة نُشرت بالعام 2016 وضح الباحثون القائمون عليها، أن العباقرة بالفعل يكونوا وحيدين، وعلى الرغم من احتياجهم للأصدقاء والصحبة، إلا أنهم يفضلون الوحدة لأنها تكون أسهل عليهم من التعامل مع الأشخاص الذين لا يتمتعون بنفس معدل ذكائهم.

 وشرحت تلك الدراسة أن الإنسان في البداية اخترع مفهوم الصداقة لعدم قدرته على حل كل مشكلاته بمفرده، وقتها أدرك أنه في حاجة للمساعدة الدائمة ومن هنا تطور مفهوم المساعدة للصداقة، ولكن الأشخاص العباقرة – كما ذكرت الدراسة – ذهنهم قادر على تحليل وحل أي مشكلة تواجههم، وذلك يجعلهم في حالة استغناء دائم عن الآخرين.

 وعندما تضيف إلى ذلك الشعور عدم التواصل الفكري أثناء تواجد العبقري مع أشخاص ذكاؤهم معدله طبيعي، ففي العادة يفضل الشخص العبقري الوحدة فهي تكون أسهل عليه، ولكنها في الوقت نفسه تخلف في نفسه حزنًا ربما لا يدركه في وقت مبكر، ولكن مع الوقت تترك أثرًا سلبيًا في نفسه. وهو ما تحدثت عنه والدة مينا كثيرًا، مؤكدة أنها تبذل قصارى جهدها حتى تنمي حياة مينا الاجتماعية لتجنبه هذا الشعور بالوحدة في المستقبل.

«غريب وممسوس».. البعض لا يفهم العبقرية

كاميرون طومسون هو عبقري مراهق يعيش في أمريكا، حاصل على شهادة أكاديمية في الرياضيات وهو في عمر 12 سنة، ولكن عبقريته جاءت مصاحبة لمتلازمة أسبرجر، وهي أحد الاضطرابات النمائية الشاملة وتصنف ضمن اضطرابات طيف التوحد عالي الأداء، قد يتأخر اكتشافها أحيانًا حتى البلوغ، لكنها تبدأ في مراحل مبكرة من العمر تتراوح بين فترة الرضاعة وفترة الطفولة المبكرة، تلك المتلازمة التي وصفتها أسرة كاميرون بأنها تسبب لهم حرجًا اجتماعيًّا، لعدم قدرته على التواصل الطبيعي مع الآخرين سواء من زملائه أو جيرانه أو أقاربه.

«أنا أحتقر الفن بجميع أشكاله.. إنه غير منطقي.. ولا فائدة منه»؛ هكذا صرح طومسون في واحد من اللقاءات التي أجريت معه، وتلك الآراء التي يقولها دائمًا أمام الآخرين هي ما تجعلهم يصفونه بغريب الأطوار، أو أنه من كوكب آخر ولا ينتمي إلى هذا العالم، ويزيد من وطأة الأمر هو عدم شعوره بالراحة مع البشر، ولذلك لديه في غرفته الكثير من الرجال الآليين والذين يعتبرهم طومسون أصدقاءه الحقيقيين.

بعد انتقاله إلى بلدة جديدة، وانضمامه إلى أحد المدارس التي لا يعرف فيها أحدًا، وثق أحد الأفلام كاميرون وهو يحاول التحدث مع زملائه الجدد، شارحًا لهم قدراته الذهنية والعقلية، ومحدثًا إياهم عن اهتمامته، ويستطيع المشاهد أن يرى بوضوح رد فعل الطلاب ونظراتهم الساخرة والمندهشة من كاميرون.

نفس الأمر تعرض له مينا في مصر ولكن بشكل مختلف، فعلى الرغم من أن مينا ليس مصابًا بالتوحد أو أي اضطراب آخر، فهو يتعرض للأوصاف الغريبة والدهشة عندما يتعامل معه شخص للمرة الأولى ويتفاجأ بذكائه المتقدم على سنه الصغيرة، وتذكر ماجدة والدة مينا لنا أن أغرب وصف قيل لها عن ابنها العبقري أنه ممسوس من الجن، وأن قدراته العقلية أمر خارق للطبيعة وليس مجرد ذكاء عادي، وأنه أمر يستحق التحقيق والعلاج.

العبقري الناجح والعبقري الفاشل

«إن السعادة لدى الأذكياء هي أندر شيء أعرفه»؛ تلك واحدة من أقوال الكاتب الشهير إرنست همنجواي، والتي توقع بها ما أثبته الطب النفسي والعلم فيما بعد. ما يتعرض له العبقري في سنه الصغير أمر، وما يحدث له في مستقبله هو أمر آخر تمامًا، فهذا الطفل الذي وصفه من حوله بالعبقرية، بالطبع وضعت فيه الكثير من الآمال والطموحات، وغالبًا ما تجد آباء الأطفال العباقرة يتوقعون لهم مستقبلًا مختلفًا مثل حصولهم على نوبل، أو صناعتهم لثروة مالية كبيرة، وهناك احتمالان فقط لكل عبقري.

