في مارس (آذار) عام 2011 شاركت كل من الإمارات وقطر بصورةٍ استثنائية في التدخل العسكري الذي شنّه حلف الناتو لإسقاط حكم الرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي، وبالرغم من أنّهما ليستا عضويين في التحالف الدولي، إلا أنّ تحرك أبوظبي والدوحة السريع جاء ضمن سياسة اتبعتها الدولتان اللتان رأتا في بقاء الدكتاتور الليبي تهديدًا مباشرًا لمصالحهما، خاصة أنّ القذافي حاول رسم نفوذٍ إقليمي مُعاكسٍ للمعسكر الخليجي في ذاك الوقت، كما أنّ مشروعه «ليبيا الغد» الذي أطلقه، مثّل تهديدًا اقتصاديًا مباشرًا للإمارات التي تعتمد في جزء كبير من اقتصادها على الموانئ.

وعلى النقيض من ذلك الدور؛ رفضت تركيا وإيطاليا – الأعضاء في حلف الناتو – التدخل العسكري في ليبيا، ورأتا في سقوط القذافي ربما تهديدًا مباشرًا لمصالحهما الاقتصادية، بينما من الجهة الأخرى كانت فرنسا تحشد المجتمع الدولي لبدء عملية عسكرية أملًا في الإطاحة بآمال إيطاليا التي تعد الشريك الأول للنفط في ليبيا والمنافس لها، أمّا أنقرة فكانت تدافع عن استثماراتها الضخمة التي وصلت ذروتها من التمدد، ثم باءت بخسائر مدوية، تجاوزت تكاليفها المبدئية نحو 2.7 مليار دولار، لكنها من جهة أخرى كانت انتصارات مجانية للإمارات. التقرير التالي يشرح لك الدوافع الاقتصادية للإمارات في ليبيا التي يمثلها الحضور العسكري عبر دعم اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، لإسقاط حكومة الوفاق التي تدعمها تركيا للسبب نفسه.

كيف خططت الإمارات للسيطرة على اقتصاد ليبيا؟

قبل تسع سنواتٍ قرر مجلس الأمن الدولي تجميد الأموال الليبية في الخارج عقب اغتيال العقيد معمر القذافي، في أكتوير (تشرين الأول) عام 2011، والمُقدرة بمئات المليارات من الدولارات في عدة مصارف عربية وأجنبية، ومع دخول الإمارات بشكل أبرز الساحة الليبية عبر دعم حليفها خليفة حفتر، خرج اتهامٌ رسمي لها من حكومة الوفاق باستيلائها على نحو 50 مليار دولار، هو حجم الأموال الليبية المهربة لديها، والذي تستغله لدعم خليفة حفتر.

وعبر محاولة الاستحواذ على نفط ليبيا، سعت الإمارات للعب دور أكثر خطورةً من دورها في صراع حرب الوكالة، ويكشف برلماني ليبي من لجنة الطاقة والموارد الطبيعية بمجلس برلمان طبرق المؤيد لحفتر خلال تصريحات لموقع «العربي الجديد» أن قرار الجنرال الليبي بنقل تبعية موانئ وحقول النفط إلى مؤسسة نفط موازية في بنغازي، كانت تقف وراءه شخصيات من دولة الإمارات، ومن ضمنها شركة «الغرير» الإماراتية.

تتقاطع التصريحات السابقة مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية بشأن تعاون حفتر مع عدد من الدول الأوروبية والعربية وعلى رأسها الإمارات في توقيع عقود شراكة مع 18 شركة على الأقل عبر المؤسسة الموازية لبيع النفط، وأوضحت الصحيفة أنها حصلت على هذه المعلومات من مسؤولين إماراتيين وأوروبيين.

وتمتلك ليبيا احتياطاتٍ نفطيةٍ هائلة تُقدر بنحو 48 مليار برميل، إضافةً إلى احتياطات النفط الصخري بسعة 26 مليار برميل، وهي الثروة التي حوّلت الصراع الليبي إلى حربٍ بالوكالة بحثًا عن حصة من كنوز النفط الليبية في أحد وجوهها، واللافت أنّ الشركات العاملة في مجال الطاقة في ليبيا، تمتلك بلدانها أدوارًا رئيسية في الصراع الليبي، وتتقاسم رغبة أبوظبي في السيطرة على النفط الليبي مع رغبات دول حليفة ومعارضة لها.

وعبر بوابة نقص السيولة النقدية في النظام المصرفي المركزي التي يواجهها طرفي الصراع الليبي، خططت الإمارات لتأسيس بنك سري تابع لها برأس مال معلن بقيمة 164 مليون دولار، يرأسه السفير الليبي السابق في الإمارات عارف النايض؛ رجلها الذي نجح سابقًا في مهمة السيطرة على الإعلام الليبي الذي تمتلك أبوظبي حاليًا نحو 70% منه بتكلفة بلغت 74 مليون دولار، بحسب دراسة أعدها مركز «إيماسك» الإماراتي.

