إبراهيم أبو جازية
إبراهيم أبو جازية

881

نعمل مع كوريا الجنوبية من أجل عزل كوريا الشمالية حتى تتخلَّى عن برامجها النووية والصواريخ البالستية للأبد.

هكذا أعلن مايك بينس، نائب الرئيس الأمريكي، في زيارته خلال الأسبوع الماضي إلى اليابان، من أجل لقاء رئيس الوزراء الياباني، قبل أن يتوجه منها لمدينة بيونج تشانج الكورية الجنوبية، والتي تستضيف دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية لعام 2018، المقامة في الفترة بين 9 – 25 فبراير (شباط) 2018؛ إذ يرأس «بينس» وفد الولايات المتحدة الأمريكية المشارك في الألعاب.

وفي الوقت نفسه أضاف نائب الرئيس الأمريكي أن الولايات المتحدة ستكشف في غضون أيام عن عقوبات جديدة مفروضة على كوريا الشمالية، صنّفها نائب الرئيس على أنها العقوبات «الأصعب» التي ستتبنّاها الولايات المتحدة ضد بيونج يانج، مشيرًا إلى أنها «عقوبات أكثر جرأة من أيّة عقوبات اقتصادية فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية في أيّ وقتٍ مضى»، مشيرًا إلى أنه سيتم الإعلان عن هذه العقوبات قبل نهاية دورة الألعاب الأوليمبية في 25 فبراير 2018 الجاري.

قد تبدو تصريحاتٍ عاديةٍ يصدرها أحد المسؤولين الأمريكين الكبار، للحديث عن تعاونه مع شركائه الدوليين والإقليميين، ككوريا الجنوبية، للقضاء على عدوٍ له، وهو كوريا الشمالية، ولكن الغريب في هذا الأمر، هو التقارب الحادث بين الكوريتين الجنوبية والشمالية، وأحلام الوحدة بينهما التي لاحت في الأفق من جديد. ومن هنا، نحاول سويًا فهم طبيعة العلاقة المتجددة بين الكوريّتين، ومدى تأثر الولايات المتحدة بها.

اقرأ أيضًا: مترجم: 53% من الكوريين الجنوبيين مؤيدون.. فهل سنشهد إعادة توحيد الكوريّتين؟

مساعدات من كوريا الجنوبية إلى جارتها الشمالية.. بطلب من الأمم المتحدة!

أعلنت كوريا الجنوبية في أواخر سبتمبر (أيلول) 2017، موافقتها على خطة تنص على تقديم وإرسال مساعدات إنسانية قيمتها 8 ملايين دولار إلى كوريا الشمالية، وذلك في إطار سياسة إرسال المساعدات من كوريا الجنوبية، وقد جاء القرار بعد اجتماع للمسؤوليين الحكوميين برئاسة وزير الوحدة، شو ميونج جيون.

الجدير بالذكر أن هذا القرار يأتي بعد إقرار الأمم المتحدة بفرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية؛ وذلك بسبب تجربتها النووية السادسة في الثاني من سبتمبر 2017، وبالرغم من ذلك، إلا أنه في الوقت نفسه ذكرت كوريا الجنوبية أن مساعدتها لجارتها الشمالية جاءت بعد عدة طلبات من منظمات مختلفة تابعة للأمم المتحدة؛ كمنظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف»، وبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة أيضًا، بعد أن تواصلا مع كوريا الجنوبية أكثر من مرة من أجل دعوتها لتقديم مساعدات لجارتها كوريا الشمالية.

الجدير بالذكر أن المساعدات قيمتها 8 ملايين دولار؛ بحيث يذهب 4.5 مليون دولار إلى المنتجات الغذائية، في الوقت الذي يتم تخصيص 3.5 مليون دولار المتبقية من أجل اللقاحات، والأدوية الطبية.

(الزعيم الكوري الشمالي)

اعترف كارين هولشوف، المدير الإقليمي لـ«اليونيسيف» لمنطقة شرق آسيا، أن المنظمة طلبت بالفعل من كوريا الجنوبية تقديم المساعدة لكوريا الشمالية، مؤكدًا أن هناك مشاكل حقيقة يواجهها الشعب الكوري الشمالي، وخاصةً الأطفال والنساء، مشيرًا في الوقت ذاته أن هناك حوالي 200 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد في كوريا الشمالية؛ مما يزيد من خطر الوفاة، وزيادة معدلات التقزم لديهم.