الأول هو نجاحه بالفعل في تحقيق تلك الطموحات، وذلك لن يكون عاملًا في سعادته هو شخصيًا لأن وحدته ستزيد في الكثير من الحالات، وأصدقاءه ربما سيقلون تدريجيًا، هذا إن وجدوا منذ البداية، هذا النجاح أو الثروة ستفرض عليه الأضواء ووضعه تحت المنظار وهو بمثابة عذاب نفسي له بسبب شعوره بالراحة في العزلة والوحدة، ولذلك ربما يشعر العباقرة بالراحة لأنهم حققوا ما يستحقونه، ولكن في المقابل لن يشعروا بالسعادة في الكثير من الحالات.

عندما سألنا والدة مينا عن أكثر شيء يقلقها فيما يخص ابنها العبقري، كان ردها هو خوفها الشديد ألا يستطيع مينا استغلال عبقريته وذكائه في أمر مفيد له والمجتمع، ويظل طفلًا مغمورًا في محافظة سوهاج بمصر، وهنا يأتي الاحتمال الثاني والذي يسلب العبقري سعادته وسعادة من حوله، وهو عدم تحقيقه للنجاح المتوقع له.

العبقري يتوقع لنفسه الكثير من الإنجازات فهذا لا يتوقف على أسرته فقط، فهو يرى في نفسه اختلافًا أكيدًا عن باقي البشر، ولذلك يتوقع من حياته أن تقدم له مستقبلًا مختلفًا عن الآخرين، ولذلك إذا فشل العبقري في تحقيق هذا النجاح، تكون تعاسته أمرًا قد يؤدي به إلى التفكير في إنهاء حياته، أو الاستمرار في الحياه بشعور دائم بالتعاسة.

وتؤكد ماجدة والدة مينا، أنها ترى في ابنها العبقري طفلًا سعيدًا الآن، وهذا بعد المجهودات التي تبذلها لتمنحه حياة طبيعية تليق بطفل، ولكن السؤال الذي تطرحه على نفسها، هو مدى إمكانية استمرار تلك السعادة إن لم يحقق مينا إنجازات تليق بعبقريته في مستقبله.

كيف نتعامل مع الطفل العبقري؟

إذا كان في أسرتك أو دائرة معارفك طفل عبقري؛ فهل لك دور في مساعدة هذا الطفل؟؛ نعم. هناك دراسة استمرت ما يقرب من 50 عامًا بدأها وأشرف عليها عالم النفس الأمريكي جوليان ستانلي، ومن خلالها قدم نصائح لكيفية التعامل وتربية الطفل العبقري تربية سليمة.

يظن بعض الآباء الذين لديهم طفل عبقري أن دعم كل احتياجاته الفكرية قد يكون لها آثار اجتماعية سلبية عليه ومزيد من الوحدة والعزلة، ولكن ما أكدته تلك الدراسة أن السرعة في التعلم للطفل العبقري هي أكبر أمان لسلامه النفسي والعقلي، وهذا لأن الطاقة العقلية التي يتمتع بها يفضل وأن تُستهلك في التعلم والتحصيل بدلًا من أن تتحول إلى طاقة تدميرية له ولذاته.

تؤكد تلك الدراسة أن الطفل العبقري في حاجة دائمة للتحدي، ولذلك يجب معاملته معاملة مختلفة في الدراسة، وهذا ما أخبرتنا به ماجدة والدة مينا أنه يحدث بالفعل في مدرسته، حيث يقدم له المعلمون ملازم خاصة به تحتوي على مواد متقدمة عن باقي المواد التي تُشرح لزملائه من الطلبة، وهو الأمر الذي ساعده على حب المدرسة والقبول عليها بعد أن كان يشعر بالملل تجاهها.

وما أشارت له تلك الدراسة أيضًا على الصعيد الاجتماعي، هو نصيحة كل من يتعامل مع شخص عبقري ألا يشيرون دائمًا إلى اختلافه، ويتعاملون معه على كونه إنسانًا طبيعيًا مثلهم قدر الإمكان خاصة في سن صغيرة أثناء اللعب والنشاطات الاجتماعية، ومهما رفض الطفل العبقري الانضمام لأي من النشاطات التي تجمعه بأطفال من نفس سنه يجب على أسرته ألا تيأس من المحاولة معه فمع الوقت سيجد أرضًا وسطًا يلتقي فيها مع زملائه وأقرانه.

تربية

منذ سنة واحدة
حتى لا تصبح من «الآباء الهليكوبتر».. تجنب هذه التصرفات في تربية طفلك

قد تجد الإنسان العبقري شخصًا يجب أن نحسده، ولكن بعد أن تعرفت على الجانب الحزين لتلك العبقرية، والشعور بالوحدة الذي يسيطر عليهم، وعزلتهم داخل المجتمع، ونظرة الآخرين إليهم وكأنهم كائنات فضائية أو بشر مسهم الجن؛ فهل كنت تتمنى أن تكون عبقريًّا مثلهم؟

المصادر

تحميل المزيد