ويهدف البنك في إحدى مهامه للسيطرة جزئيًا على الاقتصاد الليبي عبر إتاحة الفرصة لرجال الأعمال الليبين المرتبطين بالإمارات لبيع الدينار الليبي بقيمة أعلى من قيمته الحقيقية في السوق، بهدف منع الشركات الأجنبية قدر الإمكان من الاستثمار، بهدف أن تكون الإمارات هي الشركة الوحيدة العاملة في ليبيا، بحسب تسريبات.

العالم والاقتصاد

منذ 5 شهور
«بلومبرج»: في ظلال الحرب بين حفتر والسراج.. كيف حال صناعة النفط الليبية؟

سعت الإمارات أيضًا من خلال شركة موانئ دبي – تمتلك الحكومة 80% من أسهمها – في إنشاء شركة متخصصة في إدارة الموانئ في ليبيا لتكون امتدادًا للموانئ التي تديرها أبوظبي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بالإضافة إلى تواجدها في دول في شمال أفريقيا مثل مصر والجزائر، لتكون امتدادًا لمشروعها السياسي الإستراتيجي من جهة، ومنع تركيا التي تسعى هي الأخرى للسيطرة على تلك الموانئ ضمن مشروع آخر يشكل تهديدًا اقتصاديًا للإمارات. موقع «الإمارات 71» نقل عن مصادر ليبية خريطة الموانئ التي تستهدفها شركة موانئ دبي، مستقبلًا ممثلة في موانئ زوارة، وطبرق، وبنغازي، وسرت، والخمص، ومصراتة، وطرابلس، ودرنة.

إعلاميون وسياسيون وعسكر.. من يدعم الإمارات في خطتها؟

اتبعت الإمارات سياسية في ليبيا لا تقتصر على الدعم العسكري لمشروع حفتر، ولا يغيب عن هذه الرؤية ملامح الصراع السياسي الجديد الذي ترسمه الإمارات بعد حفتر في حال فشل في مهمته، فعبر الانخراط في ليبيا سياسيًا واجتماعيا في ليبيا أوجدت أبوظبي لنفسها شخصيات تابعة لها وفاعلة في الملف الليبي.

(عارف النايض، السفير الليبي السابق في الإمارات)

برز الدور الفاعل لسفير الإمارات السابق في ليبيا عارف النايض في التحرك النشيط الذي يقوم به ضد الإسلاميين، فبعد استقالته من منصبه سفيرًا في أبوظبي عام 2016، أصبح النايض هو رجل الإمارات ومنفذ سياساتها ضد حكومة الوفاق في طرابلس، بداية بلقائه القيادي السابق بحركة فتح الفلسطيني محمد دحلان خلال اجتماع بالعاصمة الأردنية عمّان لتنسيق حملة إعلامية ضد الوفاق.

التسريبات تحكي فصلًا آخر من الدور الخفي الذي يلعبه رجل الدين، فبحسب الوثائق، فهو أحد أهم الوسطاء السريين في سلسلة إتمام صفقات السلاح لصالح حفتر، إذ يقوم السفير بتسلُّم طلبات السلاح من طبرق والحصول على الموافقات عليها من أبوظبي ومن ثم إدخالها سرًا إلى الشرق الليبي.

لم تقتصر أذرع الإمارات داخل ليبيا على عارف النايض، فصحيفة «الجارديان» البريطانية نشرت تسريبات أوصلها مجهول من بريد رئيس بعثة الأمم المتحدة الأسبق في ليبيا «برناردينو ليون» كشفت دور الإمارات في خرق الحظر الدولي وشحن الأسلحة إلى حفتر، وكشفت أيضًا مفاجأة كبرى بالوظيفة الحقيقة للمسؤول الأممي الذي طلب الإذن الإمارات من قبل تسمية مرشح رئيس الوزراء الليبي.

ففي الوقت الذي عمل «برناردينو ليون» على إيجاد صيغة تفاهم بين قوات حفتر المدعومة من مجلس النواب في طبرق، وبين حكومة الوفاق المدعومة بالفصائل الإسلامية، كانت الإمارات بصدد تعيينه مدير عام لأكاديمية إماراتية بمرتب 50 ألف دولار شهريًا، ويذكر المبعوث الأممي السابق بوضوح في رسالة موجهة إلى أبوظبي يقول فيها: «إن كافة مقترحاتي وتحركاتي تتم بعلم مجلس النواب، أو بتدبير منها في حالات كثيرة، وكذلك بعلم عارف النايض ومحمود جبريل».