اقرأ أيضًا: من كوريا الشمالية إلى الكونغو.. 7 مآسٍ إنسانية لم تسمع عنها من قبل على الأرجح

وفي الوقت نفسه أكدت كوريا الجنوبية على لسان وزير الوحدة، شو ميونج جيون، أنّ كوريا الجنوبية ملتزمة بتقديم المساعدات الإنسانية لجارتها الشمالية متى تطلّب الأمر؛ وذلك نظرًا للظروف السيئة التي يعيشها مواطنوها، في الوقت الذي واجهت فيه كوريا الجنوبية العديد من الانتقادات، وردود الفعل العنيفة، من قِبل الرأي العام الكوري الجنوبي، وأحزاب المعارضة.

وقد واجه الرئيس الكوري الجنوبي، مون جاي، انتقاداتٍ واسعةً داخليًا وخارجيًا، وذلك نتيجة قدوم بلاده على تلك الخطوة؛ حيث كانت المساعدات الكورية الجنوبية، التي تُقدَّم عامةً إلى كوريا الشمالية، قد توقفت منذ عام 2015، وذلك منذ التجربة النووية الثانية لكوريا الشمالية في أواخر 2015، وكان ذلك تحت حكم الرئيس السابق لكوريا الجنوبية، بارك جيون هاي.

الانتقادات الداخلية للرئيس الكوري الجنوبي بسبب المساعدات وصلت إلى انخفاض معدل التأييد الخاص به إلى نسبة 65.7%، وهي أضعف نسبة يصل إليها الرئيس منذ قدومه إلى الحكم. وأمَّا عن الانتقادات الخارجية، فقد أثارت خطوة إرسال المساعدات إلى كوريا الشمالية القلق دوليًا، خاصةً لدى اليابان والولايات المتحدة، وهما الدولتان الشريكتان لكوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية، غير أن الرئيس الكوري الجنوبي أصرّ على موقفه مؤكدًا أن الأمر منفصل عن القضايا السياسية.

اقرأ أيضًا: مترجم: كوريا الشمالية ليست النووي فقط.. ماذا تعرف عن تفوقها العالمي في الرياضة؟

المزيد من أموال «سيول» إلى «بيونج يانج»

لم تكن المساعدات الإنسانية هي المساعدات المالية الوحيدة التي أرسلتها كوريا الجنوبية إلى جارتها الشمالية؛ فقد أعلنت الحكومة الكورية الجنوبية يوم الأربعاء الماضي 14 فبراير 2018 تمويل كوريا الشمالية بما قيمته 2.64 مليون دولار؛ وذلك من أجل استضافة مئات الكوريين الشماليين الزائرين خلال دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية في مدينة بيونج تشانج الكورية الجنوبية.

(فردين من كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية في افتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية في كوريا الجنوبية)

وقالت وزارة الوحدة: «إنّ الأموال ستغطِّي كافة تكاليف الوفود الكورية الشمالية المشاركة في الألعاب، بما في ذلك الإقامة، والأطعمة، وفرق الهتافات، والفرق الفنية، والفنانين، والصحافيين، ولاعبي الرياضات المختلفة القادمين من كوريا الشمالية، وهو ما وصل مجموعه إلى 424 كوريًا شماليًا».

ويعتبر ذلك أكبر حجم دعم قدمه الجانب الجنوبي لوفد كوري شمالي زائر إلى الجنوب للمشاركة في فعالية رياضية دولية، ويأتي بدعوة من الرئيس الكوري الجنوبي «مون جاي»، والذي طالب الكوريين الشماليين بالقدوم إلى كوريا الجنوبية؛ وذلك من أجل العمل على تقليل التوتر بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة. وستقدِّم اللجنة الأوليمبية الدولية مشروع قانون لحوالي 22 رياضيًا كوريًا شماليًا، وذلك أثناء تواجدهم في كوريا الجنوبية بدورة الألعاب الأوليمبية.

الجدير بالذكر، أنّ السفر بين الكوريتين يظل مستحيلًا إلى وقتنا الحالي، خاصةً أنه يتطلَّب موافقة من حكومة البلدين، وهو نادرًا ما يحدث. ويسري هذا الأمر منذ الحرب الكورية عام 1950، والتي قسَّمت شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين، وانتهت بهدنة بينهما، بدلًا عن معاهدة سلام.

وسوف يتم سحب ميزانية إقامة الكوريين الشماليين من صندوق التعاون بين الكوريتين، والذي يعد جزءًا من ميزانية إنفاق وزارة الوحدة الكورية الجنوبية. وقد أنشئ هذا المشروع عام 1991، ليختصّ بالنفقات المتعلقة بكوريا الشمالية، ويحتوي على ما قيمته حوالي 900 مليون دولار.

اقرأ أيضًا: «البيتكوين» أبرزها.. 5 أسلحة تتغلب بها كوريا الشمالية على العقوبات الاقتصادية

الأوليمبياد الشتوية.. أكثر من مجرَّد لعبة

بالرغم من تمويل الرياضيين الكوريين الشماليين في الأوليمبياد الشتوية 2018، إلا أنّ ذلك الأمر لم يكن الشّئ المميَّز في التقارب الأخير بين الكوريتين؛ فقد أكدت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أن الأوليمبياد كانت مناسبة لإظهار بعض الخلافات بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، بالإضافة إلى إبراز التقارب بين الكوريتين.

وذكرت الصحيفة أنّ رئيس كوريا الجنوبية «مون جي أون» كان قد أعرب قبل اجتماعه مع نائب الرئيس الأمريكي، مايك بينس، عن رغبته في إجراء اجتماع مرتقب بين مسؤولين من الكوريَّتين؛ وذلك من أجل إجراء مفاوضات حقيقية حول برنامج كوريا الشمالية النووي، والتوصُّل في نهاية المطاف إلى اتفاق لإنهاء التوتُّرات التي عصفت بشبه الجزيرة الكورية طوال عقودٍ من الزمن؛ إذ قال الرئيس الكوري الجنوبي: «إنّ بلاده تأمل استغلال هذه الفرصة إلى حدّها الأقصى، بحيث يصبح أولمبياد الألعاب الشتوية في بيونج تشانج المكان الذي يفضي إلى حوار يهدف إلى إزالة الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية وإقامة سلام فيها».

من جانبه، امتنع نائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، وهو ممثل الوفد الأمريكي في الأوليمبياد الشتوية، عن الحديث حول أي شيء يتعلَّق بالمستوى الرفيع للمحادثات بين الكوريتين في بيونج تشانج، واكتفى بدلًا عن ذلك بتكرار رغبته في استمرار الحملة الأمريكية «في توجيه أقصى ضغط» على نظام كيم يونج أون في كوريا الشمالية.

كما أن الاجتماع الذي أعدَّه فريق بينس لم يتطرَّق إلى الحوار مع بيونج يانج، واقتصر على الإشارة إلى أن بينس والرئيس الكوري الجنوبي ناقشا أهمية تكثيف الضغط العالمي للحملة على كوريا الشمالية حتى تتخلى عن برامجها النووية والصاروخية مرة واحدة وإلى الأبد.

اقرأ أيضًا: 6 أنشطة تفعل أغلبها يوميًا قد تعرضك للإعدام في كوريا الشمالية

واشنطن منزعجة من التقارب بين الكوريتين

وفي وقتٍ سابق من الأسبوع الماضي، وفي قاعدة يوكوتا الجوية في اليابان، أكد نائب الرئيس الأميركي، مايك بينس، أنّ واشنطن منزعجة من التقارب الأخير بين كوريا الشمالية والجنوبية، مشيرًا إلى أن إدارة ترامب تريد أن ينتهي تحسين علاقات كوريا الجنوبية مع كوريا الشمالية مع نهاية الأولمبياد الشتوية.

وقال بينس: «نحن نريد أيضًا أن يستمر تأكيد التزامنا بعد تلك الأولمبياد والعمل على عزل كوريا الشمالية على الصعيدين الاقتصادي والدبلوماسي»، وهي التي حرص بينس على تكرارها في كلّ محطة خلال جولته الآسيوية، مع التأكيد على أنّ إدارة ترامب لا تدعم تحقيق اختراق دبلوماسي في هذا الوقت.

اقرأ أيضًا: «ذي أتلانتك»: تهديدات ينتظرها العالم في 2018.. تعرف عليها وعلى دور أمريكا فيها

وأكدت «واشنطن بوست» أنّ بينس رفض الإجابة عن سؤال ما إذا كان يعتقد أنها فكرة جيدة أن يجتمع الرئيس مون مع اثنين من كبار المسؤولين في كوريا الشمالية، وذلك عبر تناوله طعام الغداء مع كيم يونج نام، وهو رئيس الجمعية الشعبية العليا في بيونج يانج، وكيم يو يونج، وهي شقيقة الرئيس الكوري الشمالي، وهي رئيسة وفد كوريا الشمالية المشارك في الأوليمبياد، كما رفض بينس الإفصاح عما إذا كان يريد الاجتماع مع أي مسؤول كوري شمالي في هذه الفترة.

ولكن إذا حدث لقاء من هذا النوع، فإن نائب الرئيس الأمريكي سيصر على أن تكون رسالته ستكون هي ذاتها التي كان يوجهها إلى المسؤولين الكوريين الشماليين خلال زيارته الآسيوية بداية شهر فبراير الجاري، وهي أن «على بيونج يانج إنهاء الخداع والاستفزاز وتطوير أسلحة نووية وتهديد المنطقة والعالم».

الولايات المتحدة تراقب.. كيف يبدو مستقبل الكوريتين؟

ذكرت شبكة «سي إن إن» الأمريكية أنّ ما ذكرته «كيم يو يونج»، شقيقة الرئيس الكوري الشمالي، في خطابها في افتتاح الأوليمبياد الشتوية، لم يكن غريبًا؛ حيث إنها وجهت رسالة من شقيقها إلى الرئيس الكوري الجنوبي، «موون جاي»، داعيةً إياه من أجل زيارة بيونج يانج، وإجراء محادثات ثنائية بين الكوريتين حول الوضع العام بينهما.

وذكرت «سي إن إن» أنّ هذه الدعوة كانت متوقعة تمامًا، وأنه لم تكن هناك فرصة أفضل من هذه لكوريا الشمالية من أجل طلب المحادثات علنيًا أمام العالم، وبحضور نائب الرئيس الأمريكي؛ مما جعل فرصة رفض الرئيس الكوري الجنوبي شبه منعدمة.

اقرأ أيضًا: لو قامت الحرب المنتظرة بين أمريكا وكوريا الشمالية.. من سينتصر عسكريًّا؟

الجدير بالذكر أن كلتا الكوريتين يمكنها أن تستفيد من هذه المحادثات؛ ففي الوقت الذي يتقاسمان فيه مصلحة رئيسة حول منع الولايات المتحدة الأمريكية من إجراء أية ضربات وقائية ضد كوريا الشمالية، فإنّهما يتعارضان في مصالحهما الثانوية؛ إذ تأمل كوريا الشمالية في كسر التحالف القوي بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة، في الوقت الذي تسعى فيه كوريا الجنوبية إلى تعزيزه.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد ذكرت مؤخرًا أنها تدعم المحادثات بين الكوريتين، ودون شروط مسبقة، طالما كان ذلك يؤدي إلى تحقيق الهدف الأمريكي بوقف جميع أشكال الأسلحة النووية والصواريخ البالستية الكورية الشمالية.

ولكن في حال إتمام المحادثات، فإنّ هناك خطرًا رئيسًا حول التوصُّل إلى نتيجة تقبل بها الولايات المتحدة الأمريكية؛ خاصةً في ظل التمسك الأمريكي بالنزع الكامل للأسلحة النووية من كوريا الشمالية؛ مما يعني أنه في حال استمرار هذا التمسك الأمريكي، فإن المحادثات ستفشل بالتأكيد، وهو ما قد يؤدي إلى بداية الحرب العسكرية الفعلية، خاصةً في ظل التهديدات العديدة من قِبل الرئيس ترامب بشن ضربات استباقية محدودة ضد كوريا الشمالية.

اقرأ أيضًا: مترجم: كوريا الشمالية هزمت أمريكا عام 1950.. كيف حدثت الهزيمة؟ وهل ستتكرر؟