الإمارات أيضًا بحسب مجلة «إنترناشيونال بوليسي دايجست» الأمريكية سارعت لتكرار الدور نفسه مع المبعوث الأممي الجديد غسان سلامة – استقال من منصبه لاحقًا – الذي عمل خلال منصبه عميدًا لكلية باريس للشؤون الدولية، وهو معهد بحثي برعاية إماراتية.

أوراق الإمارات في ليبيا لا تتوقف عند استمالة المبعوث الأممي، فأبوظبي موّلت تأسيس قناة «ليبيا روحها الوطن إتش دي»، التي تكلفت أكثر من 25 مليون دولار، وبحسب دراسة إعلامية أعدها صحافيون ليبيون في عام 2016، فالإمارات تسيطر على سبع وسائل إعلامية ليبية وعدد من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ضخت فيها نحو 74 مليون دولار.

كيف ستتضرر الإمارات اقتصاديًا في حال انتصرت حكومة الوفاق؟

أطلق حفتر في أبريل (نيسان) العام الماضي معركة إسقاط طرابلس، وبالرغم من الانتصارات الميدانية التي حققتها قواته حول أسوار العاصمة الليبية، إلا أنّ توقيع حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا اتفاقية أمنية مع تركيا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حول مسار المعركة.

وعلى مدار الشهرين الماضيين، خسر حفتر معظم المناطق التي سيطرت عليها قواته، بداية من فقدانه السيطرة الجوية لأول مرة على سماء المعركة، مرورًا بسقوط مدن الساحل الليبي حتي الحدود مع تونس، نهايةً بإسقاط قاعدة الوطية الجوية، ومدينة ترهونة، وسرت.

التطورات الأخيرة تُنهي الأطماع الاقصادية للإمارات من قبل حكومة الوفاق التي تتهمها علانية بدعم الفوضى في ليبيا، في وقت تمنح فيه تركيًا أملًا جديدًا في استئناف مشاريعها المتوقفة منذ عام 2011، والتي بلغت قيمتها بحسب رئيس نقابة المقاولين الأتراك نحو 29 مليار دولار، إضاقةً إلى اتفاقات أخرى جديدة من المتوقع إبرامها، في ظل تسريبات تحدثت توقيع عن اتفاقيات اقتصادية وعسكرية لم تُعلن بعد.

وبالحديث عن موانئ ليبيا، يقول الصحافي الليبي معتصم وهيبة لـ«ساسة بوست»: «الدور الإماراتي في ليبيا اقتصاديًا يدور حول منع ظهور قوة منافسة له وعمل على ذلك منذ إطلاق مشروع ليبيا الغد في عهد القذافي، وهو ما يضر الإمارات، كون جغرافيا ليبيا أقرب لأوروبا، وبذلك موقعها الإستراتيجي أفضل من أبوظبي».

وتسيطر حاليًا على مينائي طبرق برقة شرق ليبيا، وتضع خطة السيطرة على موانئ البحر المتوسط عبر شركة موانئ دبي، وسبق أن خسرت تلك الشركة عقد احتكار ميناء «جنجن» في الجزائر التي كانت تحصل منه على 70% من موارده، ومع توقيع تركيا اتفاقية بحرية مع ليبيا، تخسر الإمارات للأبد أية فرصة للاستثمار في موانئ ليبيا.

وسبق لتركيا أن طلبت رسميًا من حكومة الوفاق للحصول على إذن بالتنقيب في شرق البحر المتوسط، لتكون ضمن استراتيجية تركية انتهجها أردوغان منذ سنوات في خطة لتوسيع دور أنقرة الإقليمي في الشرق الأوسط، سواء كان سياسيًا، أو دبلوماسيًا، أو اقتصاديًا، وعسكريًا.

منطقة الشرق

منذ 5 شهور
مترجم: أردوغان في حرب باردة ضد السعودية والإمارات.. هذا ما قد يفعله

الحرب الباردة بين الإمارات وتركيا بدأت من شرق أفريقيا عبر تأسيس قاعدة عسكرية في الصومال، فيما منحها الرئيس السوداني المعزول عمر البشير أيضًا جزيرة «سواكن» الإستراتيجية على البحر الأحمر، أهم ممر مائي في المنطقة، فيما وقّعت قطر اتفاقًا بقيمة 4 مليار دولار، من أجل التطوير المشترك لميناء «سواكن»، الأمر الذي يعد صفعة للإمارات، التي تسعى للسيطرة في حرب الموانئ، وتواجه رغبة تركية في منافستها في ضوء العلاقات المتوترة بينهما.